الثلاثاء، 25 كانون الأول، 2007

تأثيث الشافعي















ملف الشافعي


السودان من أول البلدان الأفريقية التي انتظم فيها التعليم الفني في مجال التشكيل بشكل مؤسسي (شعبة الفنون ببخت الرضا من أربعينات القرن العشرين و مدرسة التصميم في مطلع الخمسينات قبل كلية الفنون الجميلة و التطبيقية إلخ). و قد كان استيعاب الجزء الأكبر من خريجي كلية الفنون ـ على تباين تخصصاتهم - يتم في مدارس وزارة التربية و التعليم كمعلمين لمادة التربية الفنية. بينما تتوجه القلة من خريجي كلية الفنون لإمتهان الصناعات القرافيكية في مجالات الرسم أو التصميم البصري التجاري أو الديكور.و بين هؤلاء و أولئك يمثـُل من أدركهم "عصاب" الفن كإستثناءات تؤكد القاعدة الكبيرة، التي تضمر أن كلية الفنون هي محض مؤسسة للتدريب المهني لا تعد طلابها لمصير الفن و لا علاقة لها بأسئلة الفن العويصة ـ و الفنون جنون في عبارة الأهالي ـ.و رغم أن التردّي المادي و الفكري الذي أدرك كلية الفنون ـ ضمن ما أدرك من مؤسسات الثقافة في العقود الأخيرة ـ قد أضعف مصداقيتها الفنية، إلا أن كلية الفنون ظلت وفية ( و هيهات) للمبادئ المهنية البسيطة ـ و قيل البدائية ـ التي ابتدرها رهط جان بير غرينلو في أربعينات و خمسينات القرن العشرين.و هي تتمحور حول هم التربية الفنية كوسيلة في التنمية الإجتماعية، و في هذا المنظور اجتهد غرينلو في العناية بالتقليد الفني المحلي و تأكيد نبرة " السودنة" في الفن بين تلاميذه، و سيرة غرينلو في مشهد الفكرة التشكيلية " السودانوية" ،التي أخرجت " مدرسة الخرطوم"، يستحق المزيد من التأنـّي، و سأعود لها في براح منفصل.
أقول : هذا الطموح الآيديولوجي المبكّر للتربية الفنية ـ رغم ما شابه من علاّت عرقية و سياسية و جمالية كثيرة ـ يتميز بكونه ثبّت للممارسة الجمالية شرعية آيديولوجية ضمن الأفق السوداني الذي تتخلق فيه تنويعات الحركة الإجتماعية .
هذا الواقع يسّر للأشخاص الذين انقطعوا للفن ، بين خريجي الكلية أن يحملوا هم التربية الفنية لما وراء الحدود المهنية لوظيفة مدرس الفنون في المدرسة الثانوية، لينمسخ همّا جمعيا مركبّا بحجم التركيب اللاحق بالمجتمع السوداني.ترى هل هذا هو السبب الذي يكسب خطاب الفنانين بين خريجي كلية الفنون هذه النبرة السياسية المميزة التي لا تخطئها البصيرة؟ مندري، بيد أن المتأمل في الخطاب الجمالي المبذول في الفضاء الثقافي السوداني من طرف التشكيليين السودانيين ـ على تباين حساسياتهم الفكرية ـ يلمس بسهولة محورية الهم الإجتماعي عندهم، و الذي يملك أن يعبر عن زخمه أحيانا بشيئ من العنفوان المطبوع بمرارات الإستبعاد التي يتقاسمها جل أهل العالم الثالث.

خطر لي هذا الخاطر و أنا أتأمل في تجربة الفنان التشكيلي السوداني المقيم في الولايات المتحدة :الشافعي محمد دفع الله.فالشافعي فنان متعدد الغوايات يمارس الخلق التشكيلي ،على شرط الحرية، بين مجالات الرسم و الفتوغرافيا و النحت و التأثيث(إنستليشان) و الفيديو و أنواع العروض الحية ( بيرفورمانص) فضلا عن حساسية خاصة تجاه حضور التصاويت في الأثر التشكيلي..
و قد تخرج الشافعي في كلية الفنون في نهاية تسعينات القرن العشرين و عمل لفترة بالسودان قبل أن يغادر للولايات المتحدة عام 2001 ليشارك في معرض جماعي موضوعه الفن الإسلامي و الصوفي في نيويورك. تلاه معرض آخر في ولاية ماساشوسيت " تسعة فنانين من الدياسبورا الأفريقية". و قد حصل الشافعي في عام 2004على منحة " إقامة فنية" كفنان زائر من طرف "مركز الدراسات الأفريقية الأمريكية و الدراسات الأفريقية" و "مدرسة الفنون و التصميم في جامعة ميتشيجان".
و الشافعي فنان جم النشاط لم ينقطع عن شواغل الممارسة الفنية منذ بداياته المبكرة. تقول سيرته الفنية المبذولة في موقعه الإلكتروني
Shafeiart.net
في الثالثة عشر كان قد تمكن من تقنية مصوّر الفيديو بكفاءة و في التاسعة عشر أقام أول معرض فردي احتوى على معروضات تعكس تعدد غواياته الجمالية بين النحت و الرسم و التصوير و الخط.و على تعدد الغوايات الجمالية يضيف الشافعي غواية العمل العام بانخراطه كعضو نشط في اللجنة التنفيذية لإتحاد الفنانين السودانيين. و خبرة الإشتغال بالعمل العام تمثل نوعا من قاسم مشترك أعظم يلتقي عنده أغلب ـ و كان ما نخاف الكضب نقول :" كل" ـ الفنانين التشكيليين السودانيين.و ربما أمكن فهم إنخراط التشكيليين السودانيين بعفوية في شواغل العمل العام من طبيعة ممارستهم الفنية التي تكتمل دورتها في لحظة المعرض، و المعرض لحظة لقاء عام و محفلي يعرض فيها الفنان ثمرة جهده الفني للناس مثلما يعرض ذاته كطرف فاعل ضمن هذه الجماعة المتحلقة حول عمله و حول شخصه في طقس جمعي فحواه الإحتفال بحضور الفرادة الإنسانية الفنية التي لا تتكرر، فالناس الذين يدخلون دائرة المعرض ينظرون في متاع الفنان و ينظرون في هيئة الفنان و يتساءلون : ما هذا؟ و من هذا؟ و كيف هذا؟ و لم هذا ؟و متى هذا؟ و أين هذا؟ و كم هذا؟..و هي أسئلة قد لا تواجه المبدعين الآخرين ،من غير قبيلة التشكيليين، بكل هذه المباشرة ،أو هي قد تواجههم بشكل أقل فظاظة، ربما بحكم أن لحظة المواجهة مع الجمهور تتم عند الأدباء و الموسيقيين و المشهديين بشكل أقل أقل عنفا( راجع الأدب المنشور عن المعارض في السبعينات، و سأعود لهذا في مقام منفصل) .و قد عرفت حركة التشكيليين السودانيين، في العقود الأربعة الأخيرة، أكثف لحظات التواصل بين الفنانين و الجمهور في لقاءات المعارض التي كانت تبدو مشحونة بما يتجاوز مفاهيم الهم التشكيلي لتتداخل مع معاني الهم السياسي و الفكري حيث تتخلّق الأفكار الرئيسية في مناقشة القضايا الإجتماعية لأهل السودان.
المهم يا زول، الكلام عن الوضعية المميزة للفنان التشكيلي الحديث في السودان، بوصفه شخصية أصيلة من شخصيات مشهد العمل العام، يحتاج لبحث يطول، و تعريجتي على الموضوع أملاها ملمح العمل العام في مسار الشافعي دفع الله. و بعد الإنخراط في الممارسة الجمالية كعمل عام يبدو ، في أكثر أشكاله جلاءا ، عند الشافعي دفع الله في ذلك الشكل التعبيري الذي تواضع نقاد الفن على تسميته بالـ " إنستاليشَن"
Installation
و العبارة تغطي معاني فن تأثيث المكان و تعريف الدلالة الجمالية (و الأخلاقية و السياسية إلخ) التي يمكن أن تنتج من إستجابة الناس لعلاقة الأثاث بالمكان و الزمان الذين اختارهما الفنان المؤثـّث حسب طبيعة القطعة التي صنعها أو اصطفاها. و التأثيث بهذا الأفق يبدو أقرب لطبيعة عمل النحات بحكم طبيعة الإشكالية الفضائية التي يطرحها، بيد أن مبدأ فن التأثيث يتجاوز الإحتفاء الفتيشي التقليدي بالقطعة ( التحفة) ليقود الجمهور لمقام العلاقة المركبة بين القطعة ، التي تفقد بعض ( و قيل كُل) مركزيتها كشاهد جمالي، لصالح المقام الإجمالي الذي يتخلق ضمنه السؤال الجمالي للفنان.و سؤال التأثيث الذي زعزع موقف المركزية الجمالية للأثر / التحفة المصنوعة المبرئة لذمة الصانع، هو سؤال قديم شغل الفلاسفة و الفنانين من قرون طويلة.و قد طرحه ، ضمن إضاءة جديدة ، مولانا مارسيل دوشان من خلال قطعه الفنية " الجاهزة" (ريدي ميد) الملتقطة من أشياء الحياة اليومية( كالمبولة و مجفف الزجاج و الجاروف إلخ) ، و التي كان يطلقها كآثار فنية مثلها مثل لوحات و منحوتات الفنانين الآخرين و يجادل من وراءها حراس مفهوم التحفة النهائية.و قد اشتغل الدادائيون و السورياليون و أهل البوب آرت على لقيات مارسيل دوشان و طوروا عليها تفاكير جمالية أثرت كثيرا على حركة الخلق الجمالي المعاصرة فيما وراء الحدود الجغرافية لأقاليم التعبير التشكيلي. بالذات في فضاء جماليات الأدب في موضوعات مثل" تعريف موقع الخطاب الأدبي( و حدود فعل القراءة)" و "موت المؤلف" إلخ..أقفل أقواس التعريجة الدوشانية و لا بد لي من عودة متأنية لموضوع الـ " ريدي ميد " و عواقبه، و للقلم رافع.

في التأثيث الأول" الماء و النار"، المكرس لموضوع إحترام حقوق الإنسان ،و ذلك من خلال حادثة إعتقال المصور الصحفي السوداني" سامي الحاج" الذي كان يعمل في قناة" الجزيرة"، حين اعتقله الجيش الأمريكي و رحله لغوانتانامو حتى اليوم. في هذا التأثيث قام الشافعي ـ الذي يعرف سامي شخصيا ـ فكلاهما من سنار ـ قام بتهيئة حيطان الصالة بمجموعة من خربشات الشوارع الـ " غرافيتي" التي يقرأ فيها المتفرج عبارات ناقدة لسياسة جورج بوش و لحرب أمريكا في الشرق الأوسط من نوع :" الحرية لسامي الحاج " أو " العار في غوانتانامو " أو " كلما كذب بوش يموت شخص هدرا" إلخ.و عرض صورا فتوغرافية لأشخص تحمل أجسادهم آثار التعذيب البدني.
و التأثيث الثاني ، " ذاكرات اللاجئ"، موضوعه نقد سياسة الولايات المتحدة العدوانية و حروبها في الشرق الأوسط .و قد هيأ الشافعي صالة التأثيث بطريقة تخدم موضوع العمل، فغطى أرض الصالة بالرمل ، ربما لنقل المشاهد لبيئة صحراوية شرق اوسطية ، بينما علق على الحيطان و في وسط فضاء الصالة مجموعة من صحائف الطين المحروق مزينة بزخارف ذات إشارات أيقونية ثقافية متنوعةو بكتابات في لغات مختلفة معظمها تدين الحرب و تدعو للسلام بين الشعوب.
و في كلا التأثيثين يهيئ الشافعي المكان كخطاب سياسي يدين سياسة الولايات المتحدة ويجرّم إدارة جورج بوش و يحملها مسئولية الدمار الحاصل في مناطق الحروب الكبيرة.

استرعى انتباهي في عمل الشافعي البعد الإجتماعي السياسي الماثل في تأثيثاته و التي تحتوي على شحنة نقد سياسي قوي النبرة، تجاه الواقع السياسي المعاصر، الذي تلعب الإدارة الأمريكية في تشكيله الدور الرئيسي.ذلك أن مجرد نقد تمثلات آيديولوجيا الرأسمالية في أمريكا ـ ناهيك عن نقد سياسة الإدارة الأمريكية ـ يعرض الناقد الأمريكي ( بجاه الـ " باتريوت آكت") لمخاطر النظر الشذر من طرف القائمين على مؤسسات رأس المال و توابعها الثقافية.فمابالك إن كان هذا الناقد فنان شاب لجأ للولايات المتحدات هربا من عسف الحياة في سودان نظام الإنقاذ و وضعية استقراره في الولايات كأجنبي تتميز بهشاشة كبيرة؟

يخطر لي هذا التساؤل لأني أعرف في الولايات نفرا مشهودا بين المثقفين السودانيين اليساريين ممن ألقت بهم الظروف في بطن الغول الأمريكي، فآثروا السلامة و هجروا العمل العام، و فيهم من قلب صفحة الماضي الديموقراطي الباسل الذي بسببه غادروا بسطام الحارة الجافة المتلافة إلى هذي الولايات المتحدات على قهر المساكين في مشارق الأرض و مغاربها.أقول أن الصحاب فتحوا صفحة جديدة أمريكية و انمسخوا " ناس معايش " على حكمة " الخواف ربى عيالو" و الرزق على الله إلخ. فما الذي يجعل هذا الفنان الوافد من ضواحي العالم الثالث يتجاسر على إتخاذ موقف العداء الآيديولوجي السافر لهذا العم الـ " سام" الذي يرى نفسه ـ بل و يراه الجميع ـ كمالك العالم المعاصر؟
هل عثر الشافعي على فجوة في استحكامات الغول الأمريكي فتخندق داخلها ليطلق سهام نقده السياسي و هو آمن؟
أم أن الأمر لا يعدو نوعا من الـ " طلاشة " الثورجية الشبابية ؟
أم هي الـ " رجالة" السودانية بتاعة أهلنا الزمان ؟
أم هي خيار واع للفنان المسؤول الذي يعرف عواقب إلتزام المبدع تجاه نفسه و تجاه الآخرين الذين يقاسمهم شرط الحياة في هذا العالم؟
كل هذه التساؤلات في مصائر المبدعين السودانيين المعاصرين تتجاوز مقام الكلام عن تأثيث الشافعي، رغم أن تأثيث الشافعي هنا هو ذريعتنا الراهنة للخوض في هذا الأمر، و هي بلا شك تحتاج لرجعة متأنية و سأعود لها بالتفصيل طال الزمن أم قصر.
و التأثيث ـ لو رجعنا لموضوعنا ـ التأثيث كمنهج في ممارسة التشكيل يجد أصله عند الشافعي في طبيعة تخصصه كنحات.ذلك أن غاية عمل النحات إنما تنطرح كسعي لتعريف أفضل إحتمال لعلاقة المنحوتة مع الفضاء الذي تؤثـّثه.و في هذا الأفق لفتت نظري منحوتة مبكرة للشافعي تتجلى فيها حساسيته تجاه مفهوم التأثيث.و هي القطعة المركبة من مجموعة صائدي الأسماك النيليين و التي يعتمد منطق التأثيث فيها على الوهم البصري لفكرة المنظور
Perspective
. و مشهد الصيد الواقعي بعض من ذكريات طفولة الشافعي في سنار.ففي فترة " الدميرة " التي تتزايد فيها نسبة الطمي في مياه الفيضان تضطر الأسماك للطفو بحثا عن الأوكسجين،و هي فترة يعرفها النيليون و ينتظرونها كلحظة صيد موسمي ينظّمونه بشكل طقوسي.و هي عند الشلك مثلا ذات علاقة بالمراجع الإعتقادية على محاور الأرض و السماء و السلطة.
و المنحوتة التي تمثل خمسة صيادين تلعب، كما قلت ، على فكرة الوهم البصري للمنظور لأنها تعيد تشكيل فضاء المنحوتة الواقعي و تغير ابعاده حسب زاوية نظر المشاهد.ذلك أن الفضاء الوهمي للقطعة يتخلّق، من جهة أولى، حسب موقع المشاهد و حسب ترتيب القطع التي تتكون منها المنحوتة ، من جهة أخرى.بحيث أن القطع الخمسة تعطي الإنطباع بعمق بصري مداه عشرات الأمتار رغم أن العمق الواقعي للمنحوتة لا يتجاوز مداه ثلاثة أمتار فقط. و هذا الإستخدام لوهم المنظور البصري نادر عند النحاتين ـ و هو غالبا من حظ الرسامين المصورين الذين يعملون ضمن فضاء ثنائي الأبعاد ـ لأن النحات بطبيعة الخامة نفسها إنما يخلق أثره منذ البداية ضمن فضاء ثلاثي الأبعاد.و بخلاف بعض الحيل البصرية التي تهدف لـ " تصحيح" زاوية "المنظورالمقصّر"(لو جازت ترجمتي للعبارة:
Forshortening
في بعض المنحوتات النصبية العالية، بغرض تمكين المشاهد من استيعاب نسب المنحوتة و هو يتأملها من أسفلها ،فإن تاريخ الممارسة النحتية يحفظ القليل من الآثار النحتية التي استثمرت فكرة المنظور الوهمي.
هذه المنحوتة المبتكرة المصنوعة من الأسمنت بالحجم الطبيعي (1996) كانت ضمن ما عرضه الشافعي في معرض تخرجه في كلية الفنون و قد اقتنتها طبيبة فرنسية كانت في السودان ضمن منظمة " أطباء بلا حدود".و حسنا فعلت ،فأعمال النحاتين في السودان غالبا ما تنتهي مرمية وراء استوديو النحت إن لم يهجم عليها المهوسون من محطمي الأصنام الذين خرجوا من القرن السابع.
.

حتى نتمكن من تنزيل الصور ذات الصلة بالتأثيث أحيلكم لموقع الشافعي دفع الله على الرابط:
Shafeiart.net

سأعود.


"غنم ابليس" و بقر امبررو..


ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

مفتاح لـفن النحّات
.........................
" فلان سارح بغنم ابليس"، عبارة دارجة في بلاغة الأهالي ، تدل على حال الشخص الذي تشغله الهموم فـ " يسرح" بعيدا عن الواقع المباشر،أما الشافعي دفع الله النحات، فهو يسرح، منذ سنين، من مرسمه في "آن آربور" (ميتشيجان) بأبقار فلاتة أمبررو جنوبي النيل الأزرق ويراقبها في حلها و ترحالها ، ثم يجني من ذلك حاصلا تشكيليا ثمينا يتجلى في مجموعة الرسومات و المنحوتات و الفتوغرافيات التي يعمل عليها منذ سنوات. مثل هذه المنحوتة متعددة القطع التي تستلهم رسومات فلاتة أمبررو ( بلغ عدد القطع 23 قطعة حتى الآن و الشافعي ما زال يعمل عليها).و مجموعة القطع التي تكوّن المنحوتة تظل قابلة للتنضيد على أكثر من وجه بحيث أن المعنى التشكيلي الجمالي يتأسس مجددا في كل مرة بشكل مغاير من تنويع العلاقات بين القطع و الفضاء وطرائق المشاهدة .
هذه الطريقة في مباشرة النحت ليست جديدة في تقليد النحت ، وهناك عدد معتبر من النحاتين، عبر القرون، انتفع بأسلوب المنحوتة المتعددة القطع كونها تمكن النحات من أن يحكي حكاية " أدبية " مركبة بلغة الأحجام.و لقد برع النحاتون الحكواتية منذ العصر الإنطيقي في إبتداع التراكيب المبتكرة التي مكنتهم من حكاية أكثر القصص تشويقا.و من أفضل أمثلة النحت الذي يحكي تحضرني تلك المنحوتة المتعددة القطع المعروفة في تاريخ النحت الهلليني بـ "لاوكون و ولديه"
Laocoon, Rome, Musée Pio-Clementino(Vatican)
لمزيد من المعلومات عن لاوكون أنظر الرابط:

http://fr.wikipedia.org/wiki/Laocoon
http://en.wikipedia.org/wiki/Laoco%C3%B6n

. و " لاوكون " الطروادي هو كاهن معبد" أبولون" الذي يقال أنه استحق عقاب "أبولون" لأنه خان نذر العزوبة و تزوج ضد تعاليم "أبولون".تقول الأسطورة أن " لاوكون" كان بسبيل تحذير أهل طروادة من مغبّة إدخال الحصان الخشبي الذي تركه الأثينيون ، بعد إنسحابهم التاكتيكي عن حصار طروادة ،لأنه شكّ في الغنيمة المسمومة و أطلق قولته المشهودة التي صارت مثلا: " لنحذر الأغريق و إن جلبوا معهم الهدايا"( فيرجيل)، لكن " زيوس" سلّط حيّتين عملاقتين خرجتا من البحر و خنقتا الكاهن و ولديه حتى الموت.و المنحوتة التي وصلتنا من القرن الثاني قبل ميلاد المسيح ،هي نسخة من الرخام استنسخها ، عن نسخة البرونز الأصلية التي كانت تزيّن معبد زيوس في " بيرغام" ، ثلاثة من النحاتين الهيللينيين هم "أغيساندروس" و "آثينودوروس" و" بوليدوروس" .توجد المنحوتة حاليا في روما في متحف " بيو كليمنتينو" بالفاتيكان.و هي بطبيعتها النصبية( بارتفاع مترين و نصف تقريبا) و بشحنتها التعبيرية المؤثرة تفرض نوعا من الهيبة على المشاهد كونها تأخذه ماديا و نفسيا في حضورها الدرامي الغامر.و هو حضور تتضامن عليه أكثر من مكيدة مشهدية و تشكيلية في وقت واحد.فالمتأمل في هيئتي ولدي " لاوكون" يجد فيهما نوعا من التنويع الحركي الإيمائي الذي يردد ـ كما الصدى ـ ذلك الحدث الحجمي المركزي المتمثل في جسد الأب العملاق المتلوّي من المعاناة.بل أن جسد المتفرج القريب من القطعة يملك ـ ضمن مخاطر إنزلاق المشاهدة ـ أن يندمج في رقصة الصراع ضد هذا البلاء الإلهي الذي يلف الجميع و يؤلف بينهم على مشهد كوريغرافيا مهلكة لا ترجى معها نجاة.
و قد لا تكون لمنحوتة الشافعي دفع الله المتعددة القطع علاقة مباشرة مع " لاوكون"، لكن الشافعي كنحات يبقى ضالعا في ميراث النحت العالمي بطريقة أو بأخرى ، و قيل "بطريقته" الأخرى.أو كما قال :
" مرجعيتي في النحت لها علاقة بالنحت الذي يحكي قصة أو أسطورة، أما بالنسبة للعدد ، في هذه القطعة التي تمثل أبقارا، فالعدد مهم، و عند فلاتة امبررو هناك اشياء كثيرة تعتمد على عدد الأبقار، فعلى أساس العدد يمكن أن يتم تقسيم الفريق،و عبارة "أمبررو " عند الفلاتة تعني رعاة الأبقار، و هناك فلاتة لا يملكون ما يكفي من البقر ليستحقوا صفة "أمبررو"، و هو يقولون : الزول الماعندو بقر يترك الخلاء و يمشي يعيش في المدينة.و لعل منحوتته الأخرى حول موضوع الصيد الطقوسي(1996) التي تناولناها في المقالة الأولى"تأثيث الشافعي " تكشف عن حساسية الشافعي الخاصة تجاه نوع الأعمال النحتية متعددة القطع. و ربما كانت حساسية الشافعي تجاه معنى العدد في النحت تؤشر لتيار خفي بين النحاتين السودانيين، و مع الشافعي تحضرني أسماء لنحاتين سودانيين انتبهوا لدلالة الكثرة و التراكم في تدبير المنحوتات، أولهم عامر نور( صاحب أغنام شندي ) و ليس آخرهم أحمد العربي (صاحب منحوتة الطيور).فالشافعي في منحوتة عن الصيد الطقوسي يطرح خمسة قطع تمثل خمسة أشخاص مغمورين جزئيا في مناطق متنوعة العمق من النهر، و يربط بين القطع الخمس، شكليا، ترداد كتل الأجساد التي تتنوّع تشكيليا حسب إنخراطها في منظور الفضاء وحسب إنغمارها في عمق الماء.بينما يربط بينها على الصعيد الرمزي "الأدبي" إنخراط كل شخصية بكليتها في هيئة الصياد الذي يتفرّس صفحة الماء.و الشافعي في هذه القطعة يحكي حكاية عمل الصياد بلغة الأحجام التي تضمن له كفاءة أداءه فيها أن يتخذ من الأدب، أدب الحكي ، ذريعة مقبولة لمباشرة الخلق التشكيلي.
لكن الشافعي في هذه القطعة المبنية على موضوع أبقار فلاتة أمبررو لا يهتم بالحكاية الأدبية التي يمكن تحميلها على ظهور المنحوتات التي تمثل أبقار أمبررو، رغم أنه ـ بحكم معايشته الحميمة لرعاة فلاتة أمبررو ـ لا بد أن يحفظ الكثير من الحكايات. لا، الشافعي ـ في نظري الضعيف ـ في هذه المنحوتة ، لا يحكي أكثر من حكاية علاقات الأحجام بالفراغ في الإحتمال التشكيلي المتولد من ترداد هذه الكتل التي تخفي خلف بساطة مظهرها تلخيصا حاذقا لجملة من المهارات التشكيلية التي خلّقها الشافعي من واقع إنكبابه على صنعة النحات و حصّلها من واقع أرتكازه الذكي على لقيات التشكيليين من فلاتة أمبررو الذين رسموا له على مدى شهور طويلة مشاهد لا تحصى من وقائع حياتهم العامرة.
أذكر أول مرة دخلت مرسم الشافعي في مدينة " آن أربور"(ميتشيجان) استرعت ناظري القطع التي تمثل الأبقار، جزء منها مغطى بكتلة من الشمع البني الداكن أو الأبيض وقد أكسبها الحَكْ الدؤوب بأداة مسنّنة تسنينا منمنما،أكسبها ملمسا يستدعي إلى الخاطر البصري خشونة الخشب البدائية المحبّبة،بينما بقي الجزء الآخر من المنحوتات التي لم تكن تتجاوز السبعة في هيئة هيكل بسيط من السلك المعدني ينتظر تغطيته بطبقات الشمع، و على حائط المرسم ثبّت الشافعي ما يقارب العشرة من الرسومات المستنسخة بالأبيض و الأسود بخط قلم الرصاص أو بقلم الحبر أو الماركر على الورق ، و هي رسومات أنجزها أشخاص تتنوّع هوياتهم الجنسية و أعمارهم و مهاراتهم التقنية و يجمعهم كونهم كلهم من عشائر فلاتة أمبررو الذين أقام الشافعي بينهم لعامين في النصف الثاني من التسعينات.و إقامة الشافعي بين فلاتة الأمبررو تجربة تستحق المزيد من التأنـّي في خصوص علاقة الفنان المُدرَّب بالإنتاج الفني للناس الذين لا يمتهنون الفن. و سأعود لهذا الأمر في مقام مستقل.و باختصار شديد كان الشافعي، أبان إقامته مع فلاتة أمبررو يبذل لكل مجموعة الأقلام و الألوان و الورق و يطلب منهم أن يرسموا ما شاء لهم .و كانت حصيلة تلك التجربة كمية ضخمة من الرسومات معظمها يعالج مشاهد الحياة اليومية للقوم مع تفاصيل الحياة المادية و الرمزية. و قد انتخب الشافعي من هذا الكم الواسع مجموعة من الرسومات التي تمثل الأبقار ليخلق عليها كنحات مشغول بعلاقات الأحجام في الفضاء.و من مشهدي النحتي الشخصي بدت لي هياكل السلك المعدني البدائية المبثوثة على طاولة المرسم كما لو كانت احتمالا مغايرا، ثلاثي الأبعاد، في تلخيص الحضور التشكيلي لأبقار الفلاتة إستئنافا لما هو مبذول على الورق.و سألت الشافعي عما إذا كان ينوي عرضها على حالها المعدني، فلم ينفر من الفكرة، حسب إجابته السريعة:" طبعا ممكن".. لكنه ـ فيما بدا لي ـ كان مشغولا بمتابعة مشروعه النحتي باستكمال الكتل بمزيد من خامة الشمع و إكسابها ذلك الثقل المادي و البصري الذي أنجزه الشافعي في الجزء "المشمّع" من المنحوتات قلت مبررا فكرتي أن الأبقار في إحتمال السلك المعدني تبدو أقرب لسلسة" ثيران بيكاسو" التي نفذها ،بتقنية الليثوغرافيا ، على طموح تلخيص صورة الثور في عناصرها الخطية الأساسية. و التلخيص التشكيلي مشروع انخرط فيه بيكاسو منذ منتصف الأربعينات على أساس الزعم الجمالي الذي يفترض أن:
" خير الكلام ما قلّ و دلّ"، و أن صور الأشياء إنما تنطوي على نوع من جوهر أساسي يدركه الفنان في كفاح البحث المحموم. و هو الزعم الذي سوّغ لفناني حركة "الفن المُقـِل"، لو جازت ترجمتي لتعبير الـ
Minimalism

في ستينات القرن العشرين،سوّغ لهم أن يطرحوا آثارا تشكيلية يبلغ بها الإقلال التشكيلي حد الفسالة الجمالية، أو كما قالوا على أثر المعماري و المصمم " ميز فان دير روه" الوافد من مدرسة الـ " باوهاوس" :
" القليل كثير"
« Less is more »

، و هي العبارة التي انمسخت أيقونة نقدية لحركة جمالية بحالها:

لمزيد من تصاوير الثيران عند بيكاسوأنظر الرابط
http://laboiteaimages.hautetfort.com/archive/2005/11/03/taureau-dans-tous-ses-etats.html

لكن مسعى بيكاسو التشكيلي كان ينطوي على قصد آخر مخالف لقصد "المقلّين" الأمريكان من شاكلة "بارنيت نيومان" و" سول لويت" و" ديفيد سميث" و دونالد جود" الذين توصلوا للقياتهم التشكيلية من قناة التأمل الفلسفي و استخدموا التشكيل كوسيلة إيضاحية لإشكالية فلسفية و لغوية.فبيكاسو كان يقيم ـ بعيدا عن الفلسفة ـ على قناعة دينية صلدة بوجود حقيقة تعبيرية صادقة و بريئة مودعة في دخيلة النفس الفنانة، و ذلك قبل أن يطمسها التعليم الأكاديمي و التهذيب الإجتماعي المنافق.هذه الحقيقة التعبيرية هي حقيقة البداءة الإنسانية الأولى التي تسكن أفعال الطفل الصغير ـ" الجاهل " كما يعبر السودانيون ـ مثلما تسكن ابداعات المتوحش البدائي سليم الفطرة، الذي لا يعرف الشر و لا الخطيئة و لا الحضارة.و في هذا المشهد أورثنا بيكاسوـ رائد التكعيبية الفنأفريقانية ( آنسات آفينيون 1907) و سأعود لهذا لاحقا ـ و الواقف في موقف الطفل البدائي على خشبة مسرح الفن الأوروبي الحديث، أورثنا أكثر من قولة أيقونية جبارة في الإحتفاء بالفن المتولد عفو الخاطر من الروح الطفولي للفنان أو/و من العفوية الفطرية للبدائيين المتوحشين،( بريميتيفيزم) من شاكلة :
ـ في طفولتي كنت أرسم مثل رافائيل و في رشدي كافحت سنينا حتى أتمكن من الرسم مثل الأطفال..
أو حينما يتحدث عن تبخيسه لفكرة البحث في الخلق التشكيلي في زهو مشاتر :
أنا لا أبحث و لكني أجد..
Je ne cherche pas, je trouve !

في هذا المشهد يمكن فهم كفاح بيكاسو ـ الذي" يبحث" رغم أنفه ـ للوصول لما هو "جوهري" في رسم صورة قصوى للثور، بعد عشرات المحاولات المتدرجة من الصورة الأولى العامرة بالتفاصيل لغاية الصورة الأخيرة التي تجرد الثور من لحمه و ترده لهيكله البدائي الذي يستغني بفقره الجمالي المقصود عن فضول الزخرف البلاغي و أنواع المحسّنات السطحية.
في هذا المنظور، منظور كفاح بيكاسو لمقابلة رسامي فلاتة الأمبررو عند جوهر صورة الثور، ساغ لي أن أسأل الشافعي إن كان ينوي أم لا عرض هياكل السلك المعدني في حالتها الإبتدائية ، والتي وجدت فيها أنا قرابة تشكيلية بصرية و رمزية مع رسومات فلاتة أمبررو لأبقارهم.لكن الشافعي مضى وراء طموحه الخاص و لم ينشغل كثيرا ، لا بكفاح بيكاسو للعودة لجوهر البداءة في صورة الثور النهائي الذي يلخّص كل ثيران الوجود، و لا بتصاوير امبررو لثيرانهم التي تبدو فيها أبقارهم كما يرونها بعين البصيرة الرمزية لا كما يرونها بجارحة البصر.
و قد أكبرت في الشافعي أنه انشغل بمشروعه الخاص و لم يتبع سبيل بيكاسو مثلما لم يتبع سبيل فناني أمبررو.فمن جهة أولى يبدو لي أن سبيل بيكاسو البدائي و (أو) الطفولي سيؤدي بفنان في شرط الشافعي ـ (فنان من أصل أفريقي في أمريكا) في منزلق التشكيل الأفريقاني الذي يستغني باسئلة الهويولوجيا العرقية و حوار/حرب الحضارات ،وما شابه من ترهات المركزية الأوروبية، عن الإنشغال بأسئلة الفن الأكثر إلحاحا في أفق الحركة الإجتماعية بتعبيراتها الجمالية و السياسية.
و من الجهة الثانية فإن إتباع سبيل فناني فلاتة أمبررو يملك أن يؤدي بالفنان المعاصر في منزلق " أستلهام الفولكلور"و " تطوير الفن الشعبي " الذي أورثنا ـ عبر بعض أمثلة مرذولة لتيار " مدرسة الخرطوم " ـ أصناف الإستنساخ الإفتراسي الجائر للقيات الفنانين الموصوفين بـ "الشعبيين " من طرف فناني الصفوة الحضرية الحائزين على دبلومة مبرئة للذمة الطبقية.ذلك أن فلاتة أمبررو الذين رسموا للشافعي مشاهد حيواتهم على الورق ـ رغم إنعدام معلوماتهم الفنية و رغم غياب تدريبهم التقني على الطريقة الأوروبية ـ ليسوا أكثر أو أقل " شعبية " من هذا التشكيلي المعاصر، خريج كلية الفنون، الذي قدم لهم الأقلام و الورق ليرسموا.و خلاصة القضية يمكن إيجازها بكوننا جميعا سواسية أمام هم التعبير.و احتياز التعليم المدرسي كما جرى المثل"الشعبي""ما بزيل بلم" ، بل و منه نوع " يزيد البلا"، بلاء الشعب الصابر،
" الشعب منو؟"خارج دائرة هؤلاء الفقراء الأماجد المجبولين على صدق التعبير في أحلك الظروف؟
" الشعب منو؟" خارج دائرة هؤلاء الفنانين الذين يحملون هم العمل العام في مقام الخلق الجمالي مثلما يحملون هم الخلق الجمالي ضرورة في مقام العمل العام؟
" الشعب منو؟"، أو كما قال الطاهر في " بندرشاه":
" .. يحيا الشعب. الشعب منو غير ناس سعيد عشا البايتات السّجم؟"
المهم يا زول، زي ما قال الشاعر: " كلنا في الهم ـ هم الخلق ـ شعب" .. فرحت كثيرا بالنتيجة التشكيلية التي توصل لها الشافعي حين رأيت صورة العمل مكتملا.فقد مضى الشافعي لنهاية منطقه الجمالي في خلق تنويعات حجمية و لونية على الإحتمال التشكيلي البصري الذي تطرحه صورة مجموعة الأبقار.و كان الحاصل النهائي مجمعة من القطع تتضامن كلها لإكساب المنحوتة المتعددة الوجوه صورتها النهائية . و تعدد القطع و تباينها و استقلاليتها يمنح الفنان فرصة اللعب على منطق التنضيد المتجدد للقطع بما يفتح الباب لتجديد زوايا المشاهدة .و جدير بالذكر أن هذا المذهب في تنضيد المنحوتة المتعددة القطع ليس إختراعا خاصا بالشافعي،فهناك نحاتون معاصرون كثيرون عالجوا إحتمالات الخلق التشكيلي المتجدد على مبدأ التنضيد الذي يجدد المشاهدة.ولا أدري أن كان الشافعي ، في منحوتته ، قد استهدى بتجربة أستاذنا عامر نور أم لا، و رغم أن الشافعي درس النحت في كلية الفنون ( مع عبده عثمان و عبد الرحمن شنقر) ، إلا أنه لم يتعرف على أعمال عامر نور إلا مؤخرا. لكن تجربة عامر نور في هذا المضمار تعتبر من أنصع الأمثلة المعاصرة على هذا الأسلوب في معالجة النحت.و عامر نور، لمن يجهلونه ، من مواليد شندي في 1939، تخرج في قسم النحت بكلية الفنون و عمل بها رئيسا لقسم النحت بين 1963 و 1965 و درس النحت في بريطانيا في مدرسة سليد للفنون بجامعة لندن و في الكلية الملكية. و في عام 1969 فاز بمنحة من مؤسسة روكفلر مكنته من أن يواصل دراسته في الولايات المتحدة في جامعة ييل. و هو يقيم منذ 1974 في شيكاغو حيث يمارس النحت بالإضافة لعمله بتدريس الفن بجامعة ترومان.

و عامر نور ، حسب أولريش كلوينغ ،" ضالع بطريقته في أسلوب تيار الفن المقل"مينيماليست" الذي عرفته الحركة الفنية في الولايات المتحدة في الستينات.لكن التدبير الفضائي لمنحوتاته ذات الشكل المبسّط يتكشّف عن تأثيرات ثقافية و عن تجربة شخصية غنية مثلما يتكشف عن إحالات مرجعية متنوعة."..ومنحوتته المعنونة "الرعي في شندي"
Grazing at Shendi
مكونة من مئتين و اثنين قطعة متفاوتة الأحجام صنعها الفنان في شكل أقواس اسطوانية من الحديد الصلب، تبدو ،عند تنضيدها على الأرض، في شكل قطيع من الأغنام التي ترعى في الفضاء.و عامر حين يتحدث عن منحوتته يملك أحيانا أن يحيلها أيضا لترداد أشكال القباب في المشهد الريفي في السودان. و قد شاهدت لعامر أكثر من إحتمال في قراءة هذه الأقواس المعدنيةحين نضدها مرة في شكل حية ضخمة تسعى على الأرض ـو حين نضدها ـ أكثر من مرة ـ في شكل سلاسل ضخمة من الحديد. و لا شك أن إحتمال السلاسل الحديدية ينطوي على إحالة رمزية جبارة في مشهد تاريخ الرق الأفريقي الأمريكي.و شجون الكلام عن عمل استاذنا عامر نور طويلة ، لكني أكتفي هنا بهذه التعريجة الموجزة التي أملتها ملابسات قراءة المنحوتة متعددة القطع، و أعد بالعودة لعمل عامر نور في مقام مستقل.

لمزيد من المعلومات عن عامر نور أنظر الروابط

http://www.trumancollege.cc/news/fullstory.php?StoryID=30

http://www.culturebase.net/artist.php?1137

http://africa.si.edu/exhibits/dialogue/nour.htm

http://www.africultures.com/index.asp?menu=revue_affiche_article&no=1855
http://universes-in-universe.org/deu/intartdata/artists/africa/sdn/nour

سأعود..بل قل: سنعود كلنا بلا شك، لهذا الموضوع العويص المركب المتشعب بين الفن و الأنثروبولوجيا و العمل العام .و أرجو أن تكون السطور السابقة بمثابة فاتحة خير لمناقشة طموحها يتجاوز أفق التشكيل دون أن يغفل عنه.




غنم ابليس و بقر أمبررو
مفتاح لفن طفولة الفن
في النصف الثاني من التسعينات أنفق الشافعي دفع الله فترة السنتين في رفقة بعض عشائر " ببيجي" من الفلاتة الفلانيون الرحل الذين يشتغلون بالرعي في منطقة النيل الأزرق ( مايرنو)،و هم الذين يطلق عليهم صفة الـ " أمبررو" التي تعني " رعاة الأبقار" ..و يحفظ الشافعي من تلك الفترة تجربة المشي لساعات طويلة مضنية وراء القطعان، و رفاق الدرب المشاة المدربون يعزّونه بقرب الوصول لمستقر ما ينفك يتباعد كلما قالوا :" خلاص ساعة بس ووصلنا" لكن ساعة أهل البوادي ليست ساعة أهل الحواضر .." أول يوم ـ في 15 يوليو 1996 ـ تحركنا من الظهر من الدمازين نحو أبو حجار، برفقة الحاج " دونا" و شابين من عشيرته. وفي منتصف الخلاء أوقف الحاج دونا السيارة التي كانت تقلنا فنزلنا و حملنا أمتعتنا و بدأنا المشي .و مشينا وسط غابة من الطلح و الحشائش الخضراء، و قالوا لي حنمشي زي ساعتين أو تلاتة. مشينا لحدي الساعة تسعة ، و واصلنا المشي في الظلام الدامس،كنت أتبعهم على صوت أقدامهم دون أن اراهم.عطشت فقالوا لي سنمر بمكان فيه ماء.تعرفوا على المكان في الظلام من نقيق الضفادع.اغترفوا و شربوا و أعطوني فشربت. قال أحد الشيان : هذا الماء به أسماك صغيرة.فقلت له : من المستحيل أن تعبش الأسماك في مجرى ماء صغير مثل هذا المجرى الذي يجف في الصيف غالبا. اتضح لنا فيما بعد أن الأسماك التي كان يعنيها ما هي إلا صغار الضفادع،قلت في نفسي " أصغر منك دوسه"..واصلنا المشي حتى منتصف الليل و رقدنا بالليل زي تلاتة ساعات، و لم يتركنا المطر الذي هطل فجأة ننعم بالنوم فأخرج كل واحد مشمع البلاستيك من متاعه. و في الساعة خمسة صباحا وقالوا لي " الفريق ياهو هنا قدّام" و وصلنا الفريق حوالي التاسعة صباحا ..أرض فضاء مسطحة بدون عشب،و أربعة بيوت و بضعة أشخاص و فتيات صغار حملوا لنا قرعة لبن و روب و أعطوني عنقريب صغير تمددت عليه و تفرق رفاق الدرب و بقيت مع الحاج دونا."
و بخلاف المشي كان شاغل الشافعي مقسما بين التوثيق الفتوغرافي للحياة اليومية للقوم و بين ما يمكن أن نطلق عليه " المرسم المترحّل" الذي كان الشافعي يشرف عليه بشكل مبسط يتلخص في توفير مواد الرسم من أقلام و ورق لكل من يرغب في ممارسة الرسم بحرية تامة.و الأشخاص الذين قبلوا المساهمة في المرسم، و الذين يمكن تصنيفهم على أساس العمر(أطفال و كبار) و على أساس الجنس ( ذكور و إناث ) كانوا في جملتهم أشخاص لم يخبروا التعليم المدرسي النظامي و لم يسبق لهم أن مارسوا الرسم الإيضاحي. طبعا عدم ممارسة الرسم الإيضاحي لا يعني غياب الممارسة التشكيلية ، فهناك عدد من المناشط التشكيلية مثل زخارف السكسك وأعمال الجلد و السعف أو تصميم الملابس أو صياغة الحلي و تهيئة البيوت و زخرفة القرع و الزينة الجسدية التي يتقاسمها الجميع ذكورا و إناثا. بل أن علاقتهم بخامات الرسم و أدواته بدأت من اليوم الذي قدم لهم فيه الشافعي الأقلام و الورق.هذا الواقع يكسب الحاصل التشكيلي المادي على الورق خصوصية تجعل هذه الرسومات تتميز عن غيرها من رسومات الأشخاص الذين مروا بتجربو التعليم النظامي أو حتى بتجربة الممارسة القرافيكية المدرسية في إحتمال الرسم أو في إحتمال الكتابة.
"بعد فترة قصيرة الناس عرفوني لأنو خبر إقامتي يبنهم انتشر..بعدين قمت طلعت الورق و الأقلام و قلت ليهم أي زول يرسم أي حاجة يحبها أو يكرهها أو حاجة يتذكرها. كان عندي ورق و ألوان شمع و أقلام رصاص، لكن معظمهم فضلوا يشتغلوا بأقلام الرصاص.أنا مع كل مجموعة كنت بدّيهم المواد و أخليهم يرسموا فيما بينهم بدون ما اتدخل في شغلهم،و المجموعات كانت : مجموعة الرجال ، مجموعة النساء و مجموعة الأطفال، و يتراوع العدد بين أربعة أشخاص لعشرة أو أثني عشر في بعض الحالات. في واحدين عجبتهم فكرة الرسم و بقوا يطلبوا مني مواد لمواصلة الرسم بشكل منفرد"
طلب الشافعي من المشاركين في المرسم أن يرسموا "أي شيئ".و هو طلب بسيط في مظهره لكن مراميه يمكن أن تتكشف عن تركيب و تشعب طويل.فـعبارة " أي شيئ" لاتعني نفس الشيئ بالنسبة لأي شخص.و "أي شيئ "الفنان التشكيلي المعاصر يعتبر موضوعا بعيدا كل البعد عن " أي شيئ" شخص يعيش في بيئة فلاتة أمبررو.لكن العبارة تنطوي على ضمانة الحرية،حرية التعبير ، حرية إختيار موضوع الرسم.و في منظور الحرية رسم القوم تصاويرا بالغة التنوع. أبقار طبعا و أغنام و أشخاص فيهم أمبررو رجالا و نساءا و فيهم جيرانهم من الأنقسنا و العرب و النوير مثلما رسموا " الحَشَر "و حين يقول فلاتة أمبررو " الحشر حمانا النوم" فعبارتهم لا تدل على أنواع الحشرات المعروفة كالبعوض و العقارب وإنما يعنون الحيوانات المتوحشة كالأسود و الفهود و الضباع.
يقول الشافعي في تقديمه لحصيلة المرسم بالنسبة للأطفال من الجنسين بين سن الثالتة و الثالثة عشر :" الرسومات تعبر عن تفاعلهم العملي مع الخامات و الأدوات الجديدة كالأقلام و الألوان و الورق مثلما تعكس ثقتهم و عفوية تدبيرهم الذي يجعل الرسومات تجسّد إكتشافهم لهذه الخبرة الجديدة ، خبرة الرسم على الورق.مما جعل رسوماتهم تنضح بحيوية نضرة و حرة من قيود النظريات و التقنيات المدرسية"..
و الرسم على الورق ذي القطع المستطيل أو المربع تجربة قنـّنها التدريب المدرسي على تقليد قديم في التمثيل القرافيكي أصله يعود لنظريات عصر النهضة الأوروبية(و ربما أقدم من عصر النهضة) في لقيات مولانا" ليون باتيستا ألبيرتي" ( 1404 ـ1473).
الذي كان مستطيل اللوحة عنده نافذة مفتوحة على نوع من مشهد مسرحي مُهندَس على خط للأفق يجعل للوحة أعلى (سماء ) و أسفل ( أرض) ومصراعين أو جناحين يمين و يسار و صدر (فورغراوند) و عمق (باكغراوند) إلخ.هذه الهندسة التي يستبطنها التعليم المدرسي منذ سنوات البداية، تؤثر في الطريقة التي يباشر عليها الأطفال تنظيم المكونات القرافيكية لموضوع الرسم.و هذا الواقع يجعل رسومات الأطفال الذين مروا من التدريب المدرسي تتشابه سواء على صعيد تصميم مكونات موضوع الرسم أو على صعيد" الكتابة" القرافيكية التي تشغل المساحة الإجمالية للمسند.و الأطفال الذين مروا بتجربة التعليم الحديث للرسم يحترمون هندسة الورقة الموروثة من عصر النهضة بعناية كبيرة،فسماء الورقة (الفوق) تحتله الشمس و السحب و الطيور و الطائرات بينما تبقى الأزهار و العشب و الماء في الأرض (التحت) و تلعب التلال و البيوت و الأشجار و الأشخاص و الحيوانات دور القنطرة التي تصل عناصر الأرض بعناصر السماء. و "تفتح" فضاء الورقة لتأثيثه و تعبئته بعناصر الصورة .و مفهوم "فتح" الورقة الذي يستخدمه دارسو رسومات الأطفال(ف والون"رسم الأطفال،22، 2001)
Philippe Wallon Le Dessin d’ Enfant, PUF, 2001
مفهوم مركب في مشهد تحليل التصاوير الخطية ( القرافيكية) و الحركية ( الكوريغرافية)، فالورقة تبدو مسرحا مسدل الستار.هذا المسرح ينفتح ـ و قيل يتفتّح ـ عن شخوصه ومتاعه كلما وضع "الرسام" خطا في فضاء المشهد. و تتسع دلالةعبارة " الرسام " في هذا السياق لتشمل كل من مسك قلما و خط به علامة ما على سطح المسند.و ضمن هذا التعريف تحافظ الورقة/المسند " على خاصية المسرح الذي تتأثّث خشبته بالأشخاص و الأشياء حسب مشيئة من يصنع العلامة، سواء رسم بها نصا أو رسم بها صورة إيضاحية. و الطريقة التي تُبتدر عليها العلامة الخطية و الموضع الذي تشغله من فضاء الورقة و السرعة التي يتم بها التنفيذ و القيمة الرمزية التي يسقطها الرسام على العلامة و غير ذلك من المستلزمات المادية لصنع العلامة، تلقي بتبعاتها على الطريقة التي يستثمر بها الرسام مساحة الورقة. " ورغم أن ممارسة الكتابة و ممارسة الرسم تنطرحان على المستوى المادي كحركة مادية داخل فضاء المسند، ألا أنهما في نفس الوقت تنطويان على استخدام رمزي لفضاء المسند" و فضاء المسند الذي يستخدمه الرسام للتعبير الغرافيكي رغم كونه ينطرح على المستوى المادي كمسطح ذي بعدين إلا أن ملكة الخيال التعبيري تخلق فيه بعدا ثالثا هو البعد الرمزي الذي يستقبل و ينظم تبادل متاع الخيال الفردي و الجمعي.( فرانك فيكتور،1976 ،الكتابة كإنعكاس للشخصية،ص 39)
Frank Victor, L’Ecriture, Projection de la personnalité, Payot, 1976.
و قد لا حظ الشافعي في رسومات أطفال الأمبررو" أن مسطح الورقة يتحول أحيانا لفضاء بلا حدود، بدون إتجاهات و بدون بداية."و هي ملاحظة يتقاسمها الأطفال مع الكبار، ربما بفعل حداثة عهد الكبار بهذه الممارسة الجديدة على خبرتهم التشكيلية. و تتشارك أعمال الكبار و الصغار في مجموعة الخصائص التي تصنف عليها رسومات الأطفال عموما ، مثل تمثيل الأشياء وفق الوعي الرمزي يخصائصها و ليس وفق مظهرها البصري الواقعي. فالطفل بين الرابعة و السادسة يرسم السيارة بعجلاتها الأربعة لأنه يعرف أن للسيارة أربعة عجلات رغم أنه غير قادر على رؤية العجلات الأربعة معا في منظور الواقع.والعلاقة بين مفهومي " الواقعية الرمزية" و" الواقعية البصرية"( جورج هـ. لوكي، الرسم الطفولي 1927
Georges Henri Luquet, Le dessin Enfantin, (1927), édition 1967
في رسم الأطفال، تبقى علاقة متحركة رهن النضج الفكري و التحصيل التقني للطفل.و رغم أن الإختلاف النوعي في مستوى النضج الفكري بين الأطفال و الكبار يجعل الفرز ممكنا بين رسومات الأطفال و الكبار إلا أن واقع جدة الممارسة و حداثة العلاقة بالأدوات و الخامات الذي يتقاسمه الكبار و الصغار تخلق نوعا من أرضية مشتركة تتقاطع عندها تجارب هؤلاء و أولئك بالنسبة للحاصل التشكيلي البصري على الورق.فالطفل يرسم الثور كما يعرفه لا كما يراه، و تصح هذه المقولة بالنسبة للرسام الراشد ، لكن الراشد يعرف الثور في مستويات مادية و رمزية قد لا يدركها الطفل إلا بعد مراكمة خبرة حياتية طويلة نوعا.
هذه الرسومات التي أنجزها القوم خارج أطر التعليم المدرسي وباستقلال عن الإتفاقات التقنية و المفهومية لقليد الرسم الحديث ( قواعد المنظور والتكوين و التناسب بين المكونات و قواعد استخدام الأدوات إلخ) تنطرح مشحونة بسحر منطقها الأصيل كمشروع جمالي يؤسس لإتفاقات مغيارة يستنبتها هؤلاء الرسامون الرّواد ، في تربة الوجدان الجمعي و الفردي ،من واقع ترجمتهم لمعاشهم في لغة البيان التشكيلي بهذا الأسلوب المستحدث و من واقع استكشافهم لهذه الخامات و الأدوات التي تموضعهم أمام هذه القارة الجديدة ، قارة التعبير الجمالي التشكيلي التي تنتظر رياداتهم المفهومية و التقنية كفتح فريد غير مسبوق.
هذا الفتح المتفرد الجديد يستمد معانيه الإنسانية بقدر إلتصاقه بواقع الجماعة(و الجماعة المعنية هنا هي جماعة فلاتة أمبررو التي خاضت تجربة مرسم الشافعي) و بقدر سعيها لبناء الأجوبة على الأسئلة المادية و الرمزية في منظور خصوصيتها الإنسانية.ففي هذا المقام ، مقام التفتح الذاتي الرمزي و المادي، تفقد الإجابات الجاهزة المجلوبة من خارج واقع الجماعة كفاءتها و تنمسخ ثقلا يلبّك حركة الوجدان الجمعي أن لم يعوقها تماما.
و على هذا المنطق يفسد كل حكم قيمة مجلوب من واقع تجربة أخرى إذا لم يعمل حسابا لمعاني السيادة الجمالية في تجربة هؤلاء الرسامين القمينين بإختراع العجلة من جديد لو دعى الحال، حالهم الخاص الفريد الذي لا يشبه أي حال آخر و الذي لا تنفع معه عجلة أخرى بخلاف عجلتهم التي سيخترعونها على مقاسهم.
مرة في منتصف الستينات قدم" أولي باير" ـ من أعلام حركة الفن الأفريقاني المعاصر ـ قدم لمجموعة من نحاتي الـ "يوروبا" التقليديين في نيجيريا خامات حديثة ليصنعوا منها منحوتاتهم. و قدأثارت مبادرة "باير" جملة من الإنتقادات من طرف بعض نقاد الفن و بعض الأنثروبولوجيين المشفقين على "أصالة " التعبير الفني التقليدي عند نحاتي "اليوروبا" من الإضمحلال تحت ضغط الحداثة. لكن نحاتي "اليوروبا" لم يبدوا أدنى أعتراض على مبادرة " باير " ، بل هم انخرطوا في مغامرة التعبير بالخامات الجديدة بحماس كانت نتيجته جملة من الإبتكارات الأسلوبية التي أكسبت فنهم حيوية جديدة كشهادة محلية في مشهد الخلق المعاصر.و في هذا الأفق، أفق الخيار الحر للأدوات و للأساليب و لمناهج العمل، ينسل الفنان الأفريقي ، المزعوم تقليديا و بدائيا و ناطقا بلسان القبيلة،(كما الشعرة) من عجين الجمالية الإثنولوجية ليطرح نفسه كذات معاصرة مبدعة ذات فرادة و ذات سيادة.و رغم أن الوقت ما زال مبكرا للحكم على تجربة مرسم الشافعي ألا أن هذه التجربة تطرح مبادرة رائدة يمكن تثمين عائدها الرمزي و الجمالي من منظورين متمايزيين ـ فمن منظور أعضاء المرسم الأمبررو ـ يمكن تقييم عائد التجربة بمدى انخراط القوم في دروب هذا البيان البصري الجديد ـ و من منظور الشافعي النحات ـ فتقييم التجربة يملك أن ينفتح على أكثر من أفق سواء بالنسبة للإضاءة الجديدة التي تحملها هذه التجربة لمسار الفنان الشافعي الفردي أو بالنسبة لإضاءة إشكالية الهوية الثقافية المعاصرة من زاوية تداخل المحمولات الجمالية لمفاهيم " الأصالة " و " المعاصرة".و ذلك حسب خصوصية هذه العلاقة التي بناها الشافعي كفنان معاصر مع معاصريه من أعضاء مرسم أمبررو.
و خصوصية العلاقة التي بناها الشافعي مع فلاتة أمبررو تعتمد على العفوية الكبيرة التي انزلق بها الشافعي في الكيان العشائري الذي استضافه و تبنـّاه كأنه " ولد" أصيل في العشيرة، حتى أنه في بعض الحالات كان يشتبه على بعض الفلاتة من خارج العشيرة ممن ظنوه فلاتيا من أهل المدينة. بل أن فيهم من لامه على إهمال لغة الأجداد الفلاتة الفولانيين.سألت الشافعي مرة عن الصفة و الكيفية التي قدم به نفسه لعشيرة الفلاتة الفولانيين الذين استضافوه ." لما فكرت أمشي أوثق لحياة الفلاتة الأمبررو، استفدت من علاقة لوالدي بمجموعة من أصحابه المعلمين من أبناء الفلاتة.فقابلتهم و شرحت ليهم مشروعي، فرتيوا لي مقابلة مع السلطان، سلطان مايرنو كتب جواب للشيوخ في الدمازين، و هناك قابلت أحد الوكلاء و خلاني أقابل مجموعة من الأعيان في سوق الدمازين و شرحت ليهم إنو أنا عاوز أعمل مشروع بحث عن حياة أمبررو.رحبوا بالفكرة .و قالوا لي تمشي مع فلان دا يساعدك و يوصلك لفلان التاني و هكذا لمن تخلص شغلك. و قد نفعني هذا التقديم كثيرا في الحركة و يسّر لي بناء علاقات حميمة مع عدد كبير من الناس" .
هذه الأسطر القليلة بعيدة عن الإحاطة بالمرامي الجمالية و الإجتماعية لتجربة الشافعي مع أمبررو النيل الأزرق. وطموحها يقتصر على " قد عين الشيطان" بسبيل فتح الباب لمساهمات أخرى يمكن أن تجعل من مبحث الشافعي مدخلا لفهم إشكالية العلاقة بين الفنان المعاصر و أهله.
سأعود.

الموت حق .. و الحياة أيضا


وماذا نفعل مع الموت؟

" تدبير ربي عظيم
ففي مدينتي..
تموت السلاحف في ليال تسع
و البعوض يحيا دهورا"
(علي المك، مدينة من تراب 1974).

و تدبيرنا عجيب
ففي مدينتنا
يموت الرفاق بعد حياة عامرة بكفاح حراس جيفة التراث العربسلامي فنسارع ونكفـّنهم في سرابيل هذه" اللغة الجثة"(الحقوق محفوظة للنشادر)، و نهيل عليهم ـ من التراب الذي كال حمّاد ـ أيات الغفران وشآبيب الرحمة ـ و قد نغسلهم" بماء الثلج" ـ حتى نؤهلهم لصحبة الشهداء و الصديقين في ذلك المكان ، خارج الزمان، الذي يسيل فيه النبيذ و العسل أنهارا و يقوم على خدمتهم الولدان إياهم، و رهن اشارتهم المضيفات الأنيقات العاملات في" الحور العين إير لاينز"..و الأجر على الله..

الموت حق
و الموت حد
و الموت سؤال بلا إجابة يخص الأحياء وحدهم.
وهو سؤال عويص لا يجدي معه علم ولا حلم و لا دين ولا يحزنون..
فما العمل؟

ماذا نفعل مع الموت؟
و ماذا صنعنا بالحياة؟


23.4.2007

الموت مرتين


" مثل ضب أنا أخاف الماء..
و مثل مسعور أنا
أخاف الماء
و حين هطلت الامطار..
ألقوا بجثتي في خور ماء آسن
و عندها أدركت أنني هلكت مرتين.."

علي المك
" مدينة من تراب"
دار جامعة الخرطوم للنشر ،
1974

و في بلادي يموت الرفاق العلمانيون مرة بسبب الشقاء المتاح ثم يعاودون الموت ثانية بسبب الضجر المباح لكل من هب و كتب من النوّاحين الذين لا يضيرهم أن ينتفعوا من موت غيرهم بذريعة نوع أدبي مريب يثرثر و يزدهر على قبور الراحلين. أعني هذا النوع الأدبي الهجين المقيم بين تقليد المناحة العربية و مقام " بيت البكا" السوداني.
قبل أن يجرفنا حديث الموت في شعاب الأسئلة الوجودية الكبيرة ،أذكّر بأن ما حفزني لافتراع هذا الخيط هو ما لاحظته في طبيعة الإستجابات العفوية التي جادت بها أقلام كتاب الأسافير مؤخرا، تجاه هذا الموت الذي يفاجئ رغم أن لا أحد يتوقع شيئا من الحياة
ـ في نهاية المطاف ـ غير الموت .و هي أستجابات قاسمها المشترك "الأظرط" رِدّة ملتوية و محيرة لفولكلور الدين الحنيف في خاطر أولاد و بنات المسلمين، و لا جناح ، فالناس على دين آبائهم، لكن الجناح يحصل حين يتغول فولكلور الدين على علاقات العمل العام يدوّر زواياها و يحيّدها و يُسرْطِنْ محتواها التقدمي بذرائع المجاملة "الإجتماعية"( إقرأ " الإجتماعية" في المعنى المرذول لعبارة " إجتماعيات" و قيل:
Peoplization
أذكر أننا ،في كل مرة رجعنا فيها(مع باتريسيا و العيال) للسودان، كنا ننظم حركتنا، في أيام إقامتنا المعدودات، على أولويات واجب العزاء ضمن خريطة الأقارب و الأصدقاء.و في لحظات اللقاء التي ترتفع فيها الأيادي بـ "الفاتحة" يسود صمت شعائري عجيب ، ظل هو أكثر ماحيّر أطفالنا " الفرنسيس" و سحر ألبابهم الأوروبية، فكأنهما سقطا، لثوان معدودات، في زاوية عمياء غير متوقعة بين العوالم التي كانا يظنان أنهما يفهمان تناقضاتها( الظاهرة على الأقل).أما في اللحظات التي كان البكاء " ينفتح" فيها بدون سابق إنذار فكان يصيبهما حرج عظيم لا يدريان معه أين يذهبان. و لو أن الأرض انشقت و ابتلعتهما في تلك اللحظة لكان ذلك أهون لهما من شهود موقف البكاء الجمعي المفاجئ .و قد حكت باتريسيا أول مرة حرجها الكبير حين عودتنا من فرنسا ( في1981 عقب وفاة شقيقييّ ) و كيف أنها وسط البكاء الذي اندلع فجأة بين جماعة من نساء الأسرة حولي( و أمي و شقيقتيّ) لم تدر كيف تتصرّف؟أوماذا تقول؟.و لم تعرف كيف تشارك في تصاويت هذا الـ" هابيننينغ" الفريد الذي انطلق و تمدد في الزمان و المكان بدون أي تحضير مسبّق..أذكر أني في عز التراجيديا المرتجلة حانت مني نظرة نحوها فبدت لي، في حيرتها ،كأنها معلقة بين السماء و الأرض على طريقة شخوص " شاغال" المرفوعة بقدرة خفيةـ ضد قانون الجاذبية ـ في سماء اللوحة.و قد حيّرها أكثر أن هذا الحدث/ العرض المسرحي انقطع فجأة كما بدأ، و التفتت الثاكلات نحوها يحيينها و يسألن عن صحتها و صحة أهلها و عمّا إن كان سفرنا قد تم بلا مشقة..إلخ.بل و فيهن من مازحنها و تضاحكن معها متمنيات لنا عشرات العيال و كثيرا من المال.
أقول أن ما حفزني على الخوض في هذا الأمر، أمر استجابتنا تجاة الموت، هو نوع ردود الفعل الأدبية التي صارت تطفح على مشهد الأسافير كلما مات لنا شخص نعزه.ذلك أنني ، أمام هذا الأدب الغميس ، وجدتني أحس بغربة تشبه غربة باتريسيا في تلك اللحظات التي باغتها فيها طقس المعزيات الثاكلات.
أذكر حين مات علي المك و حين مات الخاتم عدلان و حين مات حسين شريف و حين مات مجدي النور قرأت باهتمام نوع الأدب الناعي الذي جادت به أقلام الأصدقاء و الأعدقاء و المهتمين ( بل و حتى أقلام الأعداء) ، و بدا لي أن فيما وراء نيّة التأبين (المشروعة)تخطر نية أخرى (مشبوهة)غايتها" تمويت" هؤلاء المناضلين البواسل" في مقابرالمسلمين"، ضمن حظيرة الدين الحنيف.وأحسست في ذلك شيئا من " دفن الليل أب كراعا برة" الذي يموّه وجها لئيما من وجوه " تكفين الميتات" السياسية ضمن مشهد الأيديولوجيا العربسلامية السائدة.و ربما وجد بعض المشتغلين بالسياسة في فرصة العزاء المكتوب المنشور على ملأ الأسافير مناسبة لتعزيز هذه المقولة " الوطنوية" المريبة من كون " إختلاف الرأي( السياسي) لا يفسد للود العربسلامي قضية"، و أننا عند الملمّات نتلاقى على قاعدة الخلق السوداني الأصيل و ثوابت الوحدة الوطنية إلى آخر الترهات السودانوية إيّاها..و إلا فما الذي يجعل الصحاب المثقفين المعجونين بالنقد و المسلحين بالإستنارة يطلبون "الرحمة و المغفرة" ـ أي و الله" الرحمة و المغفرة " ـ من عنده تعالي للمناضلين العلمانيين الراحلين، بل و يتمنون لهم صحبة الشهداء و الصديقين في جنان رضوان .
حين رحل عمر كانديك قرأت في منبر سودان الجميع كلام الصديق عبدالله محمد عبد الله باسم المجلس القيادي لحركة القوى الجديدة الديموقراطية ( حق/جد):
" ..فطبت حيا و طبت ميتا يا حبيبنا و تقبلك الله مع الصديقين و الشهداء ، و حسن أولئك رفيقا".. و في موضع آخر :"تقبل الله دعواتكم و أحسن إليه بقدر ما قدّم لوطنه "
و كتب الفاتح ابراهيم وديدي:" ربي يقويكم و يقدركم على الثبات".." و الرحمة ليك يا كانديك".و كتب محمد اسمعيل عريق " إلى جنات الخلد يا كانديك". و كتب خالد الطيب " و لا حول و لا قوة إلا بالله".و كتب عادل ابراهيم عبد الله" رحم الله عمر كانديك و ألهم الجميع الصبر و العزاء". و كتب محمد حسبو" توخـّاه الموت ".." و هو في طريقه لتأدية واجب العزاء لأسرة صديقه و زميل دراسته الطيب الحلاويين الذي فارقنا بدوره صباح ذات اليوم، عليهما الرحمة".." أبعث مواساتي لأسرته و أصدقائه و محبيه".." خفف الله عليهم الآلام". و كتب محسن خالد " له الرحمة و المغفرة و في الخالدين"..
أها يا صفوة،أسمعوا النـّكلمكم ضحى:
هسع الشاب دا غلط وين عشان تجوا تطلبوا ليهو الرحمة و المغفرة؟
و بعدين إنتوا الفوّضكم منو عشان تجوا تتشفّعوا للمناضل الراحل و تطلبوا ليهو الرحمة و المغفرة و تحجزوا ليهو في الجنة؟و أنا بسألكم سؤالي دا عشان حكاية " جنات الخلد " الانتو مُبرمجنـّها للمناضلين العلمانيين البموتوا ديل ما واقعة لي ، بالذات لمّن أقراها مع الأدب الإنتو فارشينو في خصوص العلمانية. طيب "القشرانية" دي خليتوها لمنو وكت كلكم بقيتوا عشمانين في الجنة؟و بياتو وش جايين تنتقدوا اسلامجية الجبهة الكانوا برسلوا شباب السودان يستشهدوا في كاجوكاجي باسم الإسلام عشان يدخلوا الجنة مع الشهداء و الصديقين؟أنا أفتكر أي زول فيكم قافل على الجنة(أو على النار) ما عندو وش يجي يدافع بيهو عن العلمانية في السودان أو في غير السودان، عشان الدفاع عن العلمانية دا بجر معاه دفاع عن حصانة العلم و عن حرية البحث و التفكير و عن حرية الإعتقاد و الإرتداد و عن حرية التعبير، عند المسلمين و عند غيرهم في هذا السودان المتعدد الأعراق و الإعتقادات و اللغات.
يا أمّة محمد،إذا دا حالكم مع الموت ، أنا أفتكر أحسن تمشوا تصلوا صلاتكم و تصوموا صيامكم و تحجوا و تستعدوا لحسن الخاتمة و تخلوا فولة العلمانية دي لمّن يظهروا ليها كيالين قدرها ، عشان العودة الإنتهازية لفولكلور الدين دي ما بتخارجكم.ولا شنو؟
قبل أسابيع قريت كلام لبعض أهل الرأي اليساري في السودان يتحسرون على ان الشيوعيين السودانيين لم يعتنوا بسؤال الدين في السودان. و هذا صحيح،لكن المشكلة هي أنه بينما كان الشيوعيون السودانيون يجهدون في تجنّب سؤال الدين، ظل نفر، من خارج دائرة الشيوعيين السودانيين ،يعتنى بأسئلة الدين و يطوّر فيها من التفاكير و المفاهيم مما ترك آثارا لا تنمحي على مسار المناقشة الفكرية و السياسية في السودان..و كانت خلاصة هذه العناية تتمثل في مشاريع إصلاح ديني متنوعة و بل متناقضة بين مساهمة محمود محمد طه و مساهمة الترابي و مساهمة الصادق المهدي و غيرهم. و حقيقة فالسؤال يطرح نفسه :لماذا يتجاهل الشيوعيون السودانيون أسئلة الدين ؟ و لماذا لم تتجاوز عنايتهم بأسئلة الدين حد فولكلور المجاملات من حداد و زواج و ميلاد؟و ما هي المنفعة(أو المضرة) السياسية التي تعود على اليسار السوداني من تجاهل المناقشة الجارية في فضاء الدين؟
أظن أننا بحاجة للتأنـّي بعض الشيء عند هذه الأسئلة و إعادة النظر في الموضوعات الكثيرة المؤجلة لـ " حكم الوقت" كما جرت العبارة .

سيف الدين
يا " ناطورة الكروم" الذي بروما
سؤال الموت هو، بطريقة ما، سؤال حياة و لا مانع عندي من تعديل عبارتي لتصير " ماذا نصنع بالحياة " بدلا من " ماذا صنعنا بالحياة"، و شكرا على " بارقة الأمل" و نحن على حالنا"العايرة" لا نستنكف عن أي "بارقة أمل" مهما صغرت.و في نهاية تحليل ما، أرانا متصالحين مع الموت تماما بدليل أننا نخوض في سيرته بحرية رغم أننا لا ندري في أي لحظة يمكن أن ينقضّ علينا فيهدم لذاتنا و يهزم مسراتنا..

غادة شوقي
شكرا على رفع الألقاب.
هل تجوز صناعة للموت في غير شق الغيب؟
هل تجوز الميتافيزيقيا بغير وعي الموت؟
أهلنا الغبش ، في لحظات الأنس يضحكون و يختتموا فرحهم بعبارة " استغفر الله" فكأنهم يطلبون المغفرة عن " إثم الحياة ". و " إثم الحياة" هو حجر الأساس في البناء الميتافيزيقي للتقليد النصراني " المُرَسْمَل" الذي أفسد على المسلمين أمور دينهم و دنياهم، و لي عودة لعلاقة النصرانية المُرَسْمَلَة بتنصير عقيدة أولاد و بنات المسلمين المعاصرين. و يا الهاشمي (الفاضل) زولكم الكندي دا مغيّر دينو في كم؟ما ياهو الإسلام الحديث بتاعنا دا ، ناس سيد قطب نصرنوه من زمان، بجاه رأس المال، من وراء ظهر المسلمين، و ياهم الليلة الصيارفة المتأسلمين في السودان قاعدين يضربوا بيد من "حدود " على كل من تسوّل له نفسه الخروج على شريعة السوق.
إسلام السوق المتعولم دا داير ليهو جكّة تانية، و اليد الواحدة ما "ابتـِصَفـّق "..

منى أبوزيد
"فقلت له: بموتوا ولاّ بموتوا؟
قال:بموتوا و بموتوا"
لصق هذا الحوار السوريالي بذاكرتي طيلة النهار و آناء من الليل كما تلك المقاطع الغنائية التي تحتل تلافيف الذاكرة و تهجس الخاطر و أنا أحاول أن أتخيل له خاتمة تخلصني من الدائرة الجهنمية:
"بموتوا و لاّ بموتوا؟
بموتوا و بموتوا"
بموتوا و لاّ بموتوا
بموتوا و بموتوا
بموتوا ولاّ ..إلخ
شايف محمد حسبو أحال " حكاية الناير" (التي حكاها عبدالماجد) لمحسن خالد" لعمل اللازم" و يبدو لي أن هذا الـ " لازم " عند محمد حسبو هو أن يشتغل محسن خالد على هذه الحكاية لـ "تأديبها" في معنى أسلبتها و مسخها " أدبا" وفق لائحة الشكل الأدبي السائد بين المتأدبين و المتأدبات .و قد غاب على محمد حسبو أن ما أطربه في" حكاية الناير" هو قيمتها الأدبية العالية التي تموّه من مكيدة الكاتب" الماجد" وراء إضطراب الشكل الذي يزعم التواضع عن بلوغ مقام الأدب بذريعة" المدوّنة الشخصية" التي تتقصّد التوثيق و إنقاذ التاريخ الشفاهي(تقرأ التاريخ الصغير الشخصي) من الضياع.

(الرابط)مقتطفات من مدونة المذكرات الخاصة والإرث الشفاهي
.يا محمد حسبو " حكاية الناير" دي أدب عديل و ما محتاجة لـ "تأديب"(
Littéralisation
.و معنى الأدب إنما يقيم في تلك الأرض المتحركة بين فرادة الكتابة و فرادة القراءة. و أنت يا محمد حسبو ، بفرادة قراءتك قابلت فرادة كتابة عبد الماجد في " حكاية الناير" و حصل الأدب، و بدلا من أن تحمد الله على هذه النعمة الكبيرة، نعمة الأدب التي لا تحصل لماما، قمت علي طلاشتك المعهودة و قلت " تستأجر"( الحقوق محفوظة لحليمة عبد الرحمن) في محسن خالد و تديهو مادة خام يشتغل عليها. إنت يا محمد حسبو محسن دا قايلو ما بعرف يقرأ؟
أها خد عندك يا محسن و لنا أجر المناولة:
بموتوا ولاّ بموتوا؟
بموتوا و بموتوا..

وليد و مازن
شكرا على العبارة الدرويشية" الموت الذي لا موت فيه و لا درج"
و لا مناص لنا من قتل الموت " بحثا"...(عن الحياة). و دي عاوزة ليها رجعة تانية بالذات بعد كلامك التحت يا وليد عن جماليات أدب الموت في السودان الحديث.

تماضر جبرين و الفاضل الهاشمي،
شكرا على " الموت المقارن" ( على وزن الأدب المقارن) و سأعود..

الهاشمي(الصحابي الجليل)..
مراحب
يا زول أشكل شكلك،" الموت حق" منو؟..
أما حكاية الموت الذي " لاقى عجوز" فهي بعض من علم جمال الموت عند الأهالي الغبش، كون العجوز يموت بعد إنجاز مسار الأسبار التي تضبط إيقاع الحياة ، بين سِبِر الولادة لسبر البلوغ(الختان) لسبر الزواج لسبر المرض لسبر الحج لسبر الموت نفسه.و لعل أشد الحزن إنما يكون على الميت اليافع الذي لم يمهله الأجل فرصة استكمال مسار الأسبار فيموت " لا حنة لا ضريرة لا سيرة لا عديلة"..و عبارتك " يوم شكرك الله لا جابو" رهيبة لأنها ملغومة بتذكرة " النهاية" حيث يحصل الشكر..

الجريفاوي
ياخي ورينا مصدر عبارة مولانا إدوارد سعيد ينوبك ثواب.

اسمعيل طه
الموت شيئ رائع إن كان لدينا خيال واسع
و زي ما شايف المشكلة في الخيال قبل أن تكون في الموت (أو في الحياة).
و موت الخيال اشد وطأة من الموت.

النور حمد
الحياة قاتلة
لكننا لن نموت قبل أن نموت و لا حيلة. و أدونيس ـ ترجمان السلطان" دوفيلبان"ـ لو عاوز يرجع لرحم الكون بطريقتو..

سأعود " كان الله حيّانا"..

أسئلة الكتابة

أسئلة أسامة عباس



اسامة عباس
سلام جاك
و معذرة للتسويف لكنها لابسات أكل العيش(أسامة، "لابسات" تصحيف لا إرادي، فقد صحّ منـّي العزم على كتابة" ملابسات" ولكن الكي بورد النزق نبا فكتب "لابسات"، و كان جيت للجد فـ " لابسات " أزرط من " ملابسات" أكل العيش في بلاد الغال و الغيل.و أكل العيش في هذه البلاد لبْس كبير و من لا يدري يقول عدس و الحمد لله على كل شيء).

المهم يا زول ،أسئلتك ما زالت في خاطري و هذه محاولة لقد عين الشيطان فتقبلها على علاّتها الكثيرة يرحمك الله.
عن سؤالك الأولاني أقول:
سؤالك عن" الكتب و الكتاب و المؤثرات التي ساهمت في تشكيل وعيي بالكتابة" سؤال الإجابة عليه صعبة لأن وعيي بالكتابة تشكل من خلال تجارب كثيرة متنوعة.و أظن أن خبرتي بالكتابة (و بالقراءة ) بدأت قبل دخولي للمدرسة الأولية، و أظن أنني دخلت على الكتابة أولا من باب الرسم قبل أن أدخل عليها من ياب الأدب. وقبل أن أدخل المدرسة كنت أرى إخوتي الأكبر سنا يكتبون في كراساتهم و يقرأون و كانت كتاباتهم و قراءاتهم تبدو لي ضربا من السحر العجيب، ، فاتخذت لي أقلاما و أوراقا أخربش عليها شيئا شبيها بالكتابة، نوع من خربشات تنتمي للمنطق الخطوطي لعلامات الكتابة و لتنظيم وحداتها القرافيكية على نحو الكتابة الرسمية.و أظن أن خربشاتي ـ التي كانت تغادر الورق للحيطان و جوانب الأثات ـ كانت تقابل بشيئ من السخرية من قبل الكبار العارفين بالكتابة كونها من جهة أولى مفارقة للكتابة المدرسية الرسمية ، و من الجهة الثانية لم تكن تندرج في مقام الرسم الإيضاحي الذي كانت لي فيه مهارات.هذه "الكتابة المزيفة" التي كنت أمارسها، كإحتمال في الرسم، كانت مقروءة لي( وحدي؟) كنص بصري خامته الكتابة.لكني كنت أتحرق شوقا لليوم الذي أتعلم فيه سر هذه الشفرة السحرية التي تملك أن تفتح مغاليق عوالم غريبة من القصص و الأخبار و الأحابيل الأدبية.و أظنني بدأت فك الخط في منتصف الخمسينات و أنا أتهجى سطور صفحة " يوميات التحرّي" في جريدة" كردفان" التي كان يصدرها الصحافي الرائد" الفاتح النور".كانت جريدة" كردفان" تصدر صباح الجمعة و مساء الإثنين تعتبر مادة مقروءة متوفرة باستمرارفي كل مكان. كان الكبار يشترونها لمعرفة تطورات بورصة المحاصيل أو أخبار و تحليلات الكورة التي كان يتابعها مراسلو الجريدة بين الرهد و بارا و كادوقلي و النهود و أمروابة إلخ. و كانت الجريدة تحتوي أيضا على ترويسة مهمة هي ترويسة " الإجتماعيات" التي كان الناس يعرفون فيها أخبار الزيجات و الوفيات وغيرها في نواحي كردفان و دارفور(كان للجريدة مكتب في نيالامنذ نهاية الخمسينات). بالنسبة لي كانت ترويسة " يوميات التحري" عامرة بما لذ ّ و طاب من الحوادث المثيرة التي كانت تكسر ملل الحياة اليومية العادية لمدينة مستقرة على عاداتها و مكتفية بذاتها و مستغنية عن ما يدور في خرطوم بعيدة ولا مبالية.و " الحوادث" التي كانت توقـّع حيوات الناس العاديين كانت تتشكل من قصص قصيرة متتابعة متجددة كل يوم.أظن أن " يومية التحري" في جريدة كردفان كانت بالنسبة لي عالما أدبيا قائما بذاته.عالم ؛حوادثه" كلها مشوقة و ذات مضمون أدبي غاية في الثراء.
ترى هل تكفي مثل هذه الإجابة لتوضيح أمر المؤثرات التي ساهمت بتشكيل وعيي بالكتابة؟مندري، لكنها كما قلت لك محاولة لقد عين الشيطان .(عينو اليمين بس)و من بعد سنعود لبقية أطرافه الأخرى.
وعيي بالكتابة على صلة وثيقة بوعيي بالقراءة.فالكتابة قراءة ثانية للنص، مثلما القراءة كتابة ثانية له( و هيهات).قرأت للغيطاني مرة أنه كان ينسخ بعض نصوص الأدب المملوكي حتى يستوعب منطقها الداخلي يتشرّب روحها و يتملكها بغرض إعادة إنتاجها في رواية أحداثها تدور في زمن المماليك. هذا النوع من الكتابة هو قراءة في مستوى رفيع ، بل هو حيلة في القراءة تجعل من فعل القراءة صناعة تتوسل للنص المقروء بالكتابة. و أنا بعد كل هذا قارئ غير نظامي ولا أعرف الصبر على قراءة ليست مرتبطة بالأسئلة التي تلح على خاطري.ثم أن غوايات الرسم تملك أن تشغلني عن القراءة بسهولة.
أذكر أنني قبل أن أقرا أدب نجيب محفوظ عبرت أرض النصوص الصحفية و أنواع الأدب" الشعبي" المترجم من الروايات البوليسية بين " مس ماربل" أغاثا كريستي ل"هولمز" كونان دويل لـ "لوبين" موريس لبلان ( و جلس لوبين يرمق دخان لفافته و هو يضرب أخماسا في أسداس..)..ياله من زمان. لقد كبرت في أسرة وفرت حولي جمهرة من الأشخاص المغرمين بالقراءة.فكنت أقرا كل ما أقع عليه من " المكتبة الخضراء" لكامل كيلاني" لـ "كتاب التعريفة" الذي كان يصدره" مكتب النشر" لغاية.. أنواع الكتب الصفراء من نوع" قرة العيون و مفرح القلب المحزون" و " الطب النبوي" و" قصص الأنبياء المسمى بالعرائس" للثعلبي .و كان زادي الأدبي في الخمسينات و الستينات يتكون من "الصبيان"(و شرحبيل أحمد الرسام حاضر مع غريزلدا الطيب و آخرين) ،و "ميكي"(والت ديزني مقطوع الطاري) و" سمير" و "صباح الخير" و" روز اليوسف"( حيث عرفت أساتذتي الرسامين اللباد و رجائي ونيس و جمال كامل و إيهاب نافع و حسين بيكار و مأمون و جمال الليثي و حجازي و هبة عنايت إلخ) و" آخر ساعة" و " المصور" بالإضافة للجرائد السودانية " الرأي العام " الأيام " " الصراحة " و " الناس" و " الصحافة" .في ذلك العهد كانت صحف الخرطوم اليومية تصل الأبيض بالطائرة مرتين في الأسبوع. و كان القراء مضطرين لشراء صحف الأيام الفائتة مع صحيفة اليوم.كانت تلك تجربة غريبة في القراءة حين تقرأ صحيفة الثلاثاء قبل صحيفة الأثنين و الأحد. أظن أن هذا النوع من القراءة يتيح الفرصة لملاحظة الكيفية التي يتخلّق عليها النص مع الزمن في نفس الموضوع..ثم جاء وقت اكتشفت فية " مكتبة البلدية" في الأبيض.واحة سرية من كنوزالمعرفة في قلب صحراء المدينة المزعومة عروسا للرمال.في مكتبة بلدية الأبيض لم يكن القراء يستلفون الكتب.فالقراءة "كاش" على حد تعبير أحد الأصدقاء. و كنت أقضي نهارات العطلة المدرسية الطويلة و أمسياتها أقرا بلا ملل، بل كنت أقرأ أي شيء" من طرف" حين يستبد بي الملل.و تعرفت فيها على أصدقاء فكر صاروا مثل أهلي، بل هم أهلي بالفعل كونهم أهّلوني لمجابهة أسئلة العالم.(و ما الأهل؟).في مكتبة الأبيض العامة كان هناك محفوظ و صلاح عبد الصبور واحسان عبد القدوس وجبران و الطبري و ابن المقفّع و القزويني صاحب " عجائب المخلوقات" جنبا لجنب مع الفيتوري("عاشق من أفريقيا" ياله من كتاب)، و عبد الرحمن الأبنودي( جوابات حراجي القط)و كان شتاينبيك ( أعناب الغضب و رجال و فئران) و غوركي و ميلفيل، كما كان فرويد( تفسير الأحلام) و كان فيكتور هوغو(البؤساء)، و كان ماركس عليه السلام و كان سارتر كرم الله وجهه في مجلات " الطليعة " و " الآداب"،مثلما كانت هناك سير الرسامين الأساطين و أعمالهم في مستنسخات مجلة "الهلال" المؤطرة بمقالات جيدة في الفن الحديث لـ كمال بسيوني و رمسيس يونان و يوسف فرنسيس وغيرهم.
المهم يا زول حديث القراءة يطول و أحاول أن لا أنسى أنك تسألني عن الكتابة.
لقد تعلمت" صنعة" الكتابة بشكل عفوي في صحف الحائط.و أظن أن كل مرحلة من مراحل الدراسة التي قطعتها من المدرسة الأولية للوسطى للثانوي لغاية كلية الفنون كانت مرتبطة بتجربة إصدار جريدة حائطية ، و أظن أن جريدة الحائط بالنسبة لي كانت نوعا فنيا فريدايتيح لي أن أكتب النصوص و أخط عناوينها و أدعمها بالرسم. جرائد المدرسة الإبتدائية كانت كثيرة و جماعية . منها " البراعم" التي كنا ننسخ عليها الشعر و موضوعات الإنشاء في " الشرقية الخامسة" تحت إشراف " شيخ بكري".ثم إلتقيت بمحمود عمر و عصام بشير حامد في الأميرية الوسطى لنصدر " السلام" بهامش حرية كبير في ناحية الرسم،بمباركة أستاذنا محمد الخاتم (شقيق الصديق الفنان عبد الباسط الخاتم). و في الأبيض الثانوية إلتقينا و ميرغني عبد الله مالك (ميرغني الشايب في رواية أخرى) و آخرين في تجربة جريدة حائط ـ أظن أن اسمها كان " الوعي"، قبل أن أشرع في إصدار جريدة كاريكاتير لنقد كل شيء من أداء المدرسة لأداء السياسة. كان ذلك زمن الحريات بعد أكتوبر 64.حين وصلت لكلية الفنون كانت أولى خلافاتي مع بعض الرفاق في الجبهة الديموقراطية تتعلق بالأسلوب الذي كانت تصدر به جريدة الجبهة الديموقراطية.كانت جريدة ساسة في المعنى الحِرَفي للسياسةو ساهمنا في أن نجعل منها جريدة فنانين منتبهين للممارسة السياسية.و بالتوازي مع جريدة الجبهة كانت لنا ، مع الصديق الفنان الراحل أحمد البشير الماحي، جريدة ثقافية هي "1+1=2".المهم يازول ،أخلص من هذا لأن تجربة الجريدة الحائطية تعتبر مدرسة مهمة في تعلم صناعة الكتابة، كون الكاتب يدخل على التحرير كصناعة إتصال قواعدها و أساليبها مرتبطة بغاياتها. و من أهم دروس الكتابة الصحفية هي أن الكتابة تمرين و تدريب و رياضة و عادة لا يعوّل فيها على الإلهام أو المزاج.و الكاتب " الصنايعي" المدرّب قادر على الكتابة تحت أي ظرف، دون أن يغفل عن كونه يتحرك داخل أرض الأدب المؤثثة بأثاث كبار الكتاب.وأول قواعد الكتابة الوعي ببعدها التطبيقي،ليست هناك كتابة مجانية،أو كتابة أدبية حرة أو جمالية بريئة من الغرض. كل كتابة مغرضة، و كل كتابة سياسية ، بطريقة أو بأخرى.بيد أن هناك كتابة مغرضة تعي غرضها و كتابة مغرضة يعوزها الوعي بالغرض الذي يتلبسها.وأظن أن انتباهي لبُعد الصناعة في الكتابة جعلني أقرأ آثار الأدب بحساسية خاصة تجاه أسلوب الكاتب في تركيب المكيدة الأدبية.و في هذا المقام، مقام تركيب المكيدة الأدبية، شواهد مهمة استحضرها على الدوام و انتفع بقربها، سواء كانت في جهة النصوص المقدسة( القرآن و الأناجيل إلخ) سواء كانت في جهة الآثار النصبية الكبيرة من نوع " الإلياذة" أو" ألف ليلة " أو " كليلة و دمنة" أو " سالامبو"آناتول فرانس" أو مؤخرا في " رباعية الإسكندرية" للورنس داريل أو" بندرشاه" سيدنا و مولانا ـ مقطوع الطاري ـ الطيب صالح كرم الله وجهه.
مرة ، في مطلع الستينات، عثرت على كتاب صغير تمزّق غلافه يبدأ بعد صفحة عشرين و ينتهي فجأة بفعل تمزق الصفحات الأخيرة.و شرعت في قراءته من باب مغالبة الملل في واحد من نهارات رمضان الطويلة. و سرعان ما استوعبتني القراءة و ملكت فؤادي أحداث هذه الرواية العجيبة لـ " سانتياغو" العجوز الفقير الذي يخرج للصيد في قارب صغير و يصطاد سمكة كبيرة لا يقوى على حملها فوق القارب فتهاجمه أسماك القرش تنتاش من صيدته حتى تأتي عليها. أعجبتني كثيرا هذه الرواية التي تحكي ما يدور في خاطر هذا الكهل المستوحش و هو يقاوم قوى الطبيعة، لكنني لم أعرف من هو مؤلفها و لا كيف انتهت. بعدها بسنوات شاهدت ـ في سينما عروس الرمال ـ فيلم " العجوز و البحر" المبني على رواية همينغواي الشهيرة، و كان الممثل القدير " سبنسر ترايسي" يلعب دور سانتياغو الصياد العجوز.أذكر أنني طوال ربع الساعة الأول كنت في حالة فريدة من الذهول و الفرحة الغامرة كوني كنت( وحدي؟) أعرف أن هذا الفيلم يحكي روايتي مجهولة المؤلف التي أمتعتني رغم أنني لم أعرف بدايتها و لا نهايتها.لم أقرأ رواية " العجوز و البحر" كاملة إلا بعد أكثر من عقدين من الزمان.لكني لم أجد فيها تلك المتعة التي وجدتها في قراءة تلك الصفحات المجهولة الممزقة التي سحرتني في زمان اليفاعة البعيد بما انطوت عليه من مكيدة أدبية عالية.خطرت لي هذه الحكاية لأني أظن أن صناعة الكاتب إنما تتعلق ـ أولا و أخيرا ـ بتركيب الكيد الأدبي كفخ مقصود منه أسر القارئ في أحابيل السرد.و حين يسقط القارئ في فخ الكاتب فلا ينوبه من تجربة السقوط سوى ذلك الكيد الذي حفّز الكاتب للكتابة أصلا.هذا الفهم للكتابة يردها لحيث اللعب.اللعب بين الكاتب و القارئ، و في مقام اللعب الأدبي هناك اللاعب الكاتب( المنتج) الذي يعي قوانين اللعب و يراعيها و ينتفع بها في إختراع لعب جديد و هناك اللاعب القارئ(المستهلك) الذي يكتفي من الغنيمة بالمشاركة في اللعبة و يستغني بمتعة القراءة عن هم إختراع لعب جديد.و في هذا المشهد يبدو أدب الطيب صالح مثل فخ كبير، اسمه" ودحامد"، يمور بطوائف القراء الأماجد الذين يكتبون ضمن منطق الإستهلاك دون أن يخرج أي منهم على قانون اللعبة التي اخترعها الطيب صالح.لقد فرض الطيب صالح مكيدته في كتابة مجتمع القرية و ثبتها بطريقة تجعل معظم الكتاب السودانيين الذين عالجو سرد القرية السودانية يقعون في إسار أيقونة " ود حامد" بمشهدها الطبيعي و بمناخاتها و بشخوصها.لقد بنى الطيب صالح سورا عاليا حول موضوعة القرية و عمل لها بوابة أغلقها و رمى المفتاح في بئر سحيق.و بعد قرية الطيب صالح لا يبق أمام الكاتب الجديد الذي يرغب في مقاربة موضوعة القرية إلا أن يخترع قرية جديدة مخالفة لقرية الطيب صالح أو يمشي يشوف ليهو حاجة تانية.


أظن أن سؤالك حول جدل الجيل الجديد و الجيل القديم مقرونا بالكتابة الجديدة و الكتابة القديمة فيه خلل منهجي، لأنه يضمر علاقة ما بين الجيل و نوعية الكتابة ، بقدرما تنطوي عبارات" قديمة" و "جديدة" على حكم قيمة إعتباطي لا تسنده أي حجة موضوعية.أنا لا أنكر وجود الأجيال كواقع زماني. الا أن الجيل فضاء اعتباطي يندرج في إطاره كل الناس الذين ولدوا و عاشوا في لحظة تاريخية بعينها.، مقولة الجيل تتعامى عن الواقع التاريخي لمجتمع ملغوم بتناقضات المصالح الطبقية.فقد ننتمي لنفس الجيل لكن تناقض المصالح الطبقية يؤثر على الطريقة التي يستخدم بها كل منا نفس الكلمات و على نوع الإستجابة الجمالية لكل منا لنفس الموضوعات الأدبية.
و في نظري (الضعيف؟) أظن أن مقولة الجيل ظهرت في المشهد الثقافي السياسي في السودان كذريعة لتمرير منطق التبديل في الأجسام القائدة لمؤسسات الثقافة و السياسة( أنظر حالة بعض الأحزاب السودانية التي تتفاخر بأنها فتحت الباب للدماء الجديدة الشابة لتتسنم مواقع القيادة). و على علاتها ، تملك مقولة " الجيل" أن تموّه، من وراء غشاء الغوغائية السياسية، أزمة حقيقية في منطق التبديل الديموقراطي الطبيعي ضمن أجسام القيادة في المؤسسات السياسية و الثقافية.لكن طبيعة التركيب الكبير اللاحق بالواقع السوداني لا يسوّغ إستباحة حرمة مفهوم " الجيل" و توظيفه فيما لا يصلح له.و في نهاية كل تحليل فإن التبديل في القيادات الفكرية و السياسية أمر يرتهن بالكفاءة و لا علاقة له بفتوة الشباب و لا بأقدمية المخضرمين
أسامة
أظن أن هذا الكلام يعفيني ( و هيهات) من مشقة الإجابة على سؤالك نمرة تلاتة:" كيف تقرأ كتابة الأجيال السابقة لك و اللاحقة؟"
أما عن سؤالك نمرة أربعة:
"كيف تنظر لدورك ككاتب في الحياة"
ما أنا يا صاح بكاتب، و لكنها" الحياة".أنا رسام أباصر الكتابة،لأن هذا الرسم الذي يكتفي بذاته ـ فيما يشاع ـ لا يكون ما لم تؤطره كتابة تدفع عنه غوائل السلطات و أنواع سوء الفهم الطوعي وغير الطوعي.و قد حفزتني ضرورات تقعيد الممارسة التشكيلية لمعالجة الكتابة في فضاء سوسيولوجيا الثقافة، و سوسيولوجيا الثقافة أرض واسعة يختلط فيها حابل علم الجمال بنابل الإقتصاد السياسي و هلمجرا.
طبعا المشكلة هي أن "مصاقرة" الكتابة ـ بأي ذريعة ـ تنتهي بـ"المصاقر" إلى إتخاذ هيئة الكاتب الأديب.و إتخاذ هيئة الكاتب الأديب يا صديقي مجازفة كبيرة و شر مستطير لا يقربه إلا أهل الغشامة الكبيرة أو أهل العزم الحديد المارقين للريبة و التلاف.وأنا شخصيا لا قبل لي بتحمل عواقب موقف الكاتب الأديب و لا رغبة عندي و لا وقت.

الأخ أسامة أرجو أن تجد في هذه السطور إجابة لأسئلتك، و لو عنّ لك المزيد فاكتب يرحمك الله و شكرا لك كونك حفـّزت الخاطر على نبش تفاكير الكتابة.
مودتي
حسن موسى

14/3/2007

رحل .. صديقنا جوزيف توبيانا

رحل

حزنت هذا الصباح لرحيل صديقنا و أستاذنا العالم الإنثروبولوجي و الألسني الجليل" جوزيف توبيانا"، أثر نوبة قلبية لم تمهله طويلا.و ندمت لأني إنشغلت بأمور الدنيا عن مهاتفته الأسبوع الماضي لتشقيق الكلام في واحدة من الونسات الطويلة التي نخوض فيها في كل شيئ: نعيد تنظيم السودان و أفريقيا و العالم العربي و أوروبا و أمريكا ولا يضيرنا أن ننزلق من موضوع لآخر بأسلوب " دو كوك آلان"(و ترجمتها الحرفية: من الديك للحمار) كما يعبر أهلنا الفرنسيس.
كنت أنوي شكره على تقريظه لكتابيّ المصوّرين الأخيرين (" ست إفتكار" و " جنازة الفيل"). كما كانت في خاطري أسئلة في خصوص الترجمة المشتركة( مع جنفييف دافو) للفرنسية التي أنجزاها لكتاب الأستاذة الهولندية" ليدوين كابتيينس":" العقيدة المهدية و التقليد السوداني في دارفور، تاريخ سلطنة المساليت 1870- 1930"( نشر لهارماتان 2006)(1). و كان الكتاب قد نشر بالإنجليزية في 1985 بواسطة مركز الدراسات الأفريقية في لايدن. و الأستاذة ليدوين كابتيينس مؤرخة ومستعربة و أفريقانيةعملت بالبحث الميداني في السودان بدار المساليت و درّست في جامعة الخرطوم و تعمل حاليا بتدريس التاريخ الأفريقي في وليزلي كوليج بالولايات المتحدة.و كتابها محاولة جادة للتأريخ لسلطنة المساليت تتكامل ضمنها الروايات الشفهية مع الوثائق المكتوبة.كنت أريد أن أشكر جوزيف توبيانا كونه برّني بهذا الكتاب الكبير بالذات في هذه الفترة التي تجعلنا فيها الأحداث الدامية في السودان نكتشف قلة حيلتنا المعرفية و هشاشة معلوماتنا عن أهلنا الغبش الذين ننخرط في الدفاع عنهم ضد جور الأستبداد و آيات القهر و الإستعلاء و نحن لا ندري من أمرتاريخهم و ثقافاتهم سوى النذر اليسير.
و في نفس الوقت كانت عندي بضعة تفاكير و تساؤلات في خصوص تجربته كأثنولوجي أفريقاني من جيل البحاث الفرنسيين الذين سعوا لتصحيح العقيدة الأخلاقية للإثنولوجيا و إنتزاع المبحث الإثنولوجي من أيدي سدنة الإستعمار في فضاء المبحث الأفريقاني. و هي تفاكير عنـّت لي من قراءة مقابلة طويلة أجرتها معه الباحثة الإثنولوجية " باربارا كاسياري" أستاذة الإنثروبولوجي بجامعة باريس 8.(2) و أظنني كنت أرجئ ونستي لعطلة نهاية العام و في زاوية الخاطر أمل بسفرة قصيرة لباريس لزوم النزهة الثقافية و لقاء الأصدقاء.لكن الموت " حق" مثلما هو" باطل" في آن.فقد رحل جوزيف توبيانا و تركني مع أسئلتي و تفاكيري و معكم و جلكم لم يقرأ له أو يسمع به.
و تقديم" جوزيف توبيانا"،( الجزائر 1919 – باريس 2006)، لمن لم يلتق به أمر عسير، كونه من طينة الرجال متعددي الغوايات بين الفن و اللغات و الإثنولوجيا والسياسة. فهو أحد قلائل من العارفين باللغات الأثيوبية معرفة متخصصه أهلته لتدريس اللغة الأمهرية في أم المؤسسات الأكاديمية الفرنسية المنفتحة منذ أكثر من قرن على دراسات العالم غير الأوروبي :" المعهد الوطني للغات و الثقافات الشرقية"(إنالكو).
لكن الكلام عن جوزيف توبيانا لا يكون بغير " ماري جوزي توبيانا " زوجته و زميلته في المبحث الأفريقاني منذ مطلع الخمسينات.فبعد إستكمال عمله الميداني في إثيوبيا في 1950. إنطلق مع ماري جوزي توبيانا في مبحث مهم و مركزي في حياتهما الأكاديمية حول الزغاوة بين تشاد و السودان.
و حكاية توبيانا مع السودان طريفة و عامرة بالدروس و العبر.ففي نهاية الثمانينات كنت أبحث عن أكاديميين على معرفة بالسودان لإستكمال هيئة المحكمين التي كان علي أن أدافع أمامهاعن أطروحتي في صدد التحول في المراجع الثقافية من خلال حالة تاريخ الفن المعاصر في السودان.و كنت قد نجحت في جمع بعض المختصين بالتاريخ و سوسيولوجيا الفن ، لكن مديرة بحثي ، نصحتني بأن أبحث عن أكاديمي يعرف السودان.و في ذلك الوقت كانت تلك مهمة صعبة لأن المختصين بالسودان القلائل تقاعدوا أو عتذروا بأن موضوع تاريخ الفن المعاصر في السودان بعيد تماما عن دائرة إهتمامهم.و هدتني الظروف للقاء جوزيف توبيانا و اكتشفت أنه يعرف السودان و أخذ يسألني عن مآل أصدقاءه في الخرطوم (الأساتذة محمد عمر بشير و يوسف فضل حسن و آخرين).أذكر انني سألته عما دفع به للسودان فقال: كنا نعمل على بحث عن الزغاوة في تشاد مع ماري جوزي. و لسبب من الأسباب غضب علينا الرئيس " تمبل باي" ديكتاتور تشاد الأول فطردنا من تشاد. لكننا عزمنا على إستئناف بحثنا من السودان لأن الزغاوة يقيمون بين البلدين و لا يعرفون الحدود السياسية بين تشاد و السودان.و من ذلك التاريخ بدأت علاقتنا مع السودان و مع السودانيين الذين رحبوا بنا و أحسنوا وفادتنا و أثاروا إهتمامنا بالسودان فيما وراء موضوع الزغاوة.(3)،و صار السودان بالنسبة لي بمثابة الواحة التي أستريح عندها في رواحي البحثي بين تشاد و إثيوبيا.
من ذلك التاريخ توطدت علاقتي بجوزيف و ماري جوزي توبيانا عبر سلسلة من اللقاءات و المساهمات المتبادلة.ذات مساء هاتفني ليقول لي برنة أسى صادق أن عبدالله الطيب قد توفي دون أن يعرف عنه البحاث الأفريقانيون في فرنسا أي شيء، و أنه من الضروري إستغلال المناسبة وعمل شيء لتعريف البحاث الفرنسيين بعبد الله الطيب كمثقف أفريقي ذي مساهمة جليلة في فضاء الثقافة الأفريقية المعاصرة.فكتبت له نصا تعريفيا بعبدالله الطيب نشره في نشرة" الجمعية الفرنسية للتنمية و البحث العلمي لشرق أفريقيا"(4)..
و أهمية جوزيف توبيانا في مشهد الأنثروبولوجيا الفرنسية هو أنه "من جيل البحاث الأفريقانيين الذين عبروا اللحظات التاريخية الحرجة التي تقاطعت فيها أقدار التجربة الإستعمارية و الحرب العالمية الثانية و حروب التحرر من الإستعمارو التحولات الإجتماعية في العالم الثالث في فترة ما بعد الحرب الثانية.و هي تجربة تكسب عملهم ثقلا تاريخيا يفتقر إليه جيل البحاث الأصغر سنا الذين أنجزوا مساراتهم البحثية ضمن إطار من الإستقرار العام.و قد إنطبعت تجربة جوزيف توبيانا منذ البداية بتجربة الحياة في الجزائر حيث تسنى له، من سني يفاعته الأولى، أن يعايش بشكل لصيق المعاناة من التفرقة التي عرفها الجزائريون سنوات الهيمنة الإستعمارية مثلما عايش في سني شبابه في فرنسا سنوات القهر أيام الإحتلال النازي لفرنسا في عهد فيشي.و قد حمل توبيانا هذه التجارب في متاعه الفكري و هو يعمل مع ذلك النفر من المثقفين الفرنسيين الذين انخرطوا بنشاط في الجدال حول ضرورة مساهمة الغرب بشكل جاد في تنمية الدول حديثة الإستقلال.كما حمل تجربته السياسية في متاعه كباحث أنثروبولوجي."(ب. كاسياري).
الحديث عن جوزيف توبيانا طويل.و قد أترجم للقراء و المهتمين بعض المقاطع من الحوار الذي أجرته معه ب. كاسياري لما يحتوي عليه من تفاكير شيقة في مسائل التعليم و التنمية و الإثنولوجيا في أفريقيا.و قد قصدت من هذه الكليمة أن أحمل للصحاب و القراء خبر رحيل صديق و باحث مهم في مشهد العلاقة الفرنسية السودانية.
كان من المقدّر أن يلتقي عدد من أصدقاء جوزيف توبيانا و زملاءه و تلاميذه في قاعة " الصالون " بالمعهد الوطني للغات و الحضارات الشرقية" بباريس ، الساعة الخامسة و النصف بعد ظهر يوم الثلاثاء 19 ديسمبر و ذلك لتقديم كتاب الأستاذة لدوين كابتيينس عن تاريخ المساليت. و شاءت الأقدار أن يتحول هذا اللقاء من مجرد مناسبة أكاديمية إلى منعى لهذا الشيخ الباحث الذي لم يفارق هم البحث حتى في لحظة الرحيل النهائي.كان البحث دينه الأول و الأخير، هذا العلماني الباسل الذي سيتبسّم في حكمة حين يتأنى عند جثمانه أصدقاءه المسلمون (من تشاد) و المسيحيون و اليهود( الفلاشة) ( من أثيوبيا) ليطلبوا له الرحمة كل من إلهه.و كل بلسانه.
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
Lidwien Kapteijns, Mahdisme et Tradition au Dar For
Histoire de Massalit 1870- 1930,Ed. L’ Harmattan, Paris 2006
The Long Walk,VI
Lors du travail de terrain il faut être comme un poisson dans l’ eau »,Entretien avec Joseph Tubiana, Extrait de Nomadic People , N.S. 2004 , Vol 8(2)

Les Orientalistes sont des aventuriers, textes réunis par A. Rouaud, sépia- aresae, 1999
(3) و لماري جوزي و جوزيف توبيانا مساهمة كبيرة في أدبيات تاريخ و أنثروبولوجيا الزغاوة بدأت بكتابهما المشترك:
The Zaghawa from an Ecological Perspective,AA. Balkema/Roterdam/ 1977
و لماري جوزي توبيانا أعمال مهمة منها
Contes Zaghawa, 1961

Survivances Préislamiques en Pays Zaghawa, Institut d’ Ethnologie, Musée de l’ Homme, 1964.

Des Troupeaux et des Femmes, Mariage et transfers de biens chez les Beri ( Zaghawa et Bideyat) du Tchad et du Soudan)
Editions L’Harmattan, 1985

Un Patriote Tundjur :
Le Faki Adam Ab- Tisheka, CNRS, Laboratoire Peiresc, 1981
(4)
Nouvelles de l’ARESAE ; N° 146, Janvier 2004
Abdallah At-Tayyeb, 1921-2003,
Un intellectuel Soudanais, Par Hassan Musa