الاثنين، 1 كانون الثاني، 2007

آيديولوجيا التصاوير و تصاوير الآيديولوجيا

في صناعة الصورة
الاعزاء يا أهل الصورة
سلام
وعدت في نهاية كلامي السابق بأني عائد "غدا" لمواصلة الكلام في موضوع صناعة الصورة ، و منعتني أمور الدنيا ذات القدود من الوفاء( فعفوكم)، لكن الصورة البصرية كتدبير مادي تنطرح عندي ،وعند نفر من التشكيليين، بوصفها وجها من وجوه الخطاب الفني المتحقق خارج جغرافيا الادب، أو قل كخطاب غير نصوصي، وسيلته الخامات و الادوات المادية وغايته التفتح الحر الخلاق لملكات صانع الصورة في فضاء لا تطاله وسيلة الادب الكلامي و هيهات.أختم تقريري بـ "هيهات" من باب الحيطة، فالادب الكلامي يطال كل شيء فيما يزعم (و هيهات أيضا)، و أفضل دليل على واقع تغول الادب الكلامي على فضاء التصاوير كوني مضطر هنا لاستخدام وسيلة الادب الكلامي لشرح ظاهرة الصورة كتدبير غير أدبي.
أقول ظاهرة الصورة وأعني الاثر المرئي الناتج من تضامن اليد و الاداة و الخامة على تجسيد فكرة الخاطر كعلامة مادية، ككتابة ، مبذولة، و قل مرسلة، لطرف آخر يزكيها بفعل القراءة و يجعل منها مصلحة جمعية كموضوع للاتصال و كأداة له.و الصورة كـ " مصلحة جمعية" هي لغة تنوجد على عدة مستويات أدبية و غير أدبية.و يهمني منها هنا مستواها غير الادبي ، أعني : مستواها المقيم في ما قبل( و ما وراء) أرض التعبير الادبي النصوصي، و هي الارض التي أسميها أرض التدبير المادي التي تحكمها قوانين لا علاقة لها بالقوانين التي تحكم أرض الادب الكلامي.
و " أرض التدبير المادي" قارة بحالها ممتدة بين الرسم و الرياضة و اللعب الجسدي و الرقص و العمل الجسماني اليدوي لغاية أنواع الاداء الطبيعي البايولوجي لوظائف الجسم.. هذه القارة البكر كانت و مازالت بعيدة عن متناول الادباء لأسباب عديدة أهمها أن الادب كممارسة جمعية ينزع للاستكانة في داخل حدود الأرض المغلقة التي عرفها و رسم خارطتها النهائية و عرّف بها جمهوره. و لعل نقطة قوة الادب و نقطة ضعفه في آن هي في الاتفاق المضمر بين الكاتب و القاريء على جملة المؤشرات و العلامات اللغوية و الجمالية و السياسية التي ترسم حدودا للفضاء الادبي الذي يتقاسمه الأديب و جمهوره كفضاء اجتماعي ذي طبيعة طبقية.داخل هذه الحدود يمكن حصر المفردات و التعبيرات الأدبية و البنى السردية و القيم الجمالية و السياسية التي يستبطنها الاديب المخلص لشرطه الطبقي و يحبس نفسه داخله ،او بشكل عفوي في الغالب.و اذا كان الانسجام التام بين الأديب و جمهور طبقته يمكن أن يعتبر نقطة قوة تكسب للأديب جاها و رواجا اجتماعيا حتى أن قراءة المتحمسين يمكن أن ينصبوه كـ " ثروة قومية"( كما تفضل عادل عبد العاطي في وصفه للطيب صالح في بوسته المشهود: " ما رأي من جرّموا الطيب صالح؟ نقد في فعاليات عاصمة الثقافة" في موقع سودان للجميع
Sudan-forall.org
). فان اخلاص الاديب لآيديولوجيا الطبقة يمكن أن ينقلب وبالا عليه بقدر ما تضيق آيديولوجيا طبقته عن استيعاب القواسم الجمالية المشتركة بينها و بين الطبقات الاجتماعية الاخرى التي تتقاسم معها الفضاء السياسي و التاريخي المعين.أقول قولي هذا و أنا أكاد لا أقاوم اغراء الزج بالطيب صالح كحالة نموذجية ، تقارن بغيرها، في صدد تراكب البعد الجمالي مع البعد الايديولوجي في عمل الاديب ضمن واقع الصراع الطبقي الراهن في السودان.بيد أن مكيدة الطيب صالح الآيديولوجية و الجمالية غميسة و ملولوة و أغرق من أن يسبرها نوع استطرادي المستعجل هذا و أنا أتهيأ لمعالجة أمر الصورة البصرية المقيمة في أرض التدبير المادي.
و في نظري الضعيف ،يبدو لي أن فضل الصورة على النص يكمن في كون الصورة كممارسة عملية مادية، بما تقتضيه من حضور للأدوات و الخامات و من انخراط للجسد، انما تصون قنطرة مستديمة مع الواقع المادي الموضوعي الذي لا يكف عن التحول و الانمساخ. و هذه العلاقة الاجبارية مع عناصر الواقع المادي المتحول تجعل صاحب الصورة قمينا بمفاوضة المسالك الجمالية لعمله بغير ثقة مطلقة في الـ" دوغما" الجمالية المتخلقة في أيديولوجية الطبقة، و بدون ركون سعيد لعادات الممارسة المتراكمة في ذاكرة التقليد البائد. و حين أقول :" عادات الممارسة المتراكمة في ذاكرة التقليد البائد" فأنا استحضر كل سطوة التقليد الادبي و نفوذه و ثقله السياسي الذي يتخلّق عبر القرون كما الورم السرطاني في جسم المشروع الابداعي و ينتهي بالاديب الى موقف الرهينة في قبضة الحراس الطبقيين للأنواع الأدبية التقليدية.و لعل أكثر حيل الادباء كفاءة بسبيل الخروج من سجن العادات و التقاليد الادبية تتمثل في سعيهم لصيانة مخارج سرية مع عناصر الواقع الحي سواء بمقاربة الواقع السياسي الميداني المتحول، سواء باستحضار أحوال الجسد البيولوجي و وظائفه الطبيعية ،أوبالاتكاء على لقيات علم النفس و علم الاجتماع الخ مما جاد به تاريخ الواقعيات في حركة الادب. و تاريخ الخلق الادبي في جملته يبدو كما سلسلة من المحاولات المستميتة لتبرير الكتابة الادبية بذريعة الواقع.



2
أقول : ان فضل صاحب الصورة المرئية على صاحب الصورة الادبية يتفسر بالحضور الاجباري لعناصر الواقع الحي (الجسد و الاداة وا لخامة و العلامة) في عملية الخلق بينما تختفي عناصر الواقع الحي أو تضمحل تماما وراء وسيلة الاديب: اللغة التي تصبح حجابا حاجزا بين الواقع الحي الملموس و ترجمته، ترجمة الواقع ، الى نص ينمسخ بدوره واقعا جديدا مستقلا يستمد مشروعيته من مجمل تاريخ الادب البائد .و النص كواقع أدبي ثان، يطرح خطر انعزال الممارسة الابداعية الادبية بين مرآتين متقابلتين كل منهما تكرر صورة الاخرى بلا نهاية.و هي الوضعية التي تصبح فيها غاية الادب هي انتاج الادب على نهج " من دقنُه و افتل لُه". وغاية انتاج الادب من واقع تاريخه ،كمشروع ابداعي، لا تنجو من شبهة الاستخدام السياسي المغرض للأدب لصالح الفئة المستفيدة من الانحراف به عن غاياته الاجتماعية، كون الادب الذي يجعل غايته الجمالية انتاج الادب فحسب انما يباشر هذه الغاية ضمن سياق تاريخي بعينه، و على أساس جملة من المراجع و المؤشرات الآيديولوجية البعيدة كل البعد عن براءة الادباء الذين يتظاهرون عادة بالاستنكاف عن الأيديولوجيا.و قد قرأت مؤخرا بعض الاقلام المتحمسة التي تنظر للأيديولوجيا كما لو كانت نوعا من الامراض الخبيثة التي ينبغي على المبدعين تجنبها. و يحضرني هنا نص للصديق النور حمد نشرته جريدة الاضواء و سودانيزأونلاين.كوم في مطلع العام 2005 "العصر الاموي و فجر البراغماتية الاسلامية".و النور يعارض الآيديولوجيا بالبراغماتية ، بل و يحبذ البراغماتية بوصفها " الترياق الأكثر فعالية لتخفيف غلواء الآيديولوجيا". و واضح في كلام النور أن الموقف البراغماتي عنده يتأسس خارج الآيديولوجيا( وقيل ضدها)،و أن السلوك البراغماتي سلوك منزّه عن شبهة الأيديولوجيا.و يذهب النور ابعد من مجرد اصطناع المضاهاة بين مصنفين فلسفيين يمتنعان على المضاهاة بحكم اختلاف الطبيعة المفهومية لكل منهما، حين يضفي على البراغماتية شرفا معرفيا لم تدّعيه، و يجعل منها " مرادفة للعقلانية"، مثلما يجعل منها أداة نقدية قمينة بمواجهة سلطة النص ، أو كما قال:"البراغماتية تعني فيما تعني مواجهة سلطة النص". و هذا اجحاف مفهومي يفترض أن للبراغماتية موقف مبدئي من النص،في حين أن الموقف البراغماتي في طبيعته موقف لا مبدأي كونه يملك أن يناهض سلطة النص مثلما يملك ان يمتثل لسلطة النص ، و الامر في مشهد البراغماتي انما هو أمر تأمين المصلحة المباشرة بغير رؤية شمولية( سواء كانت اسطورية أو نقدية تاريخية) للوجود ككل متماسك على تضامن أبعاده المادية و الرمزية ،و الوجود في مشهد البراغماتي يختزل الى مجرد سلسلة من الحالات المادية و الوضعيات الرمزية المستقلة عن بعضها البعض، و التي لا تربطها أي رؤية منهجية متكاملة، و يظل الرابط الوحيد الممكن مرتهنا بمدى تأثير كل حالة على المصلحة المباشرة لصاحب الموقف البراغماتي.و البراغماتية في هذا الافق هي وجه من وجوه التعبير الآيديولوجي يتميز عن وجوه الآيديولوجيا الاخرى كالدين أو الفلسفات المادية التاريخية بطبيعته الانتقائية، بل هي أيديولوجيا عديل لكنها لا تكشف عن اسمها. وأنا اقيم على حسن ظن عريض في كون الأخ النورـ بحكم تجربته الطويلة في مواجهة سلطة النص ـ لا يمكن أن يجهل مسألة في بساطة كون " مواجهة سلطة النص" ، في كافة مستوياتها، انما تتأسس على قاعدة الآيديولوجيا و ليس على أي فراغ مفهومي يفترض في من يتصدوا لمواجهة سلطة النص توفّر نوع من عذرية مفهومية تجهل أو تتجاهل التاريخ.لكن حسن ظني يتضعضع و يضمحل بالنسبة لاستخدام النور البراغماتي(سياسيا) لمصطلح" الآيديولوجيا". فالايديولوجيا في أدب النور السياسي تقتصر على تعبيرات الفكر المادي الشيوعي على وجه الخصوص ، رغم أن النور يضيف اليه الفكر الديني على زعم أن هناك قاسما مشتركا أعظما بين الاثنين يعر"فه النور حسب عبارته، بـ " المثالية، في معنى عدم العملية":
" ..غير أن المثالية ، في معنى عدم العملية، قد ارتبطت أيضا ، في الجانب الآخر ، بالفكر العلماني. و أنا ممن يميلون الى وضع الماركسية اللينينية، بسبب عدم عمليتها، في خانة الآيديولوجيا المثالية، شأنها في ذلك شأن الفكر الديني .." .
و قبل مواصلة الاستطراد يهمني فتح هامش جانبي للمتسائلين عن علاقة هذا الكلام بمبتدأ الحديث في خصوص صناعة الصورة.فأنا أرى الايديولوجيا كأنها صورة للوجود، صورتي أنا من حيث أنظر من موقفي التاريخي تجاه الفرقاء الاجتماعيين الآخرين،و في هذا المنظور فان صورتي قمينة بالتعارض و بالتوافق مع صور الآخرين حسب تناقض المصالح و توافقها.و حين أقول : ان الآيديولوجيا صورة، فهي صورة على قدر كبير من التركيب كونها تقيم بين الصورة التي ورثناها ضمن شرطنا الثقافي الطبقي و الصورة التي نتمناها للوجود، و لو شئت قلت هي" التصوّر" في معنى المشروع.في هذه الصورة الكبيرة تندرج تصاوير عديدة تتراتب و تتداخل و تتناقض و تتوافق، متأثرة بما في الذاكرة من تصاوير موروثة، و بما في الخاطر الحاضر من تصاوير و آمال مسقطة على شاشة الغيب . و على أساس رؤيتنا لصورة الوجود نتقدم و نشق الدروب التي اخترناها في مسارات الحياة.هذه الصورة التبسيطية لمفهومي للآيديولوجيا ضرورية لتقعيد أمر أدب الصورة ضمن منظوري الايديولوجي الشخصي بما يوفر علي و على غيري أنواع اللبس المجاني. و لي عودة ضمن براح لاحق لاشكالية الصورة بين موضوعها الذي يراه الناظر اليها من بعد و موضوعها في وعي الناظر الذي يعي فعل النظر و يعرف أنه منظور اليه من حيث هو كائن ناظر، و علاقة كل هذه المراوحات بين الذات الناظرة و الموضوع المنظور اليه على هدي نظرات من مولانا" موريس ميرلوبونتي" كرم الله وجهه.






3

وأنا أرى في عبارة النور صورته، و صورتنا جميعا، اعني صورة حيرة المثقف السوداني أمام واقع السودان المعاصر ضمن واقع العالم المعاصر.فالنور الذي أعرفه( و يعرفني) كمثقف وكفنان ـ و كـ " ولد مسلمين"و سليل أولياء كمان ـ رجل مهموم بحال و بمآل العالم. و هو قد قضى بضعة سنوات من شبابه محاولا اصلاح حال العالم من مدخل الفكر المادي، في تعبيره الماركسي، في نسخته التي كانت مبذولة للعالمين في مطلع السبعينات.و أظن أن الادوات النقدية التي طورها النور خلال تلك التجربة مكنته من رؤية الخلل الفكري المنهجي و السياسي في عمل المؤسسات الثقافية و السياسية المسترشدة بتصانيف الفكر المادي من كلية الفنون لغاية الحزب الشيوعي السوداني. ثم جاء عهد انخرط فيه النور بكليته( و بأدواته الفنية والسياسية الماركسية) في مسعى " الاخوان الجمهوريين" لاصلاح حال العالم من مدخل الفكرة الدينية.و بعد اغتيال محمود محمد طه و انفراط عقد الحركة الجمهورية كان لا بد للنورـ و لكثيرين غيره ـ من اعادة النظر في جملة من القناعات و المواقف و الوسائل التي أدركها التحول، سواء بسبب تطور شروط الواقع السياسي السوداني ، سواء بسبب تطور شروط الواقع الاجتماعي الكوكبي في جملته.و رغم يقيني بأن النور قد أعمل نظره النقّاد في كثير من جوانب أدب الكفاح الجمهوري لاصلاح حال العالم الا أنه بقي(و بطريقة غميسة سأفصلها لاحقا) في أسر الرؤية الجمهورية البدائية لحال حركة الفكر الانساني كمراوحة متصلة بين قطبي الروح المادة. و ثنائية الروح و المادة حيلة أيديولوجية قديمة غايتها أن تحفظ للدين خانة في مواجهة الفكر المادي. على زعم أن الفكر المادي لا يكون وحده و لا يستبد بذاته مستغنيا عن تراث الادب الروحي البائد.و خلاصة الامر في هذه المقولة الدينية هو أن الاعتراف بالطبيعة المادية للوجود انماهو اقرار بشقاء انساني لا خلاص منه بغير استكمال البعد الروحي. و من باب المعنى الروحي يدخل أنصار الدين و يبذلون أجوبتهم المبسّطة التي تحسم قضايا الموت و الحياة بكفاءة عالية.
و فيما وراء حالة النور جمهور واسع من أولاد المسلمين الذين انبهمت أمامهم دروب كانت واضحة بالأمس القريب وا عتكرت أمام نظرهم صورة الوجود، فما العمل ؟ هل سيهجر أولاد المسلمين دين آباءهم لينخرطوا في دين العلمانية النصرانية الأوروبية الذي تستعجلهم عليه دوائر رأس المال المتعولم؟ أم هم سيهجرون الدين كله لينخرطوا في دروب النقد التاريخي الوعرة فيما وراء مقولات الشرق و الغرب و الروح و المادة؟أن الرواج السياسي الذي لقيه تيار النسخة الاصولية من الاصلاحيين الاسلاميين في السودان في خلال العقدين الماضيين يبدو لي تطورا طبيعيا لايديولوجيا الطبقة الوسطى العربسلامية في السودان. و هو تطور يمكن تفحصه فيما بين" محكمة الردة" الاولى في الستينات و" محكمة الردة" الثانية في الثمانينات.فبين المحكمتين طرح آيديولوجيوا الطبقة الوسطى العربسلامية عدة مفاهيم آيديولوجية لانقاذ ما يمكن انقاذه من التركة الدينية الثقيلة على طريقة " الدين تلته و لا كتلته". و هو سعي ساهم فيه العربسلاميون من كافة المشارب، ابتداءا من الطائفية و مشروعها السياسي الاستحواذي باسم " الدستور الاسلامي" الذي تحالفت عليه مع الاصوليين في الستينات، مرورا بجمهوريي" الرسالة الثانية" الذين ما انفكوا يحذرون المسلمين في السودان و ينذرونهم بأن لا يفوتوا فرصة تسنم المبادرة الروحية الجليلة لاجتراح مدنية جديدة تليق بانسان القرن العشرين. لغاية أدباء" الغابة و الصحراء" العائدين لسنار المسلمة بمباركة نظام الامام النميري المتأسلم تحت ضغط الدول العربسلامية الشقيقة المحافظة، و من لف لفهم من أهل التشكيل بين" مدرسة الخرطوم" لـ "مدرسة الواحد"، لغاية الصادق المهدي ومشروعه لـ "الصحوة الاسلامية" التي " توفّق بين الاصل و العصر.."( الصادق المهدي ، تحديات التسعينات ، 1990 )، في محاولة مستميتة لانقاذ الاسلام من الانقاذيين الذين قوضوا دعائمه السياسية و بذّروا رصيد ميراثه الاخلاقي في خاطر السودانيين بفضل ممارسة ميكافيلية و افتراسية جائرة يعوزها الخيال و بعد النظر السياسي، فما العمل؟
مندري، وأغلق قوس الاستطراد هنا لأعود لوجهة نظر النور في صدد الآيديولوجيا و البراغماتية.فقد استرعت انتباهي مداخلة الخاتم عدلان، في تعليقه على مقال النور، الذي اعترض فيه على قول النور بترادف البراغماتية و العقلانية، " لأن متطلبات العقلانية في نظري أوسع من متطلبات البراغماتية " و لم يعترض الخاتم ـ الايديولوجي الضليع ـ على مضاهاة النور للآيديولوجيا بالبراغماتية. بل أن الخاتم يوافق النور على اعتباره " الماركسية نوعا من الآيديولوجيا" لأنها ـ حسب عبارته ـ" تراكمت عليها المعطيات الجديدة المختلفة نوعيا عن منطلقاتها الاولى دون أن تصاحب ذلك جرأة هدم المنطلقات الاساسية لدى الماركسيين، خاصة العاملين منهم في المجال السياسي ، و في خدمة النظم التي كانت قائمة باسم الماركسية.بمعنى آخر ، كان المحتوى الايديولوجي في الماركسية يتراكم على أساس أساسها العقلاني." ( الخاتم عدلان ، مداخلة في بوست النور حمد بتاريخ 11 يناير 2005 )و في هذا المشهد يتضامن الخاتم مع النور على تجريم الآيديولوجيا و اعتبارها نوعا من الجمود اليساري الديني المسؤول عن تدهور الماركسية و اضمحلال أساسها العقلاني . و هكذا يصفي النور حمد حسابه مع الماركسية و مع الفكر الديني بوضع الاثنين في سلة" الآيديولوجيا المثالية" غير البراغماتية، بينما يصفي الخاتم عدلان حسابه مع الماركسية من خلال معارضة الآيديولوجيا بالعقلانية , في هذا استباحة جائرة لمفاهيم مركبة وراءها أدب طويل جاد كالآيديولوجيا و العقلانية و البراغماتية و الدين.و استباحة الرفاق السابقين للتركيب اللاحق بمفهوم الآيديولوجيا هو في نظري الضعيف وجه من وجوه التدبير الآيديولوجي الواعي لسياسيين مشغولين باستقطاب الناس لمشروعيهما السياسيين. و يبقى في الخاطر سؤال للجيل الجديد من حرفيي السياسة في السودان:ترى هل صار قدر السياسي المحترف هو ابتذال المفاهيم الفكرية المركبة واختزالها لسعة الغرض السياسي المباشر؟ و هل غرض السياسي هو بالضرورة مرض الفكري؟
وما السياسة؟ و ما أدراك ما الآيديولوجيا؟
هذه أسئلة الاجابة عليها تفيض عن سعة هذه الكلمة التي تطمح الى طرح بعض المؤشرات النقدية في خصوص صناعة الصورة كممارسة مادية لا أدبية ـ أو قبل أدبية ـ، لكن هذا التقرير لا يعني أنني لن أعود لنبش موضوع الآيديولوجيا مرة أخرى.






4
فما الصورة ؟
يهمني هنا تعريف الصورة القريب من نوع الصور التي تشغلني كرسام. و أعني الصورة
كـ
Image
في مشهد علم الدلالات بوصفها موضوع تمثّل ايقوني مستقل بخصوصيته البصرية و بقابليته للتحليل و للنقد.و الصورة بهذا تنطرح كوسيط اتصال و كموضوع اتصال في آن.و من جملة خصوصياتها المادية و الرمزية تطرح الصورة أكثر من مدخل لمن يقصد مقاربتها. و قد أسلفت أعلاه بنيتي في مقاربة الصورة من المدخل التشكيلي بوصفها خطابا في التدبير المادي الممنهج.و أعني بـ " التدبير المادي الممنهج" مجموعة التصرفات المادية التي تصدر عن واعية المشكل الذي يستخدم أدواته بغرض تنظيم عناصر المادة البصرية من أشكال و ألوان و أحجام ضمن خطة غايتها طرح علامة مرئية تؤثر في الناظر اليها، سلبا أو ايجابا،و تجعله يتخذ موقفا له عواقبه على المستوى الشخصي أو الجمعي.
و لتضييق فضاء الاستطراد أقتصر في مقاربتي على جنس التصاوير القريبة من تصاويري الملونة ذات البعدين. و هذا التحديد يجعلني أستبعد انواع التصاوير ثلاثية الابعاد كالنحت و التأثيث (ان جازت ترجمتي لمصطلح " انستاليشان" القائم على استكشاف علاقة الاشياء بشرط المكان و الزمان و حضور الجمهور)
Installation
كما أستبعد أنواع التصاوير المشهدية المتحركة سواء تصنفت في باب الصور السينمائية كالفيديو أو كأنواع " الحدث الدرامي "(هابينننغ)
Happening
وبعض أنواع الـ " عرض" ( بيرفورمانص) الذي يستثمر قيمة الحضور المشهدي لشخص الفنان أمام الجمهور سواء تم الامر بـاستخدام أو بدون استخدام للأدوات و الخامات التشكيلية.أقول " بعض أنواع الـ " عرض".."لأني ضالع في بعض وجوه الممارسة" العرضية" فيما سميته ب" الطقس التشكيلي"
Graphic Ceremony
بعد هذه الاستبعادات يلزمني تحديد اضافي في خصوص نوع الصورة التي أنا بصددها، كونى أباشر صناعة التصاوير على أنواع جمالية متعددة و على محاور تقنية مادية متزايدة بقدر ما تطال يدي من جديد الادوات و الخامات .باختصار سيقتصر حديثي على ثلاثة طرائق في صناعة تصاويري . و هي طرائق ذات علاقة بثلاثة أنواع تشكيلية قديمة في معالجة صناعة الصورة ذات البعدين و هي التلوين و الحفر و الخط.
و في نوع التلوين استبعد المائيات حتى اشعار آخر، فالماء بحر.. و عن البحر فحدّث بحذر و تحسّب كثيرا قبل أن تنطق، ورب رجل" غرق في شبر موية" كما تعبر حكمة أولياء النظر، فصبركم.
أبدأ حديتي في التلوين من حيث توقفت في البوست السابق.
كنت أقول أن العمل على مسند القماشة المطبوعة فتح أمامي أكثر من درب لاستكشاف فضاءات غير مطروقة في تقليد التصاوير الذي تعلمناه في المدرسة.و قلت أن ابتدار العمل على المسند المشغول بتصاوير سابقة انما حصل عندي ضمن ظروف مادية ما كنت قادرا فيها على الحصول على مساند التلوين المدرسية التقليدية. و لكن أظن ان ما جسّرني منهجيا على تقحم اشكالية المسند كمدخل للصورة هو خبرة قديمة تعود لمنتصف الستينات، حصلتها و أنا يافع من التأمل في بعض رسومات أستاذنا الفنان الكبير ، تاج السر أحمد ، المعروف بـ " تي اس أحمد"، مما كان ينشر في مجلة " الخرطوم".فقد أنجز تاج السر في تلك الرسومات بالابيض و الاسود سلسلة من التصاوير التي تمثل شخصيات من الحياة اليومية بأسلوب فيه شبهة الكاريكاتير الا أنه يذهب أبعد من حدود الكاريكاتير في الاعتناء بتركيب الصورة بطريقة مبتكرة تكشف عن حرية كبيرة في استثمار معطيات المسند. فقد قام تاج السر بعمل رسوماته على ورق تقويم تقليدي من نوع التقاويم التي كانت رائجة في ذلك الزمان ، و المكونة من وريقات مطبوع على كل منها رقم يدل على التاريخ ببنط أسود غليظ و تحته اليوم و بضعة تفاصيل أخرى ببنط صغير. و قد رسم تاج السر شخوصه بالحبر مباشرة على ورق التقويم المطبوع بحيث يندمج موتيف الكتابة المطبوعة، بما يحتوي عليه من توازن الابيض و الاسود، في البنية التشريحية للشخص المرسوم. كم هزّتني تلك الرسومات في ذلك الزمان وتملكني سحرها الغريب المشاتر الذي كان جديدا على خبراتي التشكيلية المتحصلة من دروس رسامي" دار روز اليوسف" الأماجد: مامون و جمال كامل و رجائي ونيس و اللباد وايهاب نافع، أساتذتي و زادي الجمالي في تلك المدينة المنسية على تخوم الصحراء و المزعومة عروسا للرمال، و أنا في عز يفاعتي أباشر الرسم كفاحا في عزلة كبيرة و صمت مجيد.و أظنني وعيت درس تاج السر و تملكته و حفظته كما التميمة، أو قل: كما الغنيمة في تلافيف ذاكرتي البصرية، حتى جاء يوم استعنت به على اقتحام " طبوغرافيا " المسند في فضاءات التصوير المتنوعة.و بالذات في أعمال التلوين التي أنجزتها على ورق الحائط و في تجربتي الحالية الممتدة منذ نهاية الثمانينات في العمل باحبار طباعة المنسوجات على الاقمشة القطنية المطبوعة. و في البداية كنت أكتفي بوضع تصاويري كطبقة اضافية فوق التصاوير التي تؤثث فضاء مسطح المسند، قبل أن يجرني الفضول للاهتمام بتصاوير المسند في حد ذاتها. فأغلب الموتيفات التي تزين المنسوجات تطرح نفسها كخطاب تشكيلي بصري مكتمل و مستبد بذاته.كنسيج( في معنى عبارة " ترام" الفرنسية أو " ويف" الانجليزية)
Trame/ weave
أو كـ " لُحمة"متلاحمة بلا بداية و لا نهاية. و لذلك علاقة بتقنية طباعة المنسوجات التي يراعي المصمم فيها مقتضيات آلة الطباعة، مثلما له علاقة بطبيعة القماش المطبوع نفسه كمنتج مواصفاته التقنية و الجمالية موحّدة على شروط السوق. أقول قادني فضولي لتفحص نوعية تصاوير المسند.و ارض مصممي النسيج عامرة بأنواع متباينة من المصممين و فيهم نفر من فطاحلة المصممين الذين لا يعرف الجمهور اسماءهم رغم أن قيمة عملهم تزكيهم لدى الجمهور في عفوية شيقة و طريفة.و تعودت أن أتحرى المداخل و الثغرات الممّوهة في نسيج التصميم كلما تهيأت لاستخدام مسند مطبوع جديد.و كنت أجد طريقي للدخول بسهولة في الغالب فاحتل المكان و استحوذ عليه و اعيد تأثيثه بمتاعي التشكيلي وفق منهج تصحيحي غايته استصلاح المسند كما يستصلح الفلاح الارض المهملة و يؤهلها لقابلية عطاء أكثر ثمرا.و منهجي في مقاربة المساند المشغولة ينطوي على نوع من اللعب غايته الاستحواذ على كل مسند لم يبذل صاحبه جهدا في تأثيثه بمتاع جمالي يضمن حمايته من تغول" المصححين" من شاكلتي. و بعد الاستحواذ على " الارض" ينطرح هم تعميرها بمتاع جديد و تحويرها حتى لتشتبه على صاحبها الاول فينكرها ان رآها. بيد أن مكائدي في الاستحواذ على المساند المشغولة لا تنجح في كل مرة، لحسن الحظ ، لأن التصميم المتماسك يملك أن يستغلق و يصمد كما الحصن المنيع فلا يقتحمه مقتحم. و كم من مرة استعصى علي الدخول في تلك الحصون التشكيلية الحصينة فهجرتها الى غيرها و أنا أمني النفس بالعودة لاحقا بمكائد تشكيلية أشد نجزا . و هكذا يملك هذا النوع من اللعب التشكيلي أن ينمسخ حربا بيني و بين الفنان المجهول الذي يبذل تصميمه و يحصنه و يمضي.و في ما وراء بُعد الحرب ينطوي الامرعلى حوار تشكيلي بين مشروعيين جماليين مختلفين. و هو حوار غايته في خاطر الفنان الـ " غازي" استكمال بناء بناه فنان آخر، أو هو مشروع جديد لبعث الحياة في أوصال الأثار التي تيبست بفعل الزمن و التعود و فساد التذكر.
أتوقف هنا و أعد بالعودة لأدب الصورة في فرصة قريبة.