الاثنين، 1 كانون الثاني، 2007

أدب الصورة و أدب المسند






الصورة الفتوغرافية تمثل إستعادة الجثمان المحنط لـفتاة البوشمان سارتجي بارتمان المسماة بـ " فينوس الهوتنتوت من متحف الإنسان بباريس لبتشوانا حيث تم دفنها و في الصورة يبدو الجسد المحنط في صندوق بين وزير الثقافة

الفرنسي و موظفة من وزارة الخارجية الجنوب أفريقية



.

الصورة الثانية
أعود لما سميته جانب الصناعة التشكيلية في صورة
War/Worship objects " أدوات العبادة " أو " أشياء السفينة الحربية" أو ال
المهم يازول،فلنسمها" العارية الأوروبية الكبيرة" من باب " كان غلبك سدّها وسّع قدّها". هذه الصورة مثل أختها منفذة بأحبار طباعة المنسوجات على " مسند" قماشة قطنية مطبوعة و مخاطة لتشكل سطحا على هيئة حرف "تي". و مسند القماش المطبوع هو أحد وجوه المبحث التشكيلي الذي أنشغل به منذ أكثر من عقد من الزمان.و هو مبحث يتقصّى الصورة كتمثيل ذهني محسوس مثلما يتقصّاها كحضور مادي ملموس.وقد ساعدني مسند القماشة المطبوعة على تجاوز خرافة " البداية من الصفر" أو" الفراغ" أو "القماشة العذراء" أو" الصفحة البيضاء الجديدة" التي استقرت كقناعة دينية في خواطر الفنانين و الادباء و بعض المفكرين السياسيين الثوريين من دعاة القطيعة الناجزة مع التقليد و بناء الحاضر على الـ " تابولا رازا"
Tabula Rasa
و هي لوح الشمع البكر الذي لم يُكتب عليه بعد،و العبارة مجاز تصوره أرسطو لايضاح حال الصفاء و العذرية التامة لروح الطفل الوليد،و قد استفاد رواد الرومانتيكية الادبية و الثوريين الطليعيين من مفهوم اللوحة البكر و احتالوا به في تسويغ الخروج من قبضة حراس التقليد وسدنة الاكاديميات من كل لون.
أقول استفدت من العمل على المسند القماشي، الذي يحضر بتاريخه الخاص، استفدت منه في قبول مبدأ استحالة ابتدار الرسم من فراغ أو من قطيعة كاملة مع الماضي. فأنت تبدأ من حال المسند المبذول أمامك. و عذرية "القماشة العذراء" أو بياض "الورقة البيضاء" لا يعنيان فراغ المسند و انما يلزمان الرسام بالبناء على واقع العذرية أو البياض الذي يميز طبيعة المسند عن غيره من المساند. و هناك نفر بين الرسامين لا يطيق العمل على الوحة البيضاء مثلما بينهم من لا يطيق الرسم على لوحة تحمل أثرا مهما ضؤل.و بالنسبة لي كانت تجاربي الاولى على ورق الحائط المطبوع تتم من ضرورة الاقتصاد في النفقات، كون ورق الحائط زهيد الثمن مثلما أن مقاومته للتدابير التشكيلية عالية نوعا.و في البداية كنت أحتال على حضور الموتيفات المطبوعة و ألتف عليها لتقديم موتيفاتي و تأثيث المساحة ضمن منطق المفاوضة التشكيلية بين واقع المسند و مقتضيات مشروعي التشكيلي. ثم جاء وقت تعلمت فيه بالمراس أن أنظر في حال المسند، و أن أقرر بسرعة ما اذا كان حضور الموتيفات الاصلية يشكّل عقبة أم دعوة للدخول في مجال المسند. و بعدها انتقلت من العمل على ورق الحائط للعمل على الأقمشة المطبوعة.كان ذلك في نهاية الثمانينات.و في أول أمري كنت أختلس بعض ملاءات و مفارش الدار قبل أن أتوكل و أتسوق في سوق الشمس الذي يبيع فيه المغاربة أنواع القماش من كل لون عجيب.و قد خبرت أحوالا كان المسند بموتيفاته الاصلية يدلني على الصورة المتكنّزة فيه و يلح عليّ الحاحا لتحريرها ،فلا يبقى أمامي سوى تنفيذ الصورة بمجرد رفع بعض عناصر المسند الشكلية الزائدة ، و ذلك على نحو " مايكل أنجلو بوناروتي" الذي قال مرة: أنه حين يرى كتلة الرخام الخام أمامه فهو يبصر فيها منحوتته كامنة في الحجر فيأخذ ازميله و يخلّص تمثاله من زوائد الرخام التي تلبّك أعضاءه. و هذا كله وجه من وجوه أدب المشاهدة الرشيدة. و المشاهدة الرشيدة انما تتم في مقام البصيرة قبل أن تتذرع بمقام البصر.و شرح ذلك أن الصورة انما تتخلق ضمن ضرورات الخاطر كهاجس ذاتي قبل أن تبحث عن مسند موضوعي تتجلى عليه حتى تتقاسمها الابصار.و عاقبة هذا الوضع أن الناس لا يطيقون من صور الوجود الا الطرف الذي يوافق صورة الخاطر.بيد أن صورة الخواطر انما تتأسس على نوعية المنفعة المادية و الروحية التي تعود على المشاهد من حيث ينظر لنفسه و للآخرين.و اختلاف الخواطر و تعارضها هو نتيجة منطقية لاختلاف المصالح و تناقضها، فالمشاهدة لا تنجو من عواقب تناقض المصالح بين الفئات المتناحرة ضمن المجتمع الطبقي.و الحرب الاعلامية الرمزية التي أعلنها علينا سادة المجتمع الرأسمالي المتعولم ليست حربا بين الغرب و الشرق ، بل هي حرب بين منهجين متعارضين في أدب المشاهدة المتحقق داخل المجتمع الغربي،فالناظر من فوق لتحت لا يحصل على نفس الصورة التي يحصل عليها الناظر من تحت لفوق.


أقول :بدأت العمل على القماشة بعد تغطية جزء من الوحدات الزخرفية المطبوعة على القماشة الاصلية بالشمع السائل لتغطيتها و عزلها على أسلوب تقنية ال" باتيك" التقليدي.بعدها قمت برسم صورة " سارة بارتمان" على أثر صورة فتوغرافية قديمة هي الصورة الوحيدة المعروفة لها، و أعتقد أنها صورة تم أخذها للجثة بعد تحنيطها في متحف الانسان، و هو اعتقاد لا تسنده أدلة حاليا، لكن المهم في الأمر هو أن فرادة الصورة ساعدت على تثبيتها في الذاكرة الايقونية على هيئة لا تتغير.بعد رسم صورة " بارتمان " قمت باضافة صورة الحرس المرافق،و اضفت لشخوص الحرس أجنحة و جعلتهم يمسكون بأسلحة بدائية لدعم الانطباع بصورة " الملاك الحارس" الذي افتقدته " بارتمان" في سياحاتها الأوروبية التعيسة.
وقد قمت بتنفيذ الرسم و التلوين أولا بأحبار ملونة عادية و بعد جفاف طبقة الأحبار الاولى، قمت باعادة العمل عليها و تغطيتها بأحبار فضية و ذهبية و نحاسية و بعض أنواع الأزرق ذات الانعكاس المعدني.و للألوان المعدنية خاصية مهمة كونها ذات كثافة شفافة تسمح لما تحتها من لون بشيء من الحضور حسب نوع الاضاءة. و للأسف الشديد فان التأثير البصري الذي تحدثه الالوان ذات الطابع المعدني يفلت من قدرة اكاميرا التصوير العادية التي تبتسر الثراء اللوني و تنفي حضور انعكاسات الذهبي و النحاسي و تمسخ الفضي لأبيض بلا عمق ، و عليه فالصورة المنشورة هنا لا تعطي فكرة دقيقة عن أصلها.و هذا الامر ، أمر خيانة الصورة لأصلها، يشكل محورا مهما من محاور اشكالية الاستنساخ في تاريخ الفن و لمولانا " والتر بنيامين" اضافات بلغت الغاية في هذا المقام سأعود اليها لاحقا. و اشكالية الاستنساخ فولة أخرى لا بد أننا سنجد لها كيّالها في غير هذا المقام فصبرا.لا أطيل عليكم و أخلص الى أن ميزة هذه التقنية( تقنية الاحبار ذات الانعكاسات المعدنية) في تنفيذ الصورة تمكنني من الحصول على صورة ، في صيغة الجمع، تحيا و تتبدل كلما تبدلت زاوية سقوط الضوء على سطوحها أو كلما تبدلت زاوية المشاهدة.
أكتفي بهذا هنا و سأواصل غدا بقية الكلام في صناعة الصورة.