الاثنين، 1 كانون الثاني 2007

من أين أتيت بهذه التصاوير؟



تصــاوير أحـاجي الــنوبا

" من أين أتيت بهذه التصاوير؟"
سألني صديق فرنسي كان قد تعوّد على تصاوير" خطوطية" سابقة لي، مبنية على طراز الخط العربي،حتى أنه صنّفني خطاطا.و السؤال يكشف عن حيرة الصديق الذي فاجأته تصاوير المحفورات ذات المرجع الايقوني" الافريقاني" حين شاهدها في كتب أحاجي النوبا.و بدا لي سؤاله مشروعا على أكثر من وجه: و أول وجوه المشروعية هو وجه اشكالية" الاسلوب" في الخطاب التشكيلي بوصفه "علامة مميّزة" للفنان، و قل كتوقيع أو كـ " ماركة مسجلة " غايتها الاعلان عن هوية الفنان من خلال خيار متعمد لطراز ايقوني بعينه. و هي اشكالية تجاوزها الزمن ـ زمن علم العلامات ـ سالني الصديق عيسى الحلو مرة ضمن مقابلة لملحق " الايام" في نهاية السبعينات:
" ما اسلوبك في الرسم؟"
و أظن أنني اجبت عليه بشيئ فحواه: أسلوبي هو أن لا يكون لي أسلوب يحد من حريتي في طلب التصاوير" و لو في الصين"، و في الصين ما لا عين رأت بعد من ألوان التصاوير و أشكالها.أقول قولي هذا و أقفل الأقواس مؤقتا في مسألة الاسلوب و أعد بالرجوع.
أما الوجه الثاني في مشروعية السؤال حول مصدر التصاوير فله علاقة باشكالية الصورة الايقونية كقرينة على الهوية الجمعية عرقية كانت أو ثقافية أوجغرافية .
فتصاوير الخط العربي تحيل الفنان ـ في خاطر المشاهد متوسط الحال ـ تحيله الى فضاء الهويولوجيا الشرقانية العربسلامية المريب.كما أن التصاوير التي تستلهم ايقونات القناع الافريقي و النحت التقليدي الغرب أفريقي تحيل صاحبها الى أفريقيا المعرقنة و ان صنعتها يد خواجة من السويد أو يد آسيوي من اليابان.طبعا المشكلة مع هذا النوع من الاحالات الهويولوجية الشعبية التي يحسنها الأوروبيون، هي أنها غالبا ذات اتجاه واحد ، على صورة العولمة التي يتوعدنا بها الاوروبيون و الشمال امريكيون اليوم، فالافريقي أو الآسيوي الذي ينتج أعمالا أيقونية على أسلوب فناني عصر النهضة الايطالية مثلا ، لا يحال الى فضاء الهوية الاوروبية و عمله يرفض و قد يقام عليه حد القتل و لا يدفن في مقابر الأوروبيين.لماذا ؟ لأنه ببساطة شخص" مشاتر" يفسد على القوم جملة التصانيف الجمالية التي أسسوها عبر القرون على مراجع دينية و عرقية ترى البشر مقامات بين قدر الحضارة و قدر البربرية.و هي تصانيف ذات دور مهم في الحرب العرقية التي أعلنتها " قوى الخير "(النصرانية؟) المتمدّنة على " قوى الشر" (الاسلامية؟) البربرية ألخ.كل هذا الواقع يجرد السؤال البسيط حول المصادر الايقونية للفنان، يجرده من براءته التقنية و يشحنه بتحسبات و محاذير مشروعة يختلط فيها الخيال بالحقيقة.و هي تحسبات و محاذير بالغة التركيب فرزها يحتاج منا لأكثر من هذه السطور التي تطمح لمعالجة الشروط التشكيلية التي تتخلّق ضمنها تصاوير الرسام.
و ثمة وجه ثالث في مشروعية السؤال حول مصدر التصاوير، هو الوجه البريء الذي يبذله صديق يلتقي معي في جملة التحسبات و المحاذير التاريخية التي قدمتها أعلاه. هذا الوجه " البريء" و المتواضع في خصوص الملابسات التي تم ضمنها عمل تصاوير أحاجي النوبا هو ما أحاول مقاربته في السطور القليلة القادمة.

فتصاوير أحاجي النوبا في منظور تجربتي التشكيلية هي نوع من حل وسط أفاوض عليه بين مقتضيات الحفر على اللينو وتقنيات الكولاج و تقنيات التلوين.و هي في تحليل نهائي ما محاولة لتعريف أرض بحث تشكيلي عند تقاطعات الحفر و الكولاج و التلوين.و هذه الارض التي وجدت نفسي وسطها بالصدفة ضمن مسعى مباصرة ضيق الحال المادي من نقص أدوات الحفّار و ضيق المجال .
لقد بدأت العمل بنقل التصاوير الاولية من الورق على لوحات" اللينو" الرخيص( الذي يستخدم عادة لتغطية ارضيات المباني ) ثم قمت بحفر لوحات اللينو لطباعتها على الورق العادي على سبيل ملاحظة التحولات التي تطرا على الصورة. و الصورة المحفورة سلسلة من الانمساخات التشكيلية المتوالية كونها تبدل من ملمس الورق بملمس المطبوعة بسبب التحبيرو الطبع باسلوب ضغط اللوحة المحفورة على سطح الورقة، فضلا عن كون الايقونة الأولى تفقد اتجاهها الابتدائي لتكسب اتجاها جديدا معكوسا جراء القلب الناتج من عملية الطبع.و غني عن القول أن متابعة التحولات التي تطرأ على الصورة خلال المعالجات التشكيلية تشكل لحظة متعة فريدة في خاطر الحفّار كونه ـ من وجهة نظر ابداعية ـ يملك حظوة مراقبة الصورة و هي في طور التخلّق " بين الماء و الطين "، و كونه ـ من وجهة نظر تقنية ـ يملك حظوة مراقبة الادوات و الخامات حين تكشف عن برامجها السرية المموهة في مألوف الصنعة التقليدية المتوارثة عبر القرون و عن نزواتها و عن مراميهاالقريبة و البعيدة التي تلقي بظلالها على التجربة الابداعية بكليتها.و في ظني أن حضور هذه اللحظات من عمر تجربة الحفر هو ما يحفزني على تقحّم أرض الحفر،( و ما أنا بحفّار و ما انبغى لي أمر الحفر الاّ اختلاسا..). و قد أقول: هذه اللحظات هي كل ما ينوبني من الممارسة التشكيلية ، و ذلك بصرف النظر عن الحاصل المادي النهائي الماثل في شكل صورة مبذولة للمشاهدين.
حين توفرت على عمل هذه المحفورات ، في البداية، تم ذلك تحت شروط تقنية بالغة الفقر، اذ لم يكن في حوزتي حبر الحفارين التقليدي فاستبدلته بألوان الاكريليك، وأحيانا بألوان الغواش حتى،على زعم أن هذا النهج في التحبير ليس سوى تدبير مؤقت،معه أمني النفس بتحبير محفوراتي بشكل أفضل في المستقبل.و" الشكل الافضل " المؤجل للمستقبل، هو شكل الحفارين التقليديين بتدريبهم التقليدي و بأدواتهم و خاماتهم التقليدية و باسرار مهنتهم التقليدية.و قد ساغ لي الخروج على تقليد الحفارين باسم ضيق ذات اليد أولا على زعم حقيقي بكوني مجرد دخيل سائح و متطفل على أرض الحفارين، ثم طاب لي الامر، ثانيا، بتحريض من مولانا بابلو بيكاسو الذي قال مرة يخاطب بعض الفنانين:" ان لم يعد في حوزتك شيء من الاحمر فاستخدم الازرق و لا عليك".و ضمن ظروف فقر الادوات استعضت عن أسطوانة التحبير التقليدية(الرولر) بالفرشاة فنبهتني تلك المصادفة السعيدة لـ "دريب قش" جديد في تقنية التحبير كون تحبير الفرشاة يكسب سطح اللوحة ملمسا بصريا و حجميا من طبيعة شعيرات الفرشاة و حسب كثافة محلول الاكريليك، فضلا عن كون التحبير بالفرشاة يغوي الملون من طينتي بالانزلاق في أرض التلوين و معاملة اللوحة المنحوتة كما لوكانت صورة في ذاتها لذاتها.و التحبير عموما لحظة غنية بآيات البلاغة البصرية فالحفّار يكتشف هيئة الصورة المحفورة ـ أثناء لحظة التحبير ـ و قبيل انمساخها على الورقة.و بعد التحبير تبقى عملية الطبع. والطبع عند الحفارين التقليديين يتم بمساعدة آلة استنساخ طابعة (بريس) تضغط الورقة على المحفورة المحبرة بشكل منتظم حتى يتم طبع المحفورة بكل تفاصيلها في كل مرة، بطريقة تكون كل النسخ الصادرة فيها عنها متطابقة مع غيرها.و لما كانت أقرب ألة طابعة متاحة لي في ذلك الوقت تقبع في أتيلييه على بعد 25 كيلومتر من حيث أسكن، فقد قنعت بطبع محفوراتي على الورق بمجرد ضغطها بيدي العارية على الطاولة التي أعمل عليها في أتيليه الدار.و بما أن ضغط الورقة على اللوحة المحفورة باليد يؤثر على توزيع الحبر و كثافته حسب نوعية الضغط ، فان النتيجة على صعيد الصورة المطبوعة تطرح موتيف بصري يختلف من نسخة لأخرى. و حقيقة روّعنى الامر في البداية كون مجمل نسخي بدت مشاترة و مفارقة لبعضها البعض. لكني، في مكان ما من طيات الخاطر التشكيلي، كنت متيقنا من أن روعي التقني ليس سوى روع سطحي مستعار من هيئة الحفار التقليدي ،التي لابد أنني انتهزتها انتهازا في لا وعيي الحرفي الذي لا يقاوم سحر المنطق الحرفي في صناعات المصورين. أقول : و هكذا تضافرت عوامل التحبير بالفرشاة المشبعة بالاكريليك مع الطبع اليدوي على اكساب الحاصل الايقوني تنويعات لونية أدخل في منطق التلوين منها في منطق الحفر.و قد فرحت في النهاية بهذه التنويعات اللونية كونها نأت بمطبوعاتي عن الفقر اللوني الذي طالما لمسته في مطبوعات اللينو التقليدية.
و بعد .. و قبل ، كل هذا الشرح لا يستقيم مالم نتأنى عند مقام الورق.و عن الورق فحدّث و لا حرج. قال مولانا" ماوتسي تونغ" عليه السلام : "كل الامبرياليين نمور من ورق". فتأمل ماذا فعل الامبرياليون بالصين اليوم؟
كنت ، و أنا طالب بالابيض الثانوية ، قد تعلمت الكثير من تقنيات الرسم بالمائيات على يد أستاذنا الجليل عبد الله حسن بشير " جُلّي".و جلّي من أساطين الرسم بالمائيات سواء نظرنا لعمله في مشهد التشكيل في السودان أو خارج السودان. و جلّي رجل قليل الكلام الا أن له قدرة فائقة على توصيل مقصده بالاشارة الذكية على أسلوب "البيان بالعمل"، اذ يكفيك أن ترقبه و هو يعمل.و قد تعلمت من جُلّي أولوية حضور الماء على غيره من عناصر الصورة المادية، بما فيها الالوان و الخطوط، كما تعلّمت منه تنظيم علاقات الضوء و الظل بتراكم طبقات اللون الشفّافة لأقصى ما تطيقه قدرة الورقة على الامتصاص.في تلك الفترة كنا ، ضمن جمعية الفنون في المدرسة(محمود عمر و حسين كناني و آخرين ) ، كنا قد تعودنا أن نحمل أوراقنا و أدواتنا و نخرج لنرسم نواحي المدينة بصحبة جُلّي .و مرة وزّع جُلّي علينا وريقات جديدة أقوى و أثقل من ورق ال" كارتريدج" الخفيف و الرخيص الذي كنا قد تعودنا عليه ،و قال لنا أنه ورق " وطمان" مصنوع خصيصا في انجلترا لتقنية المائيات، كون طاقته على استيعاب طبقات اللون المائي أعلى بكثير من طاقة الورق العادي الذي ، عادة ، لا يحتمل أكثر من طبقتين لونيتين.و قد كان العمل على " ورق المائيات" فتحا تقنيا و جماليا كبيرا في تجربتي المائية.لكن ورق الخواجة" وطمان" الثمين النادر سرعان ماطرح علينا مشكلة جديدة.أذكر أنني كنت أقول لنفسي: لا ينبغي أن أبذّر وريقاتي الثلاث الباقية في رسم موضوع عادي و انما علي انتظار الموضوع المناسب و الضوء المناسب. و هكذا كنت أخرج للرسم على ورق ال"كارتريدج" الرخيض و وريقات الخواجة "وطمان" راقدة في حرزها الامين حتى حال عليها الحول، و أنا لا أجروء على لمسها.و أظنني حملتها في متاعي حين وصلت كلية الفنون و تمكنت من استخدامها في واحدة من رحلات الكلية بعد سنوات، بعد أن صار العمل على ورق المائيات أمرا "عاديا"( على الاقل بالنسبة لطلاب قسم التلوين).
في كلية الفنون تعلمت من أصدقاء أعزاء من ذوي المكيدة التقنية العالية ، كخلف الله عبود و فاروق خضر، أن ورقة الوطمان لها سبعة أرواح: يعني تغسلها بالصابون و تبيضها و تكويها و ترسم عليها من جديد.. و دي الخواجة وطمان زاتو ما فكّر فيها.
نهايتو..حديث الورق ذو شجون و لا بد انني عائد الية في براح لاحق.و ما قصدت من هذه التعريجة" المائية" سوى التنبيه على البعد النفسي غير المنظور في علاقتي مع الورق.
و مباشرة الطبع على الورق لا تستقيم بغير محاولات تجريب أولى غايتها رؤية النتيجة على أبعاد الخامات و المساند.و هكذا بدأت طبع المحفورة الاولى بتجريب عشوائي على مساند ورقية تتنوع بين الورق الابيض الرخيص و ورق الصحف و المجلات و بعض الملصقات القديمة الملونة و ورق الحائط و حتى بعض أنواع القماش المطبوع.و الطبيعة العشوائية للمسند كانت تجود علي بنتائج و لقيات شيقة على المستوى البصري. و مرة قمت بطباعة المحفورة على قطعة من ورق ال" كرافت" البني الرخيص الذي يستخدم للف السلع في الاسواق. و قد لفتت انتباهي العلاقة الجديدة للأسود مع لون الورقة البني المترب.و لما لم يكن مستطيل الورقة منتظم القطع خرج جزء من الصورة و طفح عن مستطيل الورقة.و لتلافي النقص في الصورة أخذت ورقة" كرافت" أخرى و طبعت عليها الجزء الناقص من الصورة الاولى قبل أن أشرع في لصق الورقتين للحصول على الصورة الكاملة .و ما ان اكملت اللصق حتى تبين لي أن ورقتي الكرافت تختلفان في الملمس و في نوعية البني المترب على كل. و رغم أن صورتي المنحوتة كانت كاملة الا ان الخلفية البنّيّة في موضع اللصق كانت تطرح مستويين من العمق البصري المبذول تحت أثر الحبر.فالورقة الأغمق لونا كانت تطرح عمقا أبعد من نظيرتها ذات اللون الفاتح.لحظتها بدا لي الفارق بين العمقين كمثل ثغرة نحو ابتدار تنويع تشكيلي جديد على صعيد سطح المسند الورقي.و تحولات المسند الورقي على محوري اللون و الملمس الهمتني استعارة تقنية " القطع و الاتصال"
Continu/discontinu
من فضاء الخلق الموسيقي و الانتفاع بها في اثراء التدبير التشكيلي للأثر المطبوع.و رغم أن النظرة الأولى تميل لاحالة العمل لتقليد " الكولاج"( القص و اللصق) المعروف منذ مطلع القرن العشرين( عند الدادائيين و التكعيبيين) الا أن منهج القص و اللصق عندي يفارق منهج أهل تقنية الكولاج بكون اللصق عندي يصون اتصال الصورة الايقونية( الموتيف) بينما هو في الوقت نفسه" يقطع" اتصال المسند الورقي الذي تتأسس عليه الصورة.و قد بدا لي أن حالة التناقض بين اتصال الصورة و انقطاع المسند يمكن أن تستفز عين المشاهد/ القارء و تحفزه على النظر المتأني او حتى على النظر المستدرك و هو يقلب صفحات الكتاب.
قلت فيما سلف أنني لست متخصصا في فن الحفر و زدت على ذلك باعترافي بممارسة الحفر استراقا، و أنا في واقع الامر أحسب نفسي بين نفر من الحفارين العصاميين الذين لا ينوبهم من ميراث الحفر سوى الطرف الذي صبروا على تعلمه بالمباصرة العفوية لأسباب ذاتية لا يعلمها الا الله. بيد أن وضعية الحفار البصير تمنحني امتياز الدخول على الممارسة بقدر كبير من الحرية لا يعرفها أغلب الحفارون التقليديون الذين يرزحون بالضرورة تحت أغلال ميراث الحفر التقليدي و الذي اغبطهم عليه على كل حال.
أقول قولتي هذي و أنا أعرف انني لست بصدد تثوير فن الحفر بأية حال. و كل ما في الامر أنني وجدت في فضاء الحفر" دريب قش" مميز يقودني نحو منطقة بكر في أرض البحث التشكيلي فسلكته و كسبت من جراء ذلك تصاويرا جديدة ما كنت لأجدها في أي أرض أخرى.
حسن موسى
يوليو 2001