الاثنين، 1 كانون الثاني 2007

السير عبد الرحمن المهدي ,حداثة الغبش

السير عبدالرحمن 3


حلم الولاية

عبد الرحمن المهدي ، بوضعيته العجيبة ، بين نارين : نار التقليد المهدوي و نار الحداثة الاستعمارية، لم يكن مجرد زعيم عادي لطائفة دينية مثل بقية زعماء الطوائف الآخرين، بل هو نموذج حي لتخلّق واقع الحداثة في السودان.و الشذرات التي يمكن تجميعها من
" بزل" تاريخه الشخصي، مما يتكشّف في مذكراته ، تؤشّر للتطور الذي اتبعته شخصيته حتى يتسنى له الاضطلاع بأعباء دوره التاريخي.فالطفل الذي جاء للوجود بعد ثلاثة أسابيع من رحيل والده الامام المهدي ، كان قدره أن يتلقى تلك النظرات المفعمات بالحنان و بالحنين لروح الامام الأب الراحل، و ذلك قدر كان لا بد له من أن يكرس الطفل الوليد كحامل صورة " العوض" ، ضمن منطق الأخذ و العطاء الذي ينتظم عليه وجود العباد في خاطر المسلمين.و قد جاء في الأثر أن لله ما أعطى و لله ما أخذ.
هذه الوضعية النفسية الفريدة للطفل الذي شهد اضمحلال و سقوط المهدية، لا بد أن تكون قد ساهمت في في تهيئة الصبي اليافع لاستبطان فكرة تولي مسؤولية الرعاية على أثر الأب، سيّما و أن الرجل الذي خلف الأب الامام على مسؤولية الرعاية كان شخصا من خارج صلة الدم.كما أنه ـ أي الخليفة عبدالله ـ لم يكن يخفي معارضته لفكرة وراثة الرعاية أصلا، وهي معارضة يبررها الخليفة على زعم منطقي فحواه أن المهدي صاحب دعوة و ليس صاحب ملك، أو كما عبّر السيد عبد الرحمن نفسه في مذكراته ، و بطريقة لا تخلو من شبهة الغبن الخفي المسقط في استنكار من وصفهم بـ " المشفقين و العاطفين" على ما كان يعانيه أبناء المهدي من جوع و حرمان ضمن ضيق المهدية :
" أذكر أنني كنت و أخوتي لا نتبرم و لا نشكو حين ينقطع عنا الطعام و نظل يوما أو بعض يوم لا نجد أكلا، فقد طبعنا على الصبر و كبح جماح الرغبات. و أذكر أننا كنا نسمع بعض الهمس من المشفقين و العاطفين، و نسمع من يستنكر ما نعانيه نحن أبناء المهدي من جوع و حرمان، و لكنا ما كنا نعبأ بذلك الهمس. و كان الخليفة يعلم ما نحن عليه من جوع و حرمان، و كان من جانبه يعتبر هذا الوضع يبعد عن أذهاننا أن المهدي ملك و سلطان، و انما هو صاحب دعوة تطهير للأنفس و تقرّب للواحد الديّان "(ص 28).
و لعل أفضل تعبير عن طموح الولاية في خاطر الصبي الحالم باستعادة مجد الأب الراحل، حتى من الخليفة نفسه ، يتمثل في حكاية " الرؤيا " التي تموّه في ثناياها نزاعا شكسبيريا على شرعية الولاية بين عبد الرحمن، الصبي اليافع و خليفة المهدي ، في تلك اللحظات الحرجة من عمر المهدية.كتب عبد الرحمن المهدي:
" لقد بدأت الاخبار ترد و يرددها الناس عن قدوم الترك ( الجيش الانجليزي المصري ).
و كان الانصار يفيضون عزيمة و ثقة بأن الدين منصور. و أذكر أنني رأيت ذات يوم من الأيام رؤيا.رأيت أن الترك قد دخلوا جامع المهدي من الناحية الغربية و أن صفوف الانصار منكسرة من الناحية الشرقية من الجامع، و رأيت مولى لنصر الدين أخي يسمى جابرا قد سقطت منه الراية الزرقاء، فقلت له في المنام : { يا جابر أرفع الراية}.لم أحدث أحدا بهذه الرؤيا، لكن خليفة المهدي سألني و قال لي:{ من الذي قال: يا جابر أرفع الراية؟ أنت أم خليفة المهدي؟ }. فقلت له : { أنا }،فكرر السؤال ثلاث مرات ، فأجبته عليه ، فقال لي : { أكتم هذه الرؤيا و لا تخبر أحدا }. و بعد حين سألني الخليفة محمد شريف قائلا : { هل رأيت رؤيا؟} ، قلت : {نعم }فقال : { ماهي ؟} فقصصتها عليه، فقال لي : { أكتمها و لا تخبر بها أحدا}، و استغربت كيف بلغهما ، كلا على حدة ، خبر هذه الرؤيا و ما كنت قد أخبرت بها أحدا" (ص 29).
و ربما كان هم الولاية قد استقر في خاطر الصبي اليافع بعد نجاته من الموت ، عبر مسلسل الموت الذي تخطّف أخونه الذكور التسعة من حوله فبقي وحيدا كأنما الاقدار قد انتخبته دون غيره لحمل تركة المهدية على كاهله الغض. و يروي السيد عبد الرحمن في مذكراته: " لم أذهب لكرري مع الجيش لصغر سني ، و قد أمر الخليفة أن يتخلّف أبناء المهدي الصغار فتخلّفوا، أما أخي محمد فقد كان من أول شهداء كرري " (ص 30).
أما شقيقه الصدّيق فقد قتل مع الخليفة في أم دبيكرات. و في حادثة الشكّابة، التي قامت قوات الحكم الثنائي فيها باعدام الخليفة شريف و أبناء المهدي الأكير سنا: الفاضل و البشرى ،أصيب عبدالرحمن الصبي بطلق ناري في صدره " اصابة خطيرة" كما يقول : "
و كنت أنزف بين الجرحى، أما القتلى بين الانصار فقد دفنوا الا الخليفة محمد شريف و الفاضل و البشرى ، فان أجسادهم قد أثقلت بالحجارة و قذف بها في نهر النيل.. لعل الحكام أرادوا أن لا تكون لهم قبور تزار" (ص 33).
و بعد حادثة الشكابة تشتت شمل عائلة المهدي " و كان من لم يقتل و لم يجرح من صغار أبناء المهدي : عبدالله ، الطاهر، نصر الدين و علي ، فقد اخذوا للأسر في أمدرمان حيث أقاموا حتى أضيف اليهم أسرى أم دبيكرات ، فأخذوهم جميعا الى الأسر برشيد.أما الجرحى فقد اخذوا لسنارو لكنني لم أذهب معهم ـ و لعل الحملة لم ترغب في ضمّي الى الجرحى خوفا من المسئولية الناتجة عن ضرب غلام لم يبلغ الحلم".." أراد الله أن أجرح و أن أترك وحدي مع النساء و العجزة ".." و بعد أن أقمنا سبع سنوات بجزيرة الفيل أعيد أهلنا الذين كانوا في الأسر برشيد الى أم درمان.لقد كانت المعاملة في رشيد قاسية ، و كان البرد و سوء الكساء و الغذاء أسبابا في القضاء على جميع اخواني الأسرى.فقد قتلهم السل واحدا واحدا، و لم ينج الا الطاهر المهدي الذي مات بحلفا متأثرا بالعلة التي أصابته أثناء الأسر برشيد ، و علي المهدي الذي عاش حتى توفاه الله عام 1945 " (ص 34).
و هكذا بعد موت أخوته، أصبحت الولاية في خاطر عبد الرحمن المهدي واقعا لا مناص منه.و بعد حادثة" عبد القادر ود حبوبة" 1908 ، حين رأت السلطات الاستعمارية ابقاء آل المهدي و الخلفاء و الأمراء و أسرهم في أم درمان ، " في منطقة العباسية بجوار المركز لتسهل المراقبة "، كان عبد الرحمن المهدي ، في مطلع العشرينات ، على وعي تام بجسامة مسئولية الولاية التي كتب عليه القيام بأعباءها الثقيلة ، و التي يتناقض ثقلها مع يفاعته فيما يبدو من عبارته :
" لقد كنت في تلك السن المبكرة مسئولا عن تلك الاسرة الكبيرة و لم تكن مهمة اعالتها و الدفاع عنها سهلة .."(ص 35).باختصار ،يبدو أن تطور أقدار عبد الرحمن المهدي كان يهيئه للعب ذلك الدور الفريد الذي كان يقتضي رجلا يقيم ـ بين نارين ـ في منطقة التماس بين الثقافة التقليدية البائدة و الثقافة الحديثة السائدة.رجل تكونت نفسيته منذ الطفولة على طموح الولاية كسيرورة طبيعية لابن المهدي ( الوحيد) ، ثم مكنه تطور الملابسات التاريخية و السياسية في سودان الحكم الثنائي، من الاحتياز على حق الولاية و لكن تحت شروط سلطات الحداثة الاستعمارية. هذا الرجل الذي تمخّضت عنه تناقضات الحداثة و التقليد قاد حياته كفاحا بالغ التعقيد لتقعيد الحداثة الرأسمالية بين قوم يحيون ضمن ثقافة مجتمع قبل رأسمالي. و قد كان عليه أن يقود نضاله الحداثي على أكثر من جبهة :
فمن جهة أولى جاهد عبد الرحمن المهدي على جبهة المهدية نفسها حتى يتحول الانصار من ذهنية" الجهاد" الاستشهادي لذهنية " العمل " الحديث، و من جهة ثانية جاهد عبد الرحمن المهدي على جبهة الحداثة ضد السودانيين الواقعين تحت تأثير الحداثيين المصريين الذين كانوا يلعبون دورا كبيرا في صياغة الرأي العام الوطني بين أهل حواضر السودان.أو كما قال معلقا على المفاوضات الانجليزية المصرية عام 1946 لتعديل مهاهدة عام 1936 :
" كنت دائما شديد الاعتراض على وضع السودان تحت التاج المصري كما ترغب بعض العناصر في السودان " .." و كنت أشفق على قومي و بلادي من التأثير المصري و النفوذ المصري و الاغراء المصري الذي أخذت طلائعه تطل علينا.."(ص 70). و بين التقليديين و المتمصرين كان على عبد الرحمن أن يقاوم تأثير الحداثيين السودانيين الواقعين تحت تأثير البريطانيين حتى يتسنى له تقعيد مؤسسات حداثة رأس المال في صياغة "سودانية" للـ " سودانيين"، فقام برفع شعار الغاء الشيع و الطوائف و الاحزاب ضمن مناورة ذكية فحواها تقعيد شيعته و طائفته و حزبه في مقعد" الأمة" ، مقعد " الوطن الكبير" ، حسب عبارته الرهيبة التي تكشف عن مشروعه الوطني الطموح : تأسيس الوطن الكبير. و قد كان عبد الرحمن المهدي على وعي بهشاشة مؤسسات "الوطن" الذي يفاوض باسمه من أجل تحقيق المصير و الذي كان يعرف أنه سيحكمه بعد الاستقلال. ففي تعليق له عن " الادارة الأهلية " يكشف عبد الرحمن المهدي عن حساسية سوسيولوجية مرهفة بطبيعة مؤسسات المجتمع الوطني الوليد، و ذلك في قوله:
" على الرغم من اعتراض بعض المتعلمين على الحكم العرفي فانه في رأيي أفضل من حكم الموظفين المباشر ، لأن الاخير يفتقر الى أهم دعائم الحكم الرشيد ، ألا و هي الولاء المشترك بين الحاكم و المحكوم ، و لم تكن القبائل آنذاك تعرف الولاء للوطن الكبير..".
هذا التعبير الجديد : " الوطن الكبير "، هو في ترجمة الاقتصاديين و من لف لفهم من المستثمرين هو السوق الكبير الجديد المتكامل بابعاده المالية و القانونية و الثقافية التي تنتظم عليها علاقات العمل الجديدة و رأس المال الوليد.و هو مجال استثمار واعد و منسجم مبذول لكل من يملك وسائل الاستثمار. و من غير هذا " الامام/ السير" ، بما يملك من بأس مادي و روحي، من غيره يقوى على بناء أول دوائر رأس المال " الوطني" الحديث عند تقاطع "عقد الولاء" التقليدي " المشترك بين الحاكم و المحكوم "( البيعة) ، و عقد علاقات الانتاج الحديثة بين العامل الزراعي الذي يبيع قوة عمله و صاحب العمل الذي يملك أن يشترى ( أو لا يشتري) هذه السلعة الجديدة الزهيدة الثمن: عرق فقراء " الوطن الكبير"؟. هذا الرجل المسكون بهم الولاية منذ رؤيته الرسالية التي أربكت خليفة المهدي (" يا جابر ارفع الراية") صان حلم الولاية عبر حياته الحافلة بين أم درمان و الشكّابة و أبا و القاهرة و لندن ، و قعّد المجتمع السوداني على مكيدة الحداثة الرأسمالية في نسختها السودانوية الفريدة في براغماتيتها، حتى أنها ـ حسب مقتضى الحال ، حال السوق ـ تملك أن تؤسس للمصالحة بين الأعداء كما تملك أن تؤسس للعداء بين الأحباب، فسبحان مغير الأحوال من حال التقليد المحلي قبل الرأسمالي لحال الحداثة الغربية المتسربلة بسرابيل التقليد.

حسن موسى