الاثنين، 1 كانون الثاني 2007

السير عبد الرحمن المهدي، حداثة الغبش 2


السير عبد الرحمن ، حداثة الغبش 2

اختراع الفولكلور

و هكذا كتب على السيد عبد الرحمن أن يؤسس لظهور مهدية جديدة " نيو ـ مهدية " فحواها تدجين الوحش المهدوي الجريح ، و اقناعه بالتحول عن الجهاد و الامتثال لمنطق حداثة رأس المال ، فيصبح أنصار المهدي مجرد طائفة دينية مثل غيرها من الطوائف المسالمة التي تؤطّر الوجود الديني للمسلمين تحت رقابة السلطات الاستعمارية.
و حين قال عبد الرحمن المهدي :
" كنت أعتقد أن واجبي يحتم عليّ أن أحافظ على تراث المهدية حتى لا تذهب تلك الصفحة المشرقة من تاريخ بلادنا هباءا " ، حين كتب عبد الرحمن المهدي هذه الكلمة الخطيرة ، فهو قد أكمل بها خروجه الناجز من البنية الآيديولوجية للمهدية المقاتلة، و بقي منها على مسافة نقدية تمكنه من التأمّل في الحقيقة المهدوية من على البعد و تحويلها لمادة تراثية و لتاريخ بائد جدير بالحفظ و بمساعي البر الاحيائي.و هكذا يفتتح السيد عبد الرحمن الفصل الاول من تقليد حفظ و احياء التراث في السودان قبل عقود من ظهور " مصلحة الثقافة" في السودان. ويقول : " كان من رايي أن يجتمع الانصار في جهة واحدة تتيح لهم تدارس شؤون دينهم فتعمر نفوسهم بالدين و تتوحد كلمتهم بالعقيدة حتى لا يخبو ذلك النور اللألاء و حتى لا يندثر تراث المهدية العظيم.". بيد أن الانصار الذين كانوا يبذلون قوة عملهم في مطلع القرن العشرين لتعمير و زراعة الاراضي المسجلة للسيد
عبد الرحمن لم يكونوا على نفس المسافة من الفكرة المهدية بما يمكنهم من التأمّل فيها كــ " فولكلور ".بل كانت الفكرة المهدية بالنسبة لهم واقعا يوميا يباشرونه تحت شروط بيعة جددوها لابن الامام المهدي و خاطرهم حافل برؤى الاستشهاد.
و مع ملابسات نطور العلاقة بين الراعي و الرعية من جهة، و بين الراعي و سلطات الحداثة الاستعمارية ، من جهة أخرى،انمسخت الرابطة بين " الامام " و " الانصار " الى نوع علاقة عمل بين " العمال " و " صاحب العمل". ويقول عبد الرحمن المهدي أن سلطات الحكومة الاستعمارية " منعت استخدام كلمتي {الأنصار و المهاجرين } و هي تسمية أطلقها الامام المهدي على أصحابه تيمنا بأصحاب النبي عليه الصلاة و السلام فاستبدلت أنا الاسمين بـ { الأصحاب و العمال} "( ص 47).
و سرعان ما أدّت علاقة العمل الحديث المفخّخ بالبيعة و احياء التراث بـ " الانصار/العمال" الى الانخراط النهائي في منطق علاقات الانتاج الحديث على مرجعية العمالة الزراعية في مشروع الجزيرة. ترى هل كانت " الألوف التي تركت ديارها و أهلها و مالها " لتلتحق بالسيد عبدالرحمن في الجزيرة أبا لو كان وعده يقتصر على مسخهم لمجرد عمال زراعيين في أراض لايمتلكونها؟. يقول السيد في مذكراته التي تمثل سجلا قيما لتاريخ صراع الطبقات في السودان:" ان علاقة الدائرة مع عمالها دائما تقوم على أسس أبوية محضة، حيث ألتزم أنا بسد حاجات العمال بغض النظر عن انتاجهم، فتعطي الدائرة للعامل المشتغل و العاجز ما يكفيهما من غذاء و كساء و ضروريات أخرى. و رأيت أن أغيّر هذا النظام في السنوات الاخيرة و أن أعطي العامل المشتغل في الحواشة 40 في المئة على أساس مشروع الجزيرة، و هذا النظام الجديد يكلف الدائرة أقل من النظام السابق حسب دفاتر الحسابات.." ( ص 58).
و هكذا يملك انتباه السيد عبد الرحمن لعواقب " النظام الجديد" على صعيد " دفتر الحسابات" أن يُقرأ كوجه من وجوه التغرير الأخلاقي برجال و نساء كانوا يعتبرون أنفسهم " أنصارا"و " مهاجرين " في الوقت الذي كان فيه الامام يعتبرهم " عمالا " زراعيين، و ذلك لكون انصراف" الراعي " عن خيار " قص الرقبة " لم يكن لتأسيس يوتوبيا مهدوية أساسها القسمة العادلة بينه و بين أفراد الرعية،و لكن لبناء " دائرة " من المكاسب الدنيوية الشخصية هو مركزها المادي و ...الروحي.بيد أن ملابسات انمساخ الأنصار لعمال زراعيين و تحوّل الامام لصاحب أرض أعقد من أن تقرأ بهذه البساطة الـ" طبقية". فهذا الراعي الخارج من رحم الهزيمة كان واعيا بطبيعة دوره و عازما على القيام به كما ينبغي، و قد استغل رصيد " الأبوّة " في خاطر " أبناءه" لتقعيد النسخة السودانية لحداثة رأس المال من واقع قوامته الروحية و المادية. و هي حداثة تتميز بكون مبتدأها في علاقات الانتاج الشرقية الأبوية ممثلة في صورة الأب الذي يلتزم " بسد حاجات العمال بغض النظر عن انتاجهم" ، و منتهاها في تناقض علاقات الانتاج الجديدة بين العمل و رأس المال" على أساس مشروع الجزيرة. و تقعيد علاقات الحداثة الرأسمالية وسط جموع الأنصار، الذين كانوا يشكلون رأس رمح أي انتفاضة وطنية تستلهم النموذج الجهادي المهدوي، ما كان له أن يتم بهذا اليسر لو لم تتضامن عليه جهود السيد عبد الرحمن و جهود السلطات الاستعمارية.فمن جهته ، بذل السيد ما وسعه لتأطير جموع الأنصار و تغيير وضعيتهم المادية و الروحية بسبيل تقبّل الحداثة كأمر واقع و تجنّب المواجهة الدموية التي كان يراها خاسرة.و من جهتها ، بذلت السلطات الاستعمارية جهدها في دعم السيد عبد الرحمن لانجاز مهمته التاريخية المتمثلة في الحاق رعيته بالحداثة الرأسمالية، بل و لانجاز مهام سياسية أخرى لصالح البريطانيين ضمن نزاعهم مع مصر ، الشريك الاضعف في الحكم الثنائي.و قد أحصى جعفر بخيت في كتابه " الادارة البريطانية و الحركة القومية في السودان.."(1972) ، بعضا من مساعي الادارة الاستعمارية لدعم السيد عبد الرحمن " على أن يكون رجلا من رجال المال و الاقطاع ، و أحد بناة الاقتصاد الوطني السوداني، و ذلك لكي ينصرف عن قيادة الانصار قيادة مناوئة أو معادية ".." فمنذ عام 1919 كان السيد عبد الرحمن يُخص بالأفضلية في التعاقد مع الحكومة بالنسبة لبعض متطلبات خزان سنار و توريد الوقود لبواخر الحكومة. و قد أعطي قرضا قدره 4500 جنيه في عام 1926 ثم تنازلت له عنه الحكومة بادعاء أن ما استلم كان هبة منها له، و ذلك لكي يقوم ببدء الزراعة في جزيرة أبا. و فضلا عن ذلك فقد اتخذته الحكومة شريكا لها في مشروع قوندال لزراعة القطن بمديرية النيل الأزرق. و منح بعض الأراضي الحكومية في كل من أمدرمان و الخرطوم حيث شيد المنازل و الدكاكين.و من ثم أضحى أحد كبار الملاك بالعاصمة المثلثة.و كانت الحكومة تميل الى جانب اللين معه لدى تقدير الضرائب على أرباحه. و على هذا امتزج نفوذه الديني و السياسي بنفوذه القبلي و المالي ".." و كان المهاجرون من سكان منطقته المؤيدين للمهدية {الأنصار} اما أن يقوموا بالعمل لصالحه أو يدفعوا له نسبة اثنين و خمسة بالمئة من دخولهم كزكاة أو صدقة .." (ص 124 و 125 ).