الخميس، 28 كانون الأول، 2006

من إخترع الأفارقة؟ 7


من اخترع الأفارقة؟
الحلقة السابعة
الغرب الممسوخ

المتأمل في مشهد العلاقة المتوتّرة بين "جان كلير" و " جان هيبير مارتان" لا يجد صعوبة في فهم القاسم المشترك الأعظم بين موقفيهما المتناقضين في الظاهر.فبين "كلير" الذي يسعـى لانقاذ الغرب بقفل أبواب مؤسسات العرض أمام الفنانين غير الأوروبيين، و"مارتان" الذي يسعى لانقاذ الغرب بحقن دم جديد غير أوروبي في شرايين مؤسسات العرض الأوروبية، يتفق "كلير" و"مارتان" على حقيقة مريعة: الغرب في خطر و يجب انقاذه بأي ثمن.بيد أن هذه" الحقيقة المريعة" التي يلتقي عندها الأخوة الأعداء انما تنبني عند كليهما على مفارقة مفهومية،(و قيل على" أكذوبة")، تاريخية و اقتصادية و سوسيولوجية غليظة فحواها: أن المجتمع الأوروبي هو الغرب مثلما أن الغرب هو أوروبا. و التطابق بين مفهومي الغرب و أوروبا ينتهي الى تمليك ظاهرة الحداثة للأوروبيين دون غيرهم من عباد الله المستبعدين – كسر رقبة- لـ "رزيرف" التقليد.
و هكذا يتوجّب على الفنانين المعاصرين غير الأوروبيين الذين يبحثون عن فرصة لعرض أعمالهم في مؤسسات العرض الأوروبية،يتوجب عليهم الوقوف عند نقاط التفتيش على الحدود بين الثقافات، و ذلك حتى يتمكن ضباط الجمارك و مسؤولي الأمن الحضاري من التحقق من أصالة هوياتهم أولا ، ثم تصنيفهم حسب الأمكنة المعدة لاستقبال " الاجانب" ضمن هرم التراتب الثقافي الأوروبي.و قد أصابني كثير من هذا أول عهدي بالقائمين على مؤسسات العرض بأوروبا، و الحق أقول : في البداية فاجأني الامتحان وأحبطني و أحزنني أيما حزن، سيّما و انني وفدت لشمالي المتوسط متفائلا بفرصة وضع حد لغبن الدياسبورا الأفريقية التي خبرتها في ذلك الوطن المحزون الجاف المتلاف.لكن المثل الصيني يقول(و دي ما ينفع فيها الا مثل صيني): السم الذي لا يقتلك يزيدك مناعة، و الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.فقد نفعتني سنوات الاستبعاد من مؤسسات العرض الأوروبية في التفرغ لمراقبتها من مسافة نقدية ساعدتني على فهم ما يجري وراء الكواليس. و حقيقة فأنت لا تحتاج لذكاء خارق لتفهم أن ما يجري في كواليس الفنأفريقانية الأوروبية ما هو الا انعكاس مباشر لواقع العلاقة السياسية بين أوروبا و أفريقيا.وان كان لـ" كلير " فضيلة على "مارتان" فهي في صراحته التي تلخص العلاقة مع غير الأوروبيين، و ضمنهم الأفارقة، في عبارة الاستبعاد الفظ الغليظ و بضيق شنيع في الأفق السياسي و الانساني.و ربما وجد ذلك الامر تفسيره بقرب
" كلير " من دوائر اليمين السياسي المحافظ التي لم تهضم بعد نهاية الاستعمار في أفريقيا.و على الطرف النقيض يقف مارتان، المحسوب على اليسار الاشتراكي الفرنسي،كنموذج ناجح للبهلوان الذي يلعب على كل الحبال.و لا جناح، فالفنأفريقانية التي يرفع رايتها" مارتان" هي في الحقيقة تعبير ثقافي عن السياسة الأفريقانية النيوكولونيالية التي صانتها حكومات اليسار الاشتراكي على تعاقب الأنظمة في فرنسا(و للاستزادة من معرفة سياسات الاشتراكيين الفرنسيين في أفريقيا يمكن الرجوع لكتابات ف. اكس. فيرشاف و بالذات كتابه " لافرانسأفريك"( و يمكن ترجمتها بـ" فرنسا أفريقيا" ـ على نحو المضاف اليه ـ اذا تجاوزنا عن التسطيح الذي يخيم على العبارة العربية).
(F.X. Verschave, La France Afrique, Paris ,Stock,1999)
و" مارتان" يلعب دور الجمركي الذكي الذي يصنف الفنانين الوافدين من الخارج ـ من خارج أوروبا و من خارج الغرب و من خارج الحداثةـ و ينتقي منهم من ينفع في تدعيم النسخة الأوروبية لما يعتبره صرح الفن الغربي.
و قد كان هذا، على الاقل، حالي حين رمت بي الأقدار في طريق "مارتان" الذي اتصل بي مرة، في مارس 1999، بوصفي فنان أفريقي(؟) معاصر،و عرض علي الاشتراك في معرض " قسمة الاكزوتية". في رسالته( المؤرخة بتاريخ 8 مارس 99) لم ينس "مارتان" أن يضيف التحذير المعهود الذي تعود المنظمون الاوروبيون لمعارض الفن غير الاوروبي أن يوجهونه للفنانين غير الاوروبيين حول مخاطر فقدان العذرية الثقافية من جراء الانجراف وراء اغراءات الحداثة الغربية الخ.و هاكم عينة من هذا الادب الابوي الرفيع:
"ان تبني الحداثة يمكن أن يعتبر موقفا تقدميا ضد الظلامية السلفية القديمة مثلما يمكن أن يعتبر فقدانا للهوية و خضوعا للهيمنات الثقافية والسياسية و الاقتصادية للغرب". حين قرأت كلمات " مارتان" لم اصدق عيني.و تقاطرت الاسئلة في خاطري:
عن أي هوية يتكلم؟عن أي حداثة؟ و عن أي غرب؟و هل يمكن للشخص أن يفقد هويته كما يفقد طاقيته أو خاتمه مثلا؟و ما مصير من فقد هويته؟هل يموت غمّا أم يبقى سابحا في الفضاء كما شخوص لوحات "شاغال" الشهيرة أم أنه يرسى على هوية غيره و" يكفّنها" كما الميتة في بلاغة الأهالي.ثم كيف يمكن الهرب من قدر الحداثة؟و في النهاية ما أصل هذا الشيطان الاكبرالمسمى بـ " الغرب" و الذي يحرص الجميع على تذكيري بمخاطره حتى اصون نفسي عن غواياته المهلكة؟
كل هذه التساؤلات حفّزتني على الكتابة لهذا الساحرالاكبر الذي يهيمن على مشهد الفنأفريقانية، لأشرح له كم الاشتباهات المركبة المقيمة في موقفي كفنان غربي غير أوروبي لا تسعه التصانيف الجمالية و السياسية المبذولة للمنتفعين بالفن المعاصر.
وقد كانت حيلتي في شرح الامر لـ " مارتان" غاية في البساطة.يعني بالعربي كده: يا زول انت آلتك دي، بتاعة الحوار بين الثقافات، آلة مريبة في أصلها.ثم أن صفتك الوظيفية كممثل لسلطات المؤسسة الثقافية الرسمية لا تؤهلك لتمثيل الحضارة الغربية.ناهيك عن كوني شخصيا زاهد تماما في تمثيل أي حضارة كانت، مثلما أنا زاهد في تمثيل اي "آخر" غربي كان أو شرقي.باختصار، أنت و أنا و آخرين، لسنا سوى شركاء في نفس الـ "اسكوات"( ترجموا:" سكن غير قانوني" و قيل " عشوائي")
Squat
الذي بذلته لنا حضارة السوق المتعولم.لكن ان كنت أنت تستنكف حضوري بجانبك تحت سقف نفس الـ"اسكوات" فما ذلك الا لأنك ترى في حضوري خطر "المساواة في الحقوق" التي أطالب بها. ومطالبتي بـ "المساواة في الحقوق" يمكن أن تجر عليك و على أمثالك فقدان أغلب الامتيازات المادية و الرمزية التي راكمتموها منذ فجر عهد السيطرة الاستعمارية.و سواء كنت أنا أفريقيا أو أسيويا أو هندأمريكي أو كنت من آبوريجين أوستراليا، فان الهوية الوحيدة التي تتيحها لي شروط ثقافة السوق الرأسمالي هي هوية المستبعد الغربي غير الأوروبي. و هذه الوضعية تعني أنه ان كان ثمة مشروع لتأسيس هوية ثقافية لشخص مثلي، فان هذه هذه الهوية الثقافية لا يمكن أن تتأسس الا على معطيات واقع الاستبعاد الذي كتب علي أن اكابده في موطني الأصلي كما في أوروبا في آن واحد.ومعطيات واقع الاستبعاد هي بلا شك قاعدة أكثر ثباتا من كل ركام الفولكلور العرقي البائد، الذي يلبّك خواطر المتكلمين في الهويولوجيا بالوكالة الجائرةعن جموع المستبعدين .لقد فقد الغرب حدوده الأوروبية منذ أن انتشر واستشرى على الأرض كلها.وبفضل الشبكة الواسعة لمراكز نفوذ مؤسسات السوق الرأسمالي العالمي و المتعولم، فأن الغرب كمفهوم غادر حدوده الأوروبية و تمدد على مجمل مساحة المعمورة.صار الغرب اليوم بلا حدود.انه كل مكان طالته آلة السوق.هذا الواقع الجديد نسبيا الذي كشفته تطورات العولمة الليبيرالية بشكل حاسم يلغي فكرة الغرب كمرادف لفكرة أوروبا و يطرح مفهوم الغرب بصيغة الجمع. يعني "كلنا في الهم غرب"، بس المسألة بقت خشوم بيوت، و لكم غربكم و لنا غرب مثلما لكم حداثتكم و لنا حداثة ، و"الحسّاس" يملا شبكته.هذا الغرب الجديد الممسوخ صار يروّع الأوروبيين و يزعزعهم كلما اكتشفوا أنه صار يستعصي على قدرة الأدوات الرمزية و السياسية و التقنية التي كانوا يتحكمون بها على مصائر العباد في زمن الغرب الاستعماري السالف.الغرب الجديد "لحمة راس"الأوروبيون فيه لا يمثلون الا جزء من كل يشمل الأسيويين مثلما يشمل الجنوب أمريكيين لغاية الأفارقة(كراع الفروة).هذا الغرب الممسوخ صاريفسد على الأوروبيين بهجة الثقافة منذ أن اكتشفوا أن قوانين" منظمة التجارة العالمية" تفتح سوق الثقافة أمام رأس المال المتعولم.و الفرنسيون مثلا، لم يكفوا عن حرب الـ "قاتس"(الاتفاقيةالعامةلتجارة الخدمات)،
General Agreement on Trade in Service (GATS)
من أجل معاملة استثنائية تحمي سوق الثقافة القومي من تغول التجارة الثقافية الكبيرة(ترجم "التجارة الثقافيةالأمريكية").فعلى مبادئ الـ "قاتس" سيصبح من المتعذر على فرنسا مثلا دعم الانتاج السينمائي الفرنسي أو دعم دور النشر الفرنسي دون أن تقع تحت طائلة قانون منظمة التجارة الدولية بدعوى تزييف التنافس التجاري الحر.ان الغرب الممسوخ الجديد لا يبالي بالاستثناءات الثقافية لهذا البلد أو ذاك الا بالقدر الذي تؤثر فيه هذه الاستثناءات على سّلم القيم في بورصة المال.
و اذا رجعنا للخواجة "مارتان"في "اسكوات" السوق الغربي أقول:
شوف يا خواجة،بقبولي المشاركة في معرضك، رغم تحفظاتي على نواياه الاكزوتية المكشوفة،فأنا انما أراهن على ذكاء الجمهور المستنير ،الذي أثق في قدرته على الوصول لمعاني تصاويري، و لو خاض في دروب هذه المتاهة الطويلة،الممتدة لأربعة كيلومترات من الفخاخ الاكزوتية.و حقيقة فقد راهنت، من طرف خفي، على ذكاء هذا الساحر الأكبر الذي كان قد كتب لي في رسالته:" ان عملك الفني يهمني بقوة". هذه العبارة السحرية عشّمتني في قدرة الرجل على تهريب عملي الفني من وراء ظهر ضباط جمارك الجمالية العرقية و حرس الحدود بين الثقافات الذين سهروا على تنفيذ القسمة الاكزوتية.لكن المهرّباتي المنتظَر لم يفهم مرامي رهاني.
بعدها بسنة اتصل بي " تيري راسباي" بصفته " قوميسير" المعرض و كشف لي أنهم في لجنة المعرض، و" بعد مناقشة مستفيضة"، توصلوا لقرار أن لا يعرضوا أعمالي الفنية في " قسمة الاكزوتية"، و لكنهم في نفس الوقت يرغبون في نشر رسالتي لـ " مارتان" في مقدمة كتالوغ المعرض، و ذلك" لأنها تلمس اشكالية الاكزوتية مثلما تؤشّر لحدود مشروع مبذول كمبحث سوسيو انثروبولوجي"(أنظر مقدمة كتالوغ "قسمة الاكزوتية"، ص 15.حين شرح لي " تيري راسباي" ذلك فهمت أنني كسبت رهانا لم يخطر على بالي قط.ذلك هو رهان المداهنة الدبلوماسية، رهان الـ " بوليتيكلي كوريكت" الذي هو روح الشاغل المعارضي لدى معظم القائمين على أمر الفن غير الأوروبي.
مناورتي البسيطة لم تعط أُكُلُها ولم تؤثر على "مارتان" الذي أشاح عن تصاويري و لم ينس رسالتي. و قد بدا لي تفسير الأمر في كون هذا الخبيرالمحترف المختص بالفن غير الأوروبي كان قد قرر،وعن سبق القصد، أن يتجاهل تصاويري التي لا تطاق، كونها على صورة حداثتي كفنان غربي من أفريقيا. لكنه في نفس الوقت لا يستطيع تجاهل ملاحظاتي النقدية في صدد اشكالية المشروع الفنأفريقاني.و مغزى هذه الحكاية يتلخص في ان الفن المعاصرغيرالاوروبي كما يفهمه الاوروبيون هو فن لا يطيق النقد.
و فيما وراء تجربتي الشخصية فان معرض " قسمة الاكزوتية " يتكشّف، وبمنهجية ميوزيوغرافية بريئة في ظاهرها، عن جملة من الالتباسات المفهومية المقصودة التي لم يعد يستغني عنها أي منظم معارض يعمل في منطقة الفن غير الاوروبي.
فمعرض الفن غير الاوروبي ينطرح اليوم، تحت ادّعاء اعتباطي، بكونه نوع معارضي جديد مستقل بذاته، و قيل فتح ميوزيوغرافي بحاله.و بسبيل تدعيم هذا الـ" نوع" على المسرح الثقافي فان أصحاب معرض الفن غير الاوروبي يراكمون جملة من التحديدات و الأعراف و اللوائح عند تقاطع الفن و الاثنولوجيا.و ضمن منظور و مرجع معرض " سحرة الأرض" فان معرض " قسمة الاكزوتية" ينطرح كـ "محطة تقوية" للقيم و المعايير التي سبق أن بثّتها محطة الارسال الأولى:" سحرة الارض".
و أول الاعراض تظهر على شخص قوميسير المعرض نفسه.فصاحبنا يتقمّص " الدور" الذي عهدوا به اليه بدون تردد.و أنا استخدم عبارة "الدور" في معنى اللعب المسرحي الكلاسيكي.فمعظم القوميسيريين الأوروبيين من منظمي معارض الفن غير الأوروبي ينتهون الى قبول دور " ممثل الغرب" أو الناطق الرسمي باسم الثقافة الغربية.و من موقع الحظوة الثقافية الغربية ينعمون على من يرغب في المشاركة في " حوار الثقافات" بلقب ممثل الثقافات " الأخرى".
وبعد استقراره في موضع المشرف على علاقات الحوار و التبادل الثقافي بين الغرب و الآخرين فان قوميسير المعرض يفصح عن نيته في استيعاب و دمج كافة الثقافات الاخرى ضمن منظور ثقافة انسانية كونية.ثقافة جامعة تتأسس على قاسم مشترك أعظم قوامه مفهوم غامض اسمه" الروح الانساني". هذا " الروح الانساني" بفترض أن البشر يلتقون عند مثل انسانية سابقة على مصالحهم الطبقية،و هو بلا شك مفهوم جميل زهيد الثمن لا يرغب أحد في التشكيك في مصداقيته، بالذات في مثل هذا الموقف المتفائل الذي يبشّر بيوتوبيا السلام و الوفاق التام بين الأعراق و الثقافات.بيد أن مشروع اندماج كافة الثقافات في ثقافة كونية انسانية الذي يبذله الأوروبيون في محافل الوئام العرقي و الثقافي يقتضي من القوم التخفيف من غلواء الأنانية المركزية التي طبعت تاريخ الثقافة الأوروبية في علاقتها مع ثقافات غير الأوروبيين.فلكي تتمكن ثقافة الأوروبيين من انجاز مشروعها الانساني فهي مضطرة لأن تفسح مكانا لثقافات الآخرين.و قد يبلغ الأمر بالمحتفلين بالثقافات غير الأوروبية أن يطلبوا من التقليد الثقافي الأوروبي أن يعتّم من ألقه أو أن يتظاهر بالموت بسبيل استدراج المتشككين و الـ "أرأيتيين"و الذين لُدغوا من جحر اليوتوبيا الأوروبية أكثر من مرتين.و حين لا يرغب الغرب الأوروبي في لعب لعبة المتماوت، فهناك أشخاص مثل " تيري ايهرمان" قمينون باعلان " موت الغرب" حتة واحدة..و حذارى لمن لا يعرفون " تيري ايهرمان"، رجل الأعمال الناجح الذي يدير شركة "آرت برايس".و هي شركة خاصة تنشط في بيع و شراء الأعمال الفنية و تفاخر بكونها " في طليعة المؤسسات التجارية العاملة في بورصة سوق الآثار الفنية على مليوني صفقة بيع تخص 172000 أثرا فنيا لفنانين يتوزعون في الفترة التاريخية الممتدة من القرن الخامس حتى اليوم"(آرتبرايس.كوم)

و بالنسبة لـ "ايهرمان" الذي يعتبر من الشركاء الذين يقدمون الدعم المالي لـ " بينالي ليون للفن المعاصر" فان معرض " قسمة الاكزوتية" يؤشر لنهاية الجمالية الغربية و يفتح الباب واسعا للجمالية العالمية"(تقرأ: العولمية).و الفرنسيون قوم مولعون بفكرة "نهاية" العالم. و هي ظاهرة لا بد أن لها علاقة بتكوينهم النفسي و الرمزي المطبوع بالتراث الكاثوليكي الذي لا يستغني عن فكرة " قيامة" العالم.فقبلها بعام انتهز" باكو رابان"، مصمم الأزياء الفرنسي الشهير الفرصة ليعلن نهاية العالم في سنة ألفين. و قد شغلت نبوءة " باكو رابان" الاعلام الشعبي لفترة و نفعته في عمل دعاية تجارية مجزية لم تكلفه أي شيء.لكن ان كان " رابان" لا يتورع عن علان " نهاية العالم" لكي يتمكن من بيع بعض تصميماته ـ الرائعة في مشهد النحت رغم كل شيء ـ ، فان " ايهرمان" يبدو أكثر تواضعا،انه يكتفي باعلان "نهاية" الجمالية الغربية لا غير.
كون الفن غير الأوروبي لا يصبح موضوعا للمشاهدة الا تحت شرط العرقنة ، فذلك الواقع يحفز المسؤولين من " قسمة الاكزوتية" على عرقنة الفن الأوروبي حتى يتم تأسيس المساواة بين الثقافات.لكن هذه المساواة الفادحة لا تمنع حراس الجمالية العرقية من أن يحفظوا للفن الأوروبي المعرقن حظوة المرجع المركزي بالنسبة لفنون الثقافات الأخرى.و الاعتراف بمركزية المرجع الفني الأوروبي و تعاليه يتم دائما بصوت خفيض تحت صدى التصريحات الرنانة حول المساواة بين الثقافات ، أو كما قال "مارتان" في تصريحه لمحرر "لوموند"(25 يونيو 2000 ):
" ان معرض "قسمة الاكزوتية" يقتضي قسمة نتمناها عادلة بشكل مثالي. و في الواقع فنحن كلنا نعرف في أي جانب تكمن السلطة و أين تكون الهيمنة.في جانب الغرب طبعا".و يتابع حواريو "مارتان" أفكاره وقع الحافر على الحافر حين يقرون بفساد القسمة الاكزوتية.ففي مقدمتهما لكتالوغ معرض " قسمة الاكزوتية" يكتب " تيري راسباي" و " تيري برات" ـ على نهج " جان كلير"ـ و بصفاتهم كـ " ذكور بيض و مسيحيين" (كذا) بأن " القسمة الاكزوتية غير عادلة لأنها تندرج ضمن سياق فني تأسس و تطور منذ البداية على يد الغرب".
ان طموح ارضاء الجمهور العريض يدفع القائمين على عرض أعمال الفنانين غير الأوروبيين الى تبسيط و طمس الاشكالية المركبة لهذا الفن المعاصر الذي يتم انتاجه خارج أوروبا.و هو موقف يتم تارة لأن الرعاة الاوروبيون يجهلون الجسور والأنفاق السرية و العلنية التي تربط فن غير الاوروبيين بفن الأوروبيين، مثلما هو يتم طورا لأن الرعاة الاوروبيون يتجاهلون،و عن سبق القصد و الترصّد، طبيعة العلاقات القوية المركبة بين فنون غير الاوروبيين و فنون الأوروبيين.و ليس غرضي هنا تصنيف "مارتان" و حوارييه في فئة الجاهلين أو في فئة المتجاهلين.غرضي هو اثبات هذه الصفة العجيبة من صفات مناهجية( ميتودولوجيا) الصناعة المعارضية المعنية بعرض فنون غير الاوروبيين للجمهور الاوروبي.و هي الصفة التي تتلخص في استبدال المقاربة النقدية للظاهرة الفنية غير الاوروبية بما يمكن أن نسميه بـ "المقاربة السحرية" العزيزة على " مارتان".فما كان " مارتان" يسميه" سحر الاشياء" يكتسب، عند حوارييه" برات" و" راسباي"، اسما جديدا هو " الفكر البصري". يشرح الرجلان كيفية الانتفاع بمفهوم "الفكر البصري" حسب تجربتهما في معرض " بينالي ليون الثاني للفن المعاصر"، 1993 :
" حين تستعصي التصانيف الشكليةعلى توقعات النظرة التاريخانية النقدية " يستخدم العارضان مفهوم " الفكر البصري".."الذي يعتمد على قيمة التناظر الشكلي( ايزوتوبي)
Isotopie
المتفرّد للأعمال الفنية. و هو مفهوم لا علاقة له بالجمالية الخطابية المقعّدة."(مقدمة كاتالوغ" قسمة الاكزوتية" ص 8). و " الجمالية الخطابية المقعّدة" التي يعنيها " برات " و "راسباي" تتحدد ـ بعد عبارة " بشكل عام" المريبة بقدر ما هي ايجازية و تبسيطيةـ
كجمالية" الفلاسفة و مؤرخي الفن و من لف لفهم من التراجمة"( نفسه ص9).و لا أحد يعرف ما اذا كان الاثنولوجيون، الذين يمثلون القوة الضاربة للقوميساريا النظرية لمعرض" قسمة الاكزوتية"، ضالعين في فئة" التراجمة" اياها، لكن " برات" و"راسباي" و من وراءهما " مارتان" قرروا الاستغناءعن الفلسفة و عن تاريخ الفن لتأسيس البنية النظرية للمعرض على مساهمات عدد معتبر من نجوم الدراسات الاثنولوجية في فرنسا.و لكن ، اذا وضعنا في الاعتبار تصريح " برات"و "راسباي" بكون" البينالي في فرنسا، بحكم أن تمويله يأتي من المال العام، فهو أيضا خدمة عامة للمواطنين" ، فان جمهور المواطنين الفرنسيين سيجدون صعوبة كبيرة في قبول جمالية يعرّفها موظفو الخدمة المدنية الذين يستبعدون، باسم "الفكرالبصري"، مجمل ميراث الفلسفة و تاريخ الفن.و رغم كل دعاوى الاستقلالية بالنسبة لميراث الفلسفة الجمالية و مراجع تاريخ الفن فان "برات" و "راسباي" يظلان وفيّان لضميرهما المهني كموظفي خدمة عامة، لأنهما لا يقدمان معرضهما على مرجع"الفكر البصري" وحده، بل يدعمانه بمرجع تاريخي مهم هو" معرض سحرة الارض" الذي يثمّنانه كمرجع فني ناجح و" مضمون"، بل و" مبرّأ " ميّة في الميّة" من شبهات المداهنة السياسية و الروحية والتقنية"(ص9).
و هكذا، حين يصير التنكر للمداهنة السياسية همّا يرعاه أفندية الخدمة العامة الذين عهدت اليهم الدولة برعاية مؤسسات الثقافة، فمعنى ذلك أن"الرماد" قد" كال حمّاد" قبلها بزمن طويل.و في تحليل نهائي ما، فان الصراحة ـ و قيل الوقاحة ـ المبرمجةلموظفي الخدمة العامة تملك أن تصبح بضاعة مطلوبة بقدر ما يلبي موقف الزهد في المداهنة طلب الجمهور العريض.
و لو عدنا لمفهوم " الفكر البصري" الذي يتأسس عليه الفهم المعارضي لكل من " برات" و "راسباي"، فثمة مثال طيب عن حالة من حالات التناظر الشكلي الفريد( ايزوتوبي) يبذله لنا عمل الفنان السويسري المعاصر المعروف " توماس هيرشهورن"
Thomas Hirschhorn
و هو تناظر شكلي كما توارد الخواطر بين موقف"هيرشهورن" و موقف رعاته من الواقع الجيوسياسي المعاصر.و عمل "هيرشهورن" المعني يستحق الاهتمام كونه يطرح اشكالية الطريقة التي ينظر بها بعض الفنانين الأوروبيين و رعاتهم لما يحدث في المجتمعات غبر الأوروبية.ففي عمله المعنون:" الامم المتحدة ، نموذج مصغّر" ، الذي يعتمد أسلوب التأثيث (انستاليشان)
(Installation)
و هو عمل صمم خصيصا لمعرض " قسمة الاكزوتية"، يقدم " هيرشهورن" للزوار مسارا مسهّما داخل ماكيت من الأطلال المصغّرة لحاضرة ضخمة مكونة من عدّة مدن معروفة دمّرتها الحروب التي تدخلت فيها قوات الامم المتحدة.و نص كتالوغ البينالي الذي يقدم لعمل "هيرشهورن" يدعم النبرة النقدية لعمل الفنان تجاه مواقف منظمة الأمم المتحدة بقوله:" ان تدخل الامم المتحدة يتم تمثيله هنا بحضورعدد كبير من الدبابات و طائرات الهيليكوبتر البيضاء على طول مسارح العمليات الحربية.و ذلك بأسلوب تكراري دون أن نعرف على وجه التحديد ما اذا كان غرض حضورقوات الأمم المتحدة هو اطفاء نار النزاعات أم تأجيجها.و عند كل منعطف من منعطفات مسرح العمليات يبذل الفنان للزائر مجموعة من الوثائق المطبوعة التي توثق للنزاعات التي جرت أو تجري في البلدان التالية:لبنان، سيراليون، فلسطين،رواندا،الكنغو زائير سابقا،الشيشاني، البوسنه،تيمور، شياباس،كوسوفو.". أثناء المعرض لفت بعض الزوار نظر المنظمين الى أن قوات الامم المتحدة لم تتدخل أبدا في اقليم "شياباس" أبدا.لكن المنظمون الكرام لم يحركوا ساكنا لتصحيح المعلومة المغلوطةبعد افتتاح المعرض. فقد رفع الأقلام و جفت الصحف.ويبدو ان تدخل قوات الامم المتحدة أو عدم تدخلها في اقليم" شياباس" لم يكن يهم القوم كثيرا، فقد كانت أولويتهم القصوى تتلخص في دعم قضية الهنود العادلة و لو أدى بهم الامرلتزييف وقائع التاريخ المعاصر.و يبدو أن بعد نزاع اقليم " شياباس" من دائرة اهتمام الجمهور العريض في أوروبا ، بجانب الرغبة المسيحية المشروعة في التضامن مع قضية الهنود العادلة ضد سياسات الحكومة المكسيكية، قد لعبا دورا في تسويغ المسلك غير المسؤول لمنظمي معرض " قسمة الاكزوتية".و ربما كانت المسألة في جملتها،في خاطر الفنان كما في خاطر منظمي المعرض،لا تخرج عن نطاق التناظر الشكلي(ايزوتوبي) الذي يُفترض أن كل مسارح النزاعات الـ "عرقية" في العالم تتقاسمه بما يجعل تدخل قوات الامم المتحدة أمرا محتوما. و في تحليل القوم النهائي خلاصة سياسية عرقية تقول بأنه في ظلام القارات غير الاوروبية فكل القطط بالضرورة سوداء.
و بما أن خبراء الفن الاكزوتي عموما ـ و الفن الافريقاني على وجه الخصوص ـ هؤلاء القوم الذين يوصفون ذواتهم طوعا بكونهم " ذكور" و "بيض"،بما أنهم يتمركزون ،عمدا في الزاوية العمياء للفكرالبصري الايزوتوبي(و ترجمتها:"الفكر الاعتباطي") ، فهم ينتهون بالضرورة الى حالة عمى البصيرة التي لا ينفع معها اي بصر وان حدّ.
والبصيرة التي تعمى عن رؤية الطبيعة التناحرية لعلاقات القوى الاجتماعية ذات المصالح الطبقية المتناقضة، هي بالضرورة بصيرة طبقية،و عماها المزعوم هو حيلة أصيلة من حيل مدبّري الصراع المستفيدين من شرط العمى، عمى المقهورين و المستبعدين.و خلاصة الأمر، أمر القائمين على عرض فنون غير الاوروبيين، يمكن أن توجز في كون هؤلاء القوم زاهدون، ظاهر و باطن، في أي رؤية اجتماعية للمسألة الفنية. بل أن الرؤية الاجتماعية للمسألة الفنية صارت أمرا يصنّف في باب عدم اللياقة و الـ "بوليتيكلي انكوريكت" في أوساط العاملين في مؤسسات الفن المعاصر. و في هذا المشهد تصبح الرؤية الاجتماعية لأمور الفن الافريقي المعاصر وزرا في جسامة التابو السياسي المريع الذي يفسد بهجة الفنأفريقانية السعيدة على كافة الضالعين في مهرجان الاستبعاد الاجتماعي المتذرّع بذرائع الابداع.أن قدَر أدنى محاولة لطرح رؤية اجتماعية طبقية لواقع حركة الخلق في البلدان الافريقية ـ مثلا ـ هو أن تزلزل نظام المسلّمات الرمزية و السياسية الذي تأسس عليه تقليد فن الاستبعاد ضمن التقليد الأوروبي.ففي المرآة الاجتماعية لواقع حركة الخلق الأفريقية يخاطر الاوروبيون ـ و الفرنسيون على وجه الخصوص ـ يخاطرون برؤية صورة مخجلة لوجههم النيوكولونيالي المظلم في مركزالبؤس المادي و الرمزي المطبق على واقع حركة الخلق في أفريقيا.هذه الصورة التابو المنصوبة في مركز تناقضات النسخة النصرانية لثقافة رأس المال المتعولم، و التي لا يدركها بصر بغير بصيرة النقد الاجتماعي، أقول: هذه الصورة العجيبة مهمّة لأنها تقيم في قلب النسخة المعاصرة لأقدم شقاقات التقليد الثقافي اليهودي النصراني: شقاق التصاوير، شقاق التناقض التراجيدي بين صورة الحقيقة و حقيقة الصورة.
أن صورة بؤس العالم الثالث مبذولة اليوم عبر وسائط تكنولوجيا الاعلام ، و لكن مجرد بذل الصورة أمام العيان لا يعني أن الناظر اليها يشاهدها. فالمشاهدة تعليم، و أنا أستخدم عبارة الـ "تعليم" في معناها المزدوج: التعليم في معنى التأشير المادي على الصورة بوضع علامة تميزها بين فوضى التصاوير التي تزحم حقل البصر ، و التعليم في معنى تأسيس منهج نقدي في تربية البصيرة. يعني بدون تعليم لا يكون بصر و لا بصيرة. فهل يعني ذلك أن الاوروبيين ينقصهم التعليم حتى يتمكنوا من احسان مشاهدة
الوجود الذي نقاسمهم اياه؟لا، ثم لا و ألف لا،الاوروبيون على بصر حديد و بصيرة أحد لكنهم يشيحون بناظرهم عن صورتنا التي لا تطاق: صورة سوء التنمية الافريقي المزمن الذي يمثل الوجه المظلم القبيح لتنمية السوق الرأسمالي التي تحفظ للقوم مواقع الحظوة و الرفاه وتنفي الأفارقة لهاوية الافقار و التخلف.فعلا صورتنا لا تطاق ، بل أن من يتجاسر بالنظر ناحيتها يخاطر بأن ينمسخ تمثالا من الملح لأبد الآبدين كما تقول اسطورة افريقية (من اختراعي طبعا).لهذا يتفنن خبراء التصاوير الأفريقانية من ساكني اليوتوبيا الاوروبية في اختراع صورة أخرى لأفريقيا، صورة يمكن مشاهدتها بغير مخاطرة، صورة لأفريقيا خارج التاريخ ومنزّهة عن دنس السياسة والمال و غير ذلك من تناقضات حضارة السوق.بيد أن تناقضات حضارة السوق ليست قدرا أفريقيا يمتنع على غيرهم. فـ "التسوّي كريت في القرض .." لا بد و أن تجده في جلدها،و سيأتي اليوم الذي تبدأ فيه آلة الجمالية العرقية في اختراع فرنسيين يمكن مشاهدتهم بلا مخاطرة لو اقتضت ضرورات السوق المتعولم .و من يدري فقد يتاح للأفارقة في حينها أن يسدوا النصح للفرنسيين من واقع خبرتهم التاريخية، و أهلنا يقولون : أسأل مجرّب و لا تسأل حكيم. يومئذ يتحقق حوار الحضارة الحقيقي بين ضحايا حضارة رأس المال.