الخميس، 28 كانون الأول، 2006

من إخترع الأفارقة ؟5

من اخترع الأفارقة؟
الحلقة الخامسة
صلاح الاثنولوجيا في اصلاح الآيدولوجيا

ان ساغ لي أن أعارض " جان كلير" بـ " جان هيبير مارتان " ـ رغم قناعتي بأن كلاهما خرجا " من
معطف " ميشيل ليريس، الأب الروحي للأثنولوجيا التقدمية في فرنسا، فذلك لأن معارضة الواحد بالآخر تتيح لي رسم خارطة اللبس المفهومي الذي يربط فن الأفارقة بما اصطلح الأوروبيون على تسميته بـ " الفن".
أقول " الأوروبيون" و أنا أتحدث عن شخصيتين فرنسيتين لأن الصورة السائدة لهذا " الفن الأفريقي المعاصر" تدين بالكثير لمؤسسات الرعاية الفرنسية الرسمية و شبه الرسمية و ذلك منذ عهد الاستعمار.
طبعا الأمر أكثر تشعبا و تركيبا من تبسيطي البائن.لكن الفن الأفريقي المعاصر عبر تشعبه و تركيب علائقه يطرح ـ بوصفه اختراعا أوروبياـ خصوصية مـُنغـّصة كونه أيضا أداة استبعاد تسحر المستبعَـد ين قبل المستبعدين .فمن جهة " جان كلير" ،الذي يلعب دور حارس الهوية الأوروبية للفن ، فالأمور تبدو بسيطة لمن يرغب في تبسيطها.يعني غير الأوروبيين ناس مختلفين و غرباء على مفهومنا للجمال و ليس في مقدورهم فهم ما نحن بصدده منذ قرون.أذا سمحنا لهم بالولوج في حرم ثقافتنا الأوروبية فقد يلحقون بنا الضرر مثلما قد يلحقون الضرربخصوصيتهم الثقافية.و بالتالي علينا أن ندعم حصوننا و استحكاماتنا و لنكثر من اجراءات الضبط و التمحيص على الحدود الثقافية بين عالمنا و عالمهم.
وضمن هذا المشهد لا يكتفي " ج . كلير" باسداء النصح أزاء ما يجب اتخاذه من اجراءات ، بل هو ينخرط بحمية في الجدال الدائر حول موضوع الهوية الثقافية.و هو جدال يواجه فيه " ج . كلير" خصم حميم من وزنه هو " جان هيبير مارتان" الذي يقف "كراع" في الاثنولوجيا و "كراع" في الصناعة المعارضية .و " مارتان" يطرح نفسه في الحلبة كـ" نقيض /مكّمّل" مستديم لـ " كلير ". و جدير بالذكر أن كلاهما موجود في الساحة الثقافية الفرنسية بشكل مستديم خلال العقدين الأخيرين على الأقل. " ج . كلير " كناقد فني و متحفي، و " ج .هـ . مارتان " كمتحفي مختص بالفنون غير الأوروبية.
في مقدمة كاتالوغ معرض " سحرة الأرض" يعرّف " مارتان" حدود المناقشة ـ لعناية " كلير" غالبا ـ بوصفها مناقشة حول هوية فن أوروبي غايته استيعاب فنون المجتمعات غير الأوروبية. و في أسلوب المناظر المطبوع بنبرة الناطق الرسمي الثقافي يطمئن " مارتان " السلطات السياسية التي خوّلته ليتولى عنها مشقة تدبير اشتباهات الشأن الفني المعاصر بين اشكاليات السياسة و علم الجمال.
يكتب " مارتان " في مقدمة كتالوغ معرض " سحرة الأرض "
".. ان الادّعاء الرائج بعدم وجود الابداع التشكيلي الا في العالم الغربي أو في المجتمعات المتأثرة جدا بالغرب ليس سوى أثر باق من النزعة الاستعلائية لثقافتنا.ناهيك عن أولئك الذين يعتقدون حتى اليوم بأن امتلاكنا للتكنولوجيا يجعل ثقافتنا أفضل من غيرها من الثقافات. و حتى أولئك الذين يصرحون بلا مواربة بأن لا مجال للمفاضلة بين الثقافات فهم يجدون صعوبة كبيرة في قبول فكرة أن أعمال فنية من العالم الثالث يمكن أن توضع على قدم المساواة مع الأعمال الفنية لحركاتنا الطليعيات.هذا الموقف يدل على أن المقاومة في مجال التشكيل أقوى منها في مجالات ثقافية أخرى كالموسيقى و المسرح و الفنون الاستعراضية أو الأدب. "
Jean-Hubert Martin, Magiciens de la Terre , Paris, Ed. Ce,tre Georges Pompidou, 1989, p.8
و ضمن تكاملهما النقدي يبذل كل من " كلير " و " مارتان " ـ كل بطريقته ـ يبذلان لقراءهما صورة لأوروبا باعتبارها طبق الغرب، ثم يسعى كل منهما ـ كل بطريقته ـ لترميم الحدود بين الثقافة الأوروبية و الثقافات غير الأوروبية ، و لو شئت قل بين المجتمعات النامية [ سمّها المتحضرة] و المجتمعات المتخلفة [ و سمّها البربرية ] .فمن جهته يقوم " ج . كلير "ـ في دور الأوروبي مالك الكون ـ يقوم بصيانة الحدود السياسية القائمة و يسقطها على واقع حركة الثقافة المعاصرة ،ليقوم بعد ذلك بنفي ثلثي الانسانية خارج التقليد الثقافي الأوروبي.لكن نفي غير الأوروبيين خارج التقليد الثقافي الأوروبي ما عاد ممكنا في العالم المعاصر الذي يتميز بكون التقليد الثقافي الأوروبي النصراني فيه قد تمكن ، ضمن منطق اقتصاد السوق، تمكن من أن يفرض مراجعه و أحكامه على أزمنة و أمكنة كل الضالعين في ثقافة السوق، يعني علينا كلنا على اطلاق العبارة. و سواء كنا أفارقة أو آسيويين أو أوروبيين أو أمريكيين فنحن نتغذى كلنا من نفس التقليد الثقافي، تقليد ثقافة السوق الرأسمالي و على ضروراته ندبر أمور ديننا و دنيانا. بلا شك فـ " جان كلير " أدرى بكون معاصريه ، أفغانا كانوا أو جزائريين ،غير قابلين للنفي خارج التقليد الثقافي المعاصر الذي يدعي الأوروبيون ملكيته.و بالتالي لا يبقى أمامه الا العمل على ترميم و صيانة الهوية الجمالية الأوروبية في بعدها الذي لا تطاله يد غير الأوروبيين، بعد" الماضي المجيد" لثقافة أوروبية سابقة على عهد التماس و التمازج مع المجتمعات غير الأوروبية. ان ثقافة أوروبا قبل الرأسمالية تصبح عند" جان كلير" مساحة ذات حظوة خاصة تسوّغ له أن يسقط عليها تمّيز الهوية الثقافية الأوروبية بالتعارض مع غيرها.و هي المساحة الوحيدة التي يمكن عليها رسم حدود ثقافية بين أوروبا و غير أوروبا، و لو شئت قل بين الحضارة و البربرية.ففي الزمان و المكان قبل الرأسماليين ، قبل اكتشاف " الدنيا الجديدة " ، قبل الثورة الصناعية ، قبل الاستعمار، قبل التجارة الكبيرة العابرة للقارات، كان في وسع أوروبا أن ترى نفسها في مرآة الآخرين ككيان غربي متميّز و كامل بلا قسمة أو نزاع في المواريث و الغنائم.كان بوسع الأوروبيين أن يعبروا ببراءة حقيقية عن دهشتهم الكبيرة أمام" الآخر " على نحو التساؤل الشهير" كيف يمكن للمرء أن لا يكون أوروبيا ؟". و في هذا المشهد يمكن لـ " جان كلير " أن ينتقد ـ و عن حق ـ عواقب الضلال النيوكولونيالي على ثقافات ما قبل رأس المال في المجتمعات غير الأوروبية ، و في نفس الوقت ينتهز فرصة هذا الالتباس النيوكولونيالي ليتمركز ـ و عن باطل ـ كأفضل حراس الثقافة الغربية في وجه البرابرة الوافدين من العالم الثالث.
و اذا كان " جان كلير " يسعى لبناء الأسوار العالية لتحصين الثقافة الأوروبية و فصلها عن الثقافات الأخرى ، فان " جان هيبير مارتان" يتبع أسلوبا مغايرا فحواه صيانة حدود الآخرين على مزاعم المساواة و التعارض و التساند على حق الاصالة. " جان هيبير مارتان " يرى غير الأوروبيين كأنداد قابلين للمقارنة و للمعارضة مع الأوروبيين. بل هم قمينون برد النظرة التي يلقيها عليهم الأوروبيون بنظرة ندية معاكسة.و فكرة " رد " النظرة الأوروبيةفي نظري[ الضعيف ]، ليست منزّهة تماما من شبهات العرقية ، بالذات حين يحاول الأفارقة رد النظرة الأوروبية العرقية بنظرة افريقية عرقية معاكسة.و قد وجدت هذه الفكرة الغريبة بعض الصدى في شعار" عكس البخار" أو" رد البخار "
« Renverser la vapeur » « reversing the steam «
الذي رفعه منظموا معرض أول بينالي في جنوب أفريقيا ما بعد الأبارتايد فكأنهم يبشرون العالم بأبارتايد معاكس.
ان منطق " مارتان " ـ و الذي لا يقل تعقيدا عن منطق " كلير " ـ انما يعتمد على فكرة " عرقنة " الثقافة الأوروبية مثلها مثل غيرها من الثقافات غير الأوروبية التي لا يراها الأوروبيون الا " مـُعَـرقنة" . و أنا أستخدم عبارة " عرقنة الثقافة " في معنى اختزالها الى أصل عرقي " اثني"
Ethniciser
و فكرة " عرقنة " الثقافة الأوروبية تسوّغ لـ " مارتان"تأسيس مفهوم المساواة بين كافة الثقافات بلا استثناء على طموح انساني نبيل فحواه تحقيق وحدة الأعراق و الثقافات المتعددة سعيا الى اليوتوبيا العالمية [ و قيل " العولمية"].وفي هذا الأفق تكتسب كل ثقافة مشروعيتها من رغبتها في الاندغام في اليوتوبيا الأوروبية ، تحت رعاية أوروبا ، التي، باسم حظوتها التاريخية الموروثة من عهد الاستعمار، ترى نفسها بشكل طبيعي كصاحبة المبادرة[ اقرأ" مالكة المبادرة" ] و من ثمّ فهي تعطي نفسها حق احتكار ادارة المشروع الطوباويي و تعريف الشروط التي يتحقق على هديها.
و عرقنة أوروبا بذريعة النظر المعكوس الصادر من طرف غير الأوروبيين هي فكرة قديمة عزيزة على " ميشيل ليريس "، الأب غير الشرعي للفن الأفريقي المعاصر. و كان" ليريس" قد أطلق ما يمكن أن نطلق عليه مفهوم" النظر الراجع" لمعالجة الوضعية المذنبة للباحث الاثنولوجي المبعوث الى المستعمرات من قبل مؤسسات السوق الرأسمالي.و في خصوص علاقة الباحث الاثنولوجي بالدولة الاستعمارية يقول " ليريس "في كتابه" خمس دراسات في الاثنولوجيا"
" مهمتنا الاثنولوجية ما هي الا تكليف من طرف الدولة.و نحن آخر من يتبرّأ من عواقب السياسات التي تمارسها الدولة و ممثلوها على هذه المجتمعات التي اخترناها نحن كموضوع للدراسة ".
Michel Leiris, Cinq Etudes d’ Ethnologie, Paris ,Denoël/Gonthier, 1969,p.87
و رغم ذلك فـ " جان هيبير مارتان ـ كما سنرى ـ " لا يتّبع خطى الأب الروحي للفنأفريقانية الفرنسية باخلاص" الحافر على الحافر".ان فكرة " ميشيل ليريس " ـ اذا صرفنا النظر مؤقتا عن طموحها الانساني الطوباوي ـ تبدو ، من منظورعلاقة الاثنوغرافيا و الاستعمار ،فكرة ثورية " مخرّبة" بقدر ما هي فكرة مغرقة في الغشامة السياسية. و لا عجب فمن غير " ميشيل ليريس " ـ الاثنولوجي و الشاعر السوريالي ـ من غيره قمين باطلاق مثل هذه الفكرة السوريالية التي تطعن في مبدأ الاثنوغرافيا كمبحث استعماري و تجعل الرجل يبدو كمجنون على شجرة مشغول بقطع الفرع الذي يجلس عليه.
يقول " ليريس "
" اذا نظرنا للاثنوغرافيا كأحد العلوم التي ينبغي أن تساهم في تأسيس فكرة انسانية حقيقية ، فنحن ، بلا شك ،نصاب بالحسرة على كون هذا العلم الاثنوغرافي يبقى آحادي الجانب .أعني أنه اذا كانت هناك اثنوغرافيا غربية تدرس ثقافات الشعوب الأخرى فان العكس غير موجود ".."و من وجهة نظر معرفية فهناك نوع من اختلال في التوازن يزيّـف منظور البحث ويؤمّن على ميلنا الاستعلائي.و هكذا تجد حضارتنا نفسها بعيدا عن متناول الفحص و الدراسة الذين يمكن أن تباشرهما تجاهها هذه المجتمعات التي نجعل منها موضوعا لبحثنا".
و هكذا يبدو أمر " ليريس " في حقيقته أمر اصلاح طموح، اصلاح مزدوج يستهدف صيانة الكفاءة المنهجية للعلم الاثنولوجي مثلما يستهدف صيانة الكرامة الانسانية لطرفي الظاهرة الاثنولوجية.و في هذا المشهد يطرح " ليريس " مفهوم " قسمة العلم الاثنوغرافي " بالتساوي بين الفرقاء.وذلك في مطلع الخمسينات كما يشهد بذلك خطابه أمام " جمعية العاملين العلميين، قسم العلوم الانسانية" و المعنون " الاثنوغرافيا أمام الاستعمار".
و فكرة " القسمة" العادلة في مشهد " ليريس" تقوم على " أن يتم تدريب باحثين اثنوغرافيين في البلدان المستعمـَرة و اتاحة الفرصة لهم كي يبعثوا عندنا في أوروبا ليدرسوا و يبحثوا في أساليب حيواتنا ".لكن "ليريس" الشاعر الألمعي و المناضل التقدمي المعادي للاستعمار [الـ " واقع من السما سبع مرات"]، أدرى بأن الأمر، أمر القسمة العادلة ، ليس بالبساطة التي يبدو عليها ، كون مجمل العلائق بين المستعمـِرين و المستعمَرين تبقى ملغومة بواقع الهيمنة و أحكامه.و لذلك فهو يقول مستدركا
"المشكلة هي أن هؤلاء البحّاث سيعملون وفق المناهج التي علمناهم اياها و أن الاثنوغرافيا التي سينتجونها تبقى أسيرة نظرتنا و مناهجنا "
Leiris pp. 106-111
ما العمل ؟
ترى هل يستقيم هجران الاثنولوجيا لانقاذ الأفارقة ؟
" كـُـس أم" الاثنولوجيا ان كانت صيانتها تمدّد من واقع قهر العباد في أفريقيا أو في واق الواق..
[ و عبارتي لا بد ستخد ش حياء الأخ الدكتور محمد عبد الرحمن أبوسبيب الباحث العاكف على فن الأفارقة في بلاد تموت من البرد حيتانها . لكن انت حياءك دا يا زول، هو الفنأفريقانية بتاعتك خلّت فيه حاجة يخدشوها؟؟] ، طبعا دا رأيي أنا ، لكن رأي " ليريس" شنو؟
" ليريس " أكبر طموحا مني، فهو ينوي انقاذ الأفارقة بالاثنولوجيا . ربما لأن الرجل على يقين من كون وجود الأفارقة نفسه يستحيل في خاطر الأوروبيين خارج المبرر الاثنولوجي.فالأوروبيون لا يرون الأفارقة الا داخل اطار النظر الاثنولوجي.و عليه ففكرة هجران الاثنولوجيا تروّع الخواطر الأفريقانية في أوروبا و في أفريقيا معا.فمن جهة أولى ، هي تروّع خاطر باحثي الاثنولوجيا الأوروبيين والسلطات الأوروبية التي بعثتهم و خوّلتهم تفسير أقوام القارة ، كون هجران اطار النظر الاثنولوجي يموضع القوم أمام صورة لا تطاق لقارة تخلّقت و تتخلّق كل يوم في ظلام الفشل الانساني للنسخة الأوروبية المسيحية لحداثة رأس المال .و من الجهة الثانية ففكرة هجران الاثنولوجيا تروّع خواطر كل الأفارقة الذين تعلموا أن ينظروا لقارتهم بمنظار اثنولوجي أوروبي.و بما أن لا أحد يرغب في هجران صورة افريقيا الاثنية" المعرقنة" ذات المنافع الأنية العديدة ، لا يبقى أمام " ميشيل ليريس " ، بصفته كاثنولوجي انساني تقدمي و معاد للاستعمار، لا يبقى أمامه سوى أن يتولى مهمّة مداواة الاثنولوجيا من مرض الاستعمار.هذه" المهمة المستحيلة" ستشغل " ليريس " لغاية نهاية حياته الحافلة.و الحق يقال ، فقد حاول " ليريس " مخارجة هذه الهدية المفخّخة المسمّاةبـ " علم الاثنولوجيا" و التي عهدت بها اليه السلطات الاستعمارية ، حاول مخارجتها من حقل ألغام الشرط الاستعماري ،متجنبا المزالق و الفخاخ الكثيرة الأخلاقية و المنهجية و السياسية، التي تتربّص بهؤلاء و أولئك من الرجال و النساء المقيمين على طرفيي ممارسة متحقّقة في مشهد المجتمع الطبقي المعاصر.أن الاثنولوجيا غير الأوروبيةـ و الاثنولوجيا بطبعها غير أوروبيةـ ليست سوى مرآة أوروبية اخترعتها أوروبا لتتأمل على أبعادها الأفريقية أو الأسيوية الخ، أحوال صورتها و صيرورتها بين تناقضات الوهم و الحقيقة.لكن هذه المرآة العجيبة تتميز بكونها ذات وجهين ، و على وجهها المعاكس يمكن لغير الأوروبيين مشاهدة صورة أوروبا و صيرورتها من زاوية نظر مخالفة مثلما يمكنهم رؤية صورتهم و صيرورتهم هم أنفسهم في هذه المرآة التي يبذلها لهم الأوربيون لأسباب بعيدة عن البر المسيحي اياه.و حين أقول أننا نملك فرصة مشاهدة صورة أوروبا و صيرورتها في نفس الوقت الذي نملك فيه فرصة مشاهدة صورتنا و صيرورتنا في مرآة الاثنولوجيا الأوروبية فهذا لا يعني أن الأوروبيين محرومين من مشاهدة الصورتين و الصيرورتين في آن معا.لكن النظر يبقى رهين المصلحة . و قد تعود الأوروبيون على فكرة أن لا مصلحة لهم في النظر نحو الآخرين و هي بلا شك " عوجة كبيرة " عواقبها لا تخص الأوروبيين وحدهم.و في هذا الأفق تبقى مهمة " انقاذ " الاثنولوجيا من عقابيل الثقافة الاستعمارية أصعب المهام التي تصدى لها الرجل.فـ" ليريس " يفترض " أن تدريب عدد كاف من الاثنولوجيين من أهل المستعمرات ".." يمكن أن يكون نافعا على أساس أن هؤلاء البحّاث الخارجين من المجتمع المستعمَر، بقدر ما ينسلخون عن عاداتهم ـ و هم فاعلون لا محالة ـ فهم قمينون ، على الأقل، بحفظ شيء أكثر حياة من ثقافة ذويهم في الذاكرة و ذلك لكونهم يشاركون الناس موضوع بحثهم نفس التجربة المعاشة ".و هكذا يخلص " ليريس " الى نتيجة متواضعة و بعيدة عن طموح " القسمة" الطوباوية الأولى.و مع استحالة توفر الأثنولوجيين الوافدين من المستعمرات ليدرسوا المجتمع الأوروبي على شرط المساواة في النظرالاثنولوجي، فان " ليريس " ينصح بأن يتولى الاثنولوجيون المحليون من رعايا المستعمرات أمور البحث الاثنولوجي وسط ذويهم من" السكان الأصليين" ، يعني " من دقـنـُه و افتل لـُه "، و لا يهم كثيرا ما اذا كان هؤلاء البحاث الـ " أصليون " سيطبقون على مجتمعات ذويهم المناهج الاثنولوجية التي درّسها لهم الأوروبيون.هذا المنطق يردنا ـ رغما عن أنف أنسانية " ليريس " ورغما عن معاداته للاستعمارو تقدميته ـ الى شعار " فرز المويات " العزيز على الجنرال " ديغول " و " جان كلير " و من لف لفهم من العنصريين على تباين الألوان.و من الآن فصاعدا سيتمكن الاثنولوجيون الأوروبيون من أن يواصلوا طبخاتهم الأوروبية فيما بينهم دون أن يتطفل عليهم اثنولوجي من بلدان العالم الثالث. و على كل حال فالبحاث الأثنولوجيون من أهل العالم الثالث سيكونون في شغل شاغل عن ما يحدث في اثنولوجيا الأوروبيين بحكم انقطاعهم المفترض لتدبير اثنولوجيا ذويهم.
و هكذا ينمسخ " ميشيل ليريس " بقدرة قادر الى نفق سريّ يستطيع" جان كلير" التوسل به ـ تحت أرض التناقضات الظاهرة ـ للقاء غريمه الحميم " جان هيبير مارتان " و بالعكس. يصبح " ميشيل ليريس " مناسبة للقاء الأخوة الأعداء كلما شعرت أوروبا بأن هناك خطر يتهددها من الخارج ، و بالذات من جهة الثقافات غير الأوروبية. ذلك أنه حين يتطلّب الأمر التعاطف مع المعذبين في الأرض فليس هناك أفضل من التلويح براية " القسمة " الطوباوية مع " سحرة الأرض" من كل الألوان.و هذه الصنعة يحذقها " جان هيبير مارتان" أكثر من غيره في فرنسا المعاصرة التي لا يغمض لها جفن عن مراقبة مصالحها في العالم الثالث الأفريقي، في هذا الوقت الذي بدأ الخصوم الأمريكان يتحسسون فيه موضع قدم لهم في القارة المظلمة، و بالذات في بعض مناطق النفوذ الفرنسي.[ ساحل العاج، الكونغو..]. أما حين يتعلق الأمر بترميم الهوية الأوروبية في بلد كايطاليا التي لم يعد عندها ما تخشى فقدانه في المستعمرات السابقة أو في أي مكان من العالم الثالث، فان السلطات الايطالية تجد في شخص الفرنسي " جان كلير "ـ أول مدير غير ايطالي لمعرض بينالي البندقية ـ خير مدافع عن هوية ثقافية أوروبية عمادها الماضي الفني المجيد لايطاليا، بالذات في هذه اللحظة التاريخية الراهنة التي انمسخت فيها شعوب العالم الثالث الى جحافل بربرية تهدد بتدمير كنوز الحضارة الأوروبية كما دمّر الطالبان الأفغان آثار الحضارة الآسيوية في حادثة تماثيل " بوذا باميان " و كما يدمر المتعصبون الاسلاميون مظاهر الحضارة الأوروبية كوجه في الجهاد ضد البدع و الضلالات .
و اليوم ،انقضى أكثر من نصف قرن من الزمان منذ أن أطلق " ليريس " قولته المشهودة بضرورة القسمة العادلة للنظر الأثنولوجي.لكن لا أحد يفهم لماذا لا يزال جل الاثنولوجيين الأفارقة عاجزين عن انتاج اثنولوجيا تعانق أولويات الواقع الأفريقي؟ لماذا لم يفلح الأفارقة في تأسيس اثنولوجيا فاعلة وجهة التنمية الاجتماعية والاستقلال الاقتصادي و السياسي ؟هذا سؤال الاجابة عليه تتجاوز سعة هذه الورقة المتفائلة.لكن يبقى أن الممارسة الاثنولوجية في تحليل نهائي ما، هي شكل من أشكال التعبير عن علاقة الهيمنة المادية على أزمنة و أمكنة الآخرين. و صاحب المبادرة الاثنولوجية انما يتخذها وسيلة لاحكام هيمنته على الآخرين مثلما يتخذ منها دليلا على واقع هذه الهيمنة.أقول ربما كان تقاعس الأفارقة عن انتاج اثنولوجيا أفريقية يتفسر بكون الممارسة الاثنولوجية تظل غير واردة خارج اطارالصراع بين مصالح السوق الرأسمالي الذي ليس للأفارقة فيه ناقة و لا جمل.
" مصالح السوق " هذه العبارة السحرية التي تفتح مغاليق الاشكالية الفنأفريقانية على هاوية سوء التنمية كانت ضمن متاع " ليريس " النقدي منذ زمن طويل.كان " ليريس " على يقين من أن الاثنولوجيا لا تفلت من قانون مصالح السوق.و كان يعرف أن أحتمال تخلّق اثنولوجيا انسانية تحت شرط السوق هو أمر مستحيل مثلما كان يعرف أن مساعي الخلاص الفردي للبحاث الاثنولوجيين تنطوي على مخاطر التهلكة الأكاديمية. نعم كان " ليريس " يعرف
" ..ان الباحث الاثنولوجي الذي يجاهر بتضامنه التام مع الناس موضوع بحثه ".." انما يعرض نفسه ببساطة لخطر أن تسحب منه السلطات التخويل الذي منحته له كباحث..". و في مواجهة هذا النوع من المخاطر تنمسخ أرض البحث الاثنولوجي الى ساحة حرب طبقية لا يطيقها سوى البحّاث من أهل المراس أو من ذوي الروح الاستشهادي.و رغم يقيننا بأن " ميشيل ليريس" ليس " شي غيفارا" الاثنولوجيا الا أننا نظلم الرجل لو اختزلناه لمجرد " نفق سرّي " لمنفعة عملاء السلطات التجارية و السياسية، و ذلك لأن الرجل بفطنته وبرهافة حسه الشعري و السياسي و بتاريخه الشخصي الحافل بالمواقف المشرفة في النضال ضد الاستعمار ، دون أن ننسى مواقفه الأثنولوجية الأفريقانية التي لا تنجو من اللبس المفهومي العرقي، أقول أن " ليريس " بكل ما يمثله انما ينطرح كنصب لسوء الفهم في مسار الحوار المستحيل بين الأوروبيين و "أفارقتهم" الذين اخترعوهم اختراعا من وحي مصالحهم . بل أن الرجل لينفع أيضا كنصب لسوء الفهم المستديم في حوار " بعض " الأفارقة" المتأوربين" و ذويهم من " السكان الأصليين ".
ميشيل ليريس كان على يقين من كون الأفارقة قد تحولوا عن الميراث الثقافي للأسلاف ـ و لو شئت قل " انمسخوا " ـ بشكل حاسم لا رجعة فيه ، و ذلك تحت ضغوط حضارة السوق الرأسمالي الغربي التي استوعبتهم في هامشها الاثنولوجي المتحفي الذي يسع كل أهل الحضارات البائدة بدون فرز.و في كتابه " أفريقيا الشبحية" الذي يحكي وقائع " حملة داكار/جيبوتي" ، سجل" ليريس" أبلغ الشهادات عن البذاءات العرقية البالغة العنف التي لجأت لها الدولة الاستعمارية بسبيل اخضاع أهل القارة و تربيتهم على قبول نظام الهيمنة .
و فيما وراء التعقيد و التركيب اللاحق بمواقف " ليريس " الأفريقاني فان هناك سؤال يبقى بلا اجابة حول دوافع " ليريس " الشاعر المتمرد الذي تفتح في قلب الحركة السوريالية أيام عزّها الفني و السياسي.ما الذي يجعل هذا الشاعرالعارف بالأدب و موسيقى الجاز و الناقد الفني الذي كان بين أصدقاءه نفر من سدنة الحداثة الفنية في القرن العشرين، ماالذي يجعل صديق " ماكس جاكوب " و " جان دوبوفييه " و "أندريه ماسون " و " خوان ميرو " و" تريستان تزارا " و بابلو بيكاسو" ، ما الذي يجعله ينخرط في مغامرة الاثنولوجيا الأفريقانية في رفقة الفسالة من موظفي الادارة الاستعمارية ؟
و حتى بعد عودته من حملة " داكار /جيبوتي" ، في مطلع الثلاثينات، فهو يسجل نفسه كدارس في " معهد الاثنولوجيا بجامعة باريس ". و من حينها سيكرّس " ليريس" جل جهده لمشروع اصلاح الاثنولوجيا و انسنتها حتى و لو أدّى به الأمرلتأييد مبدأ الكفاح المسلح لتحرير الشعوب المستعمرة و هو موقف نادر في أوساط الاثنولوجيين الفرنسيين و حتى في أوساط المثقفين عامة في تلك الأيام.يكتب " ليريس" في " خمس دراسات في الاثنولوجيا": " ان كان للباحث الاثنوغرافي أن ينشط في دعم أهل المجتمعات المستعمَرة فان الخدمة التي يمكن أن يؤديها، سواء من خلال التعبير بصراحة عن معاداته للاستعمار ،أو من خلال تقديم علمه و خبرته للمناضلين من أجل الحرية،ليست بذات بال في مشهد المستعمَر.و ذلك لأن التحرر المادي ـ الذي هو شرط أساسي لمواصلة كل دعاوى المشروع التحرري ـ لا يتحقق الا عن طريق وسائل أكثر عنفا و أشد نجزا من ما هو في متناول يد البحّاث و العلماء".
و لعل أكثر جوانب شخصية " ليريس" اثارة للاعجاب ـ وللعجب ـ هو قدرته على التطور و تجاوزحظ النفس التي تربت في شعاب الأنانية العرقية الأوروبيةو امتيازات الاستعمار. اذ بين اللحظة التي كان الاثنولوجي الأفريقاني يكيل فيها الصفعات لخادمه السوداني " ماكان"، أثناء مرور حملة " داكار/جيبوتي" بجنوب السودان في مطلع الثلاثينات[أنظر" مرآة أفريقيا" ] ،و اللحظة التي يعلن فيها موت الاثنولوجيا أمام الاستعمار في مطلع الخمسينات ، فان " ليريس " يكمل دورة كاملة من التحولات الفكرية و السياسية و النفسية جعلته يكتب ـ في مطلع الستينات أبان حرب الجزائرـ مدافعا عن حق الباحث الاثنولوجي في التمركز " كمحام طبيعي " للشعوب المستعمرة. و مواقف " ليريس " التقدمية أدت به للوقوف أمام "مجلس تأديب اداري" عقده " المجلس الوطني للبحث العلمي "[ سي. ان .ار. اس]. كان المجلس، الذي يعتبر أهم مؤسسة بحثية رسمية في فرنسا يأخذ على " ليريس" توقيعه لوثيقة سياسية معارضة لسياسة فرنسا الاستعمارية اشتهرت بـ " بيان المئة و واحد و عشرين " و فحواها حث الشباب الفرنسي من مجندي الخدمة العسكرية الالزامية على العصيان ومعارضة الحرب الاستعمارية في الجزائر.[" مرآة أفريقيا " ].
و على الرغم من موقفه الناقد للاثنولوجيا فان " ليريس " لم يفكر لحظة في هجران الاثنولوجيا. و ربما يتفسر هذا الموقف بكون الرجل الذي اكتشف العالم غير الأوروبي كما اكتشف الاثنولوجيا ، معا ضمن ملابسات الاستعمار، كان يرى في اصلاح الاثنولوجيا و أنسنتها فرصة للتمركز بعدل ضمن الزمان و المكان الذين يتقاسمهما مع" الآخرين" .و أظن أن المنطق الذي أسس عليه الرجل موقفه من العالم يمكن أن يحال لتجربته الفنية كسوريالي و تجربته الاثنولوجية الشخصية كأفريقاني، و هي تجربة ساعدته على تجاوز أغلب رفاقه من الفنانين السورياليين الذين وقف اهتمامهم بالعالم عند تخوم العصيان الفني الطليعوي ضمن التقليد الأوروبي.ذلك ان كانت العلاقة مع أهل العالم غيرممكنة خارج الاثنولوجيا فمن باب أولى اختراع اثنولوجيا جديدة تسع فداحة المشروع الثوري الطوباوي الذي يقوم في مشهد " ليريس " على مصالحة ـ و قيل تهجين ـ الثقافة التقليدية مع التكنولوجيا الحديثة.و بين حدب الباحث الاثنولوجي على الثقافة التقليدية و توجس الفنان السوريالي من التكنولوجيا الحديثة يورّثنا " ليريس" مشروعه الطوباوي في شكل هدية مسمومة سيتلقفها بفرح كبير رهط الفنأفريقانيين الفرنسيين من نوع " جان هيبير مارتان" ليبنوا عليها الاطار الآيديولوجي للصناعة المعارضية المتخصصة في الفن المعاصر غير الأوروبي.