الخميس، 28 كانون الأول، 2006

من إخترع الافارقة؟4

من اخترع الأفارقة؟

الحلقة الرابعة

جيوبوليتيك الفنأفريقانية

حسن موسى


اذا كانت بضاعة الفن الأفريقي المعاصر بائرة في سوق الفن العالمي فهي ذات رواج بيّن في مؤسسات الجمالية العرقية من شاكلة متاحف الاثنوغرافيا و مراكز الدراسات الأفريقانية و التظاهرات الدورية و المهرجانات المكرسة للفن الأفريقي في الحواضر الأوروبية. و اليوم لا يستغني اي بلد أوروبي عن هذه الألات الحربية ذات الكفاءة العالية في حروب الحضارات وحوارات الثقافات العرقية الموسمية التي يشنها الأوروبيون على " البرابرة " من أهل الثقافات غير الأوروبية. ذلك أن هذه الأجهزة انما تموّه تحت غشاءها الثقافي كفاءتها في صيانة ترسانة المواصفات العرقية القديمة التي يصنّف البشر على أساسها بين لانهايتي البربري و المتحضّر. و من هنا نطعن في مشروعية الموقف الاثنوغرافي الأوروبي الذي انبنى على تقصّد و ترصّد " الآخر" و اكتشافه و فهمه و تفسيره للجمهور الأوروبي.كون هذا الموقف البريء في ظاهره لا يحصل أبدا تحت شرط الحيدة العلمية التي يدّعيها الاثنوغرافيون الأوروبيون عادة.و انما تتخلّق العلاقة بين الاثنولوجي وموضوع بحثه بين " السكان الاصليين " تحت شروط علاقة القوى غير المتعادلة بين الأقوياء و الضعفاء. بين المستعمرين و المستعمَرين.و لعل أول منافع هذا الاختلال ـ لصالح الأقوياء ـ هي دمج الضعفاء الخارجين من بنى مجتمع بدائي قبل رأسمالي ، في بنى السوق الرأسمالي التوحيدية بشكل نهائي. و رغم ذلك فنحن لا ندين الاثنولوجيا الأفريقانية كمبحث من حيث المبدأ لمجرد أن عملاء النيوكولونيالية ـ بيضا كانوا أوسودا ـ يستفيدون من لقياتها في قهر الشعوب الأفريقية، ناهيك عن الاجحاف المنهجي الذي قد تنطوي عليه ادانة مبحث جديد يتخلق و يتطور كل يوم بفضل جهود البحاث الاثنولوجيين المستنيرين الذين يتعاملون مع الناس موضوع بحثهم كشركاء راشدين و مسؤولين.و سياتي يوم ينتفع فيه الأفارقة بلقيات الاثنولوجيا في الخروج من شروط سوء التنمية و بناء مجتمعات العدل و الرفاه و الديموقراطية.لكن غرضنا من هذه التعريجة النقدية هو تسليط بعض الضوء على الوجه المظلم للأثنولوجيا الأفريقانية و هو وجه يتخفّى في غضونه نفر من أهل الفنأفريقانية الأوروبية ممن يعيثون فسادا على مشهد الفن العالمي المعاصرو هم مسلحون بعض اللقيّات المقدسة للاثنولوجيا الأفريقانية البائدة. هؤلاء القوم الذين يبذلون كل جهدهم لاستبعاد سكان القارة عن دائرة الحداثةـ على علاتها النيوكولونيالية ـ[ أنا كان رضيت بالهم ما يرضي بي همّي] ،أقول ، هؤلاء القوم قمينون ـ حين يقتضي الأمر ـ بانتقاد النخب الأفريقية ، بل و شتمها جهارا بجريرة خيانة الاصالة الأفريقية و قد يبلغ بهم الفجور الآيديولوجي تحميل الأفارقة المتعلمين مسؤولية سوء التنمية لانهم هجروا تقاليد الاسلاف الخ . و أعني بـ " الحداثة النيوكولونيالية ذات العلاّت" هذه الحداثة المتخلّقة تحت شروط سوء التنمية وشروط الديون و شروط المجاعات و شروط الحروب المزعومة " قبلية " [ بين كبريات القبائل البترولية كقبيلة توتال ـ الف و قبيلة شل أو موبيل على سبيل المثال لا الحصر] لغاية شروط الفنأفريقانية ذاتها . و أنا استخدم عبارة " الفنأفريقانية" لتوصيف وجه بعينه من وجوه التعبير الفني المعاصر مما ينتجه الفنانون الأفارقة أو الفنانون من أصل أفريقي من أهل الدياسبورا بنت الغول و العنقاء و بئس المصير.أقول ان الفنأفريقانية آلة حربية فبركتها مؤسسات الرعاية الأوروبية[ من مافيش] لتنتفع بها في التدخل في مسارات حركة الثقافة المعاصرة في أفريقيا و لتوجيهها لخدمة المصالح السياسية و الاستراتيجية للامبريالية. و رغم التناقض البائن في المصالح بين الامبرياليات الأوروبية و الشمال أميريكية الا أن الجميع يجدون في الفنأفريقانية أكفأ وسيلة لفرض هيمنتهم الثقافية على الأفارقة.و ربما كان لخيار الفنأفريقانية علاقة بأن وسيلة المشروع الثقافي الفني تتميز بكون عائدها السياسي مضمون بغير مخاطرة لأنها وسيلة جذابةو ظاهرة اعلاميا و لا تكلف الكثير على الصعيد المادي ـ مقارنة مع غيرها من مشاريع التنمية الاجتماعية الأخرى الأقل جاذبية و التي هي غالبا بلا مردود اعلامي ظاهر، ناهيك عن اعتبارات عامل الوقت حيث أن تنظيم معرض أو بينالي في العواصم الأوروبية اليوم هو مشروع يمكن انجازه في عدة أسابيع بينما يتطلب تأسيس وحدة انتاجية تعاونية وسط المزارعين أو الرعاة في وسط ريفي زمنا طويلا و تحضيرات كثيرة و معرفة سوسيولوجية و سياسية و تقنية ينبغي بناءها ببطء. و اذا اضفت لكل هذه الصعوبات ضآلة العائد الأعلامي لمشروع تنمية اجتماعية في أصقاع القارة المنسية فيمكن أن تتصور مدى البؤس الأخلاقي الذي يستبطن خيارات الأوروبيين الذين ينظرون برأفة مسيحية وجهة أفريقيا من وقت لأخر.و في تحليلهم النهائي فالفن أفريقانية استثمار مريح يجنبهم مشقة التورط في أسئلة سوء التنمية و الشراكة العادلة و حقوق الانسان و الديون و هي أسئلة سياسية محرجة لا يطيقها القوم.و في تحليلنا غير النهائي فنجاحات الفنأفريقانية السياسية لا تقتصر على الأوروبيين وحدهم ، ذلك أن الفنأفريقانية نجحت في استمالة جزء كبير من السلطات السياسية الأفريقية التي وجدت في التحالف ـ اقرأ " التواطوء " ـ الأيديولوجيي مع ممثلي الامبرياليات منافع سياسية مجزية دولية و محلية. و على الصعيد المحلي لنا في التجربة السودانية" المايوية " دروس و عبر بالنسبة للاستخدام السياسي للمشروع الثقافي . و هذا باب للريح " السودانوية" سنفتحه في مقام آخر و سنكتفي هنا بالاشارة السريعة لاستغلال النظام السياسي المايوي لـ " الصناعة المعارضية " ذات المردود الأعلامي المجزي سياسيا.ففي نهاية السبعينات تكشف للجميع الفشل الكبير الذي لحق بخطط التنمية الاقتصادية و مشاريعها الطموحة التي أطلقها النظام في السودان. لكن ذلك الواقع لم يمنع النظام من تنظيم المعارض الكبيرة في العاصمة حول انجازات مشاريع التنمية التي كان الجمهور العاصمي يراها في الصور و المطبوعات الأفلام الدعائية في حين كان الواقع الميداني يكذب ادعاءات اعلام النظام.في تلك المعارض الجماهيرية الكبيرة، و التي كانت لها قيمة ترفيهية بالنسبة لجمهور العاصمة، كانت صورة التنمية تقف بديلا عن التنمية الفعلية. و قد برع المايويون في هذه" الصنعة المعارضية"، التي ورثوها من التراث المعارضي للبروباغاندا السوفييتية ، حتى أنهم انتهوا الى تصديق الكذبة التي أطلقوها في البداية لـ " تصبير" الناس حتى تأتي التنمية أكلها. ثم جاءت أيام صار المشير الامام جعفر النميري فيها يعد العربان بأن السودان سيصبح " سلة غذاء العالم العربي " . في تلك الأيام كان بعض السودانيين من ضحايا المجاعات قد بدأوا يزحمون فراندات" السوق الأفرنجي" أمام مكاتب وكالة السودان للأنباء [ سونا ] في الخرطوم .

و مثلما يتمخض الجبل ليلد فأرا تمخضت الفنأفريقانية الأوروبية، خلال عقدين أو ثلاثة ، لتلد مسخا عجيبا يسمي نفسه" الفن الأفريقي المعاصر " و يعيث فسادا في مشهد الثقافات الأفريقية المعاصرة، و كل ذلك بفضل بضعة مئات من اختصاصيي التسويق الثقافي العرقي المنظـَّـمين ضمن شبكات متداخلة بين دوائر السلطات السياسية و التجارية بين حواضر أوروبا و أمريكا. و اليوم حين يتحدث الواحد من هؤلاء الاختصاصيين عن هذا "الفن الأفريقي المعاصر" مع الفنانين الأفارقة المعاصرين فهو
يخاطبهم غالبا من موقع الخبير الذي يعرف خبايا الفن الأفريقي المعاصر أكثر منهم.
لقد ساهمت الدينامية المادية و الأدبية للفنأفريقانية، ساهمت ـ بفضل ادعاءها الانساني ـ في تطوير خطاب جمالي عرقي قابل للتكييف بسهولة مع كل تنويعات الفن غير الأوروبي.و من خلال أدبيات الفنأفريقــانية يمكن للمراقب أن يلمس ملامح بنية فكرية متخــلّقة على طراز الـــ " كولاج "[ تقنية التكوين عن طريق القص و اللصق في رطانة التشكيليين ]، و هي بنية فكرية انتقائية في أصلها أمشاج من تراث البر المسيحي و شيء من دوغمائيات الأثنولوجيا الأوروبية في صدد الهوية الثقافية الثابتة المستعلية على قوانين التاريخ و الجغرافيا معا .
ان معظم الجهود المبذولة لتأسيس اطار نظري لحركة الجمالية العرقية ظلت تلبي ، بطريقة أو بأخرى،الطلب المستعجل من مؤسسات السلطة السياسية على مستوى الدولة أوـ و مؤسسات السلطة الاقتصادية على مستوى السوق.وهكذا يلمس المراقب أن معظم التظاهرات التأسيسية للفن الأفريقي المعاصر انما قامت في أصلها بفضل دعم الدول الأوروبية و الأميريكية الضالعة، بشكل مباشر أو غير مباشر، في النسخة الأفريقية لنزاعات الحرب الباردة.و الأمثلة كثيرة على مؤسسات الفن الأفريقي المعاصر التاريخية التي ما كان لها أن توجد و تستمر بدون جهود الرعاة الدوليين لمنظومة دول حلف الناتو.فـ" مراكز الفن الأفريقي" التي أنشأها الرسام الهاوي البلجيكي" بيير لودس" لحساب فرنسا في " برازافيل " و في " داكار " في
1961
انما قامت بفضل دعم " المعهد الفرنسي لأفريقيا السوداء " [ ايفان]
L’ Institut Français d’ Afrique Noire ( IFAN)
و قد أنشأ الـ " ايفان " أيضا " متحف الفن الأفريقي " في أبيدجان. وبالتوازي مع " ب. لودس" البلجيكي العامل في خدمة فرنسا، كان هناك " فرانك ماك أوين " في أفريقيا السوداء الناطقة بالأنجليزية .و " ماك أوين" هو جامع آثار فنية و اداري استعماري كان يشغل منصب مدير ال" ناشونال غاليري" في روديسيا من منتصف الخمسينات لمنتصف السبعينات. و بمناسبة المعرض الافتتاحي لـ "الناشونال غاليري" الذي شرفته ملكة بريطانيا بحضورها قام " ماك أوين " باستقدام أعمال فنية أوروبية " من رامبراندت لبيكاسو " كما قام ـ في جزء من المعرض ـ بتعليق بعض أعمال الفنانين الأوروبيين المعاصرين جنبا الى جنب مع منحوتات أفريقية. و خلال الستينات تم انشاء مراكز فنية عديدة و فتحها للجمهور على نمط مراكز " مباري كلوب" في " ابادان " و " لاغوس " و مدن نيجيرية أخرى. و معظم هذه المراكز الفنية كانت تعمل بتمويل من الولايات المتحدة و قيل من مكتب وكالة المخابرات المركزية الأمريكية الـ " سي آي ايه" .
( E. Court in Seven Stories about modern Art in Africa,Whitechapel Art Gallery, London 1995)
و في نفس الوقت فان الفن الأفريقي المعاصربتعبيراته القطرية لم ينج من تأثيرات الحرب الباردة على العلاقات بين البلدان الأفريقية من نوع ما جرى بين السنغاليين و النيجيريين أبان مهرجان الثقافة الأفريقية و السوداء العالمي " فيستاك " في لاغوس في منتصف السبعينات.و هو نزاع ظاهره ثقافي بين نيجيريا و السنغال و باطنه سياسي بين فرنسا و خصومها الأنغلوساكسون في أفريقيا أثناء حرب بيافرا.[ أنظر فيرشاف " لافرانسآفريك]
F. Verschave, La France Afrique,Paris , Stock , 1999
و اليوم سواء تم الأمر في أوروبا أو في أمريكا أو في أفريقيا فكل التظاهرات الفنية الأفريقانية كالمعارض و المهرجانات و البيناليات لا تستغني عن الدعم المالي و الأعلامي المكثف لدول حلف شمال الأطلنطي.
وضمن هذه الملابسات الجيوسياسية انتهى منظموا التظاهرات الأفريقانية الى انجاز نسختهم الخاصة من الفن الأفريقي المعاصر التي نسميها بـ " الفنأفريقانية " من باب الفرز بالنسبة لبعض أنواع فن الأفارقة التي تتطور ضمن أفاق مغايرة و هي ـ و الحق يقال ـ نادرة . وذلك ببساطة لأن الفنأفريقانية تشكل بالنسبة لعدد كبير من الفنانين الأفارقة فرصة نادرة لعرض أعمالهم خارج القارة.و النتاج الفني الفنأفريقاني يدين بالكثير ـ و قيل بكل شيء ـ للرعاة الأوروبيين المهمومين بصيانه أصالة الهوية الثقافية الأفريقية.و كانت حصيلة كل هذا أن أصبح رعاة الفنأفريقانية الأوروبيون سجناء القناعات الآيديولوجية العالية التي بنوها حول أنفسهم من واقع رؤية مجانبة لواقع القارة الأفريقية.و في هذه الوضعية فهم لا يبالون بنتاج الفنان الأفريقي الذي يطرح احتمالا مخالفا للمنظور الفنأفريقاني مثلما هم قمينون بالانتباه لكل فنان أسود يطرح خطابا فنأفريقانيا. و في الحالتين فان النوعية الجمالية لعمل الفنان لا تهمهم الا بالنسبة لعواقبها على صعيد النظرية الفنأفريقانية.طبعا المشكلة مع الرعاة الأوروبيين للفنأفريقانية هي كونهم ضالعين بعمق في المؤسسات السياسية أو في مؤسسات السوق بحيث يجردهم هذا الواقع من أي حيدة محتملة في تلك اللحظات التي يتولون فيها مهمة التحكيم و الاختيار حتى بين الفنانين الأفارقة الذين لا ينازعونهم في مشروعية الفكرة الفنأفريقانية نفسها.و على كل حال فان هم " الحيدة " لم يكن أبدا بين هموم الرعاة الأوروبيين للفنأفريقانية ذلك أن القوم على عجلة كبيرة لا يجوز معها عندهم التأني عند أمور الفن المشتبهات. حيدة شنو يازول؟ ان هم " الحيدة " في مسائل الثقافة الأفريقية انطرح بشكل استثنائي في لحظة وجيزة من تطور الاثنولوجيا الأوروبية، و ذلك على يد بعض الباحثين البواسل الذين حاولوا تآسيس محتوى أخلاقي للاثنولوجيا الأوروبية في زمن الاستعمار .لكن منطق السوق لا يأبه لبسالة البحاث الاثنولوجيين و بالذات حين تكون المصالح المطروحة في جسامة المصالح المادية و الاستراتيجية التي تغذي النزاعات الدولية و الأقليمية في أفريقيا .و في تحليل نهائي ما فلا شيء يمنع سادة زماننا المتعولم من أن يخترعوا لفائدتهم اثنولوجيا خاصة بهم مثلما اخترعوا لأنفسهم فنا أفريقيا يوافق مصالحهم، اثنولوجيا تجارية أخلاقيتها مفصلة على مقاس مشاريعهم الأفريقانية، و ذلك من اللحظة التي يستشعرون فيها أن الاثنولوجيا المهمومة بالأخلاق قد تفسد عليهم تجارتهم. و في نفس التحليل النهائي اياه يجدر التساؤل " ما الذي يجعل الاثنولوجيين الأفريقانيين أقدر من رصفاءهم الفنأفريقيين على مقاومة ضغوط مخدميهم من سادة السوق الرأسمالي؟".
و اذا كان الأوروبيون غير راغبين أو غير قادرين على مغادرة الأطر المفهومية المذنبةـ لكن المربحة ـ التي يتخلق فيها الـ " علم " الأفربقاني فكيف المخرج ؟و ما العمل لكي يتمكن الأفارقة من عقلنة الفن ضمن علاقة عضوية مع واقعهم كشركاء في العالم المعاصر؟
ان الاجابة على مثل هذه الأسئلة هي أدخل في اشكالية الجيوبوليتيك الأفريقية منها في أرض الفن. و على كل حال فهي أمور تتجاوز أفق الفنأفريقانية التي تنطرح في هذا المشهد كجزء من المشكلة كونها ـ الفنأفريقانية ـ ليست سوى آلة بين آلات الحرب العرقية التي ورثها عملاء النيوكولونيالية المتعولمين من ميراث القهر العرقي الاستعماري.و اذا كان هناك قطاع من الفنانين الأفارقة منخرط بكليته في فنأفريقانية الأوروبيين فان عواقب هذا الانخراط بالنسبة للمشروع الاجتماعي الأفريقي تظل سطحية و بدون فاعلية في دمج حركة الثقافة و الابداع و تجذيرها ضمن الطموحات التنموية لأهل القارة. لكن انخراط الفنانين الأفارقة في المشروع الفنأفريقاني للآوروبيين لا ينفي صفة " الأفريقية " عن نتاجهم الفني, و ذلك مهما كان رأينا في نوعية هذا النتاج، فالمثل الفرنسي يقول " كل الأذواق موجودة في الطبيعة"[ الأفريقية] ، و ترجمته في بلاغة الأهالي" حب الناس مذاهب".
و رغم كل شيء فواقع الثقافة في أفريقيا يشهد عن حقيقة الفنأفريقانية بصدق قاس.فالأفارقة ينظرون لتظاهرات الفنأفريقانية كشأن يخص الأوروبيين. وحقيقة فمراكز الرعاية الفنأفريقانية الأكثر كفاءة انما توجد في أوروبا و التظاهرات الفنية المهمة انما تحدث في أوروبا بجانب أن الأدبيات المطبوعة و المسموعة و المرئية و جل المناقشات انما تتوجه للجمهور الأوروبي.و لا تنس أن " نجوم " الفنأفريقانية بنوا شهرتهم في البلدان الأوروبية بينما هم شبه مجهولين في بلدانهم.لكن كل هؤلاء الفنانين الأفارقة الـ " مشهورين" انما يتم استقبالهم في المشهد الأوروبي باعتبارهم كائنات زنجية نورها الأسود يضيء صالات الجمالية العرقية من شاكلة " المعهد الأمريكي الأفريقي بنيويورك" أو الـ " ناشونال ميوزيوم للفن الأفريقي بواشنطن" أو" معهد الكومونولث في لندن" أوغاليري " ايوالوا هاوس " في يايرويت" أو " دار ثقافات العالم في برلين" و هلمجرا..
و المرور السريع على برامج المعارض التي تنظم في هذه المؤسسات المهتمة بالثقافة الأفريقية في خلال العقدين الأخيرين يمكن أن يؤمّن على أولوية التوجه العرقي الزنوجي لهذه الأمكنة التي تعمل كما الـ " معابد " للديانة الفنأفريقانية.و في خلال العقدين الماضيين استشرت حمى الاحتفال بالفنأفريقانية الأوروبية كما الوباء ، بل و فاضت عن سعة الأمكنة الأثنولوجية المألوفة في المتاحف المتخصصة وأقسام الدراسات الأفريقية في الجامعات لتصل أمكنة أكثر تنوعا و أوسع شعبية.و اذا أخذنا فرنسا كمثال فسنلاحظ بسهولة أن هناك عدد متنام من الحواضر الفرنسية المتوسطة صار يكرس الجهد و المال للاحتفال الدوري بالفن الأفريقي من خلال شكل المهرجان الذي يستمر لأيام أو لآسابيع بحالها.و متحف كبير كـ " متحف الانسان " خوّل صلاحياته الاثنولوجية منذ سنوات لعملاء الفنأفريقانية في مؤسسات حديثة اكثر مرونة و أكثر كفاءة من نوع " آفريك أون كرياسيون" [أفريقيا الابداع] و " الجمعية الفرنسية للحركة الفنية" [ آفا] التابعة لوزارة الخارجية الفرنسية، أو " المتحف القومي لفنون أفريقيا وسكان المحيطات" و هو المتحف الذي كان مخصصا لأشياء المستعمرات في السابق و كان " جان هيبير مارتان" ، أشهر مديريه، قد نظّم فيه عدة تظاهرات فنية ناجحة تركز على فنون المجتمعات غير الأوروبية.[و هو نفس " ج.هـ. مارتان" الذي سيشتهر في عالم الفن غير الأوروبي بسبب تنظيمه للمعرض الأكثر أهمية في تاريخ الفن المعاصر غير الأوروبي ، معرض " سحرة الأرض " في أخر الثمانينات ، و هو معرض " مفتاح" سنتأنّى عنده بتفصيل لاحقا].
كل هذه المؤسسات الثقافية ـ و لو شئت قل " هذه الآلات الحربية" ـ صارت تعمل بكفاءة و بخبرة طويلة تؤهلها اليوم لعمل التظاهرات الفنية الكبيرة كالبيناليات و المهرجانات ، ليس في فرنسا وحدها، و انما في أي بقعة من بقاع العالم [ الثالث] حيث يحتاج القوم لخدماتها.
و هكذا تمت دعوة " شيري سامبا "، الفنان الكنغولي الـ " شعبي"[ و أضع العبارة بين الأقواس تحسبا] ليعرض لوحاته التي يصنفها القوم عادة في باب الفن " الساذج" أو الفن " الفطري " أو الفن " البدائي" ، كون الرجل فنان عصامي تعود أن يرسم لأهل الحواضر في الكونغو على نهج العصاميين السودانيين و اسلوبه أقرب لأسلوب حسن البطل أو أبو الحسن مدني. وجه" المتحف القومي لفنون أفريقيا وسكان المحيطات" الدعوة ل" سامبا" كي يعرض أعماله للجمهور الباريسي الذي يعرفه منذ معرض " سحرة الأرض ". و في اجابة ملهمة على سؤال لمحرر جريدة " لوموند" استطاع " سامبا" ،بأسلوبه المزعوم " ساذجا"، استطاع أن يلمس موضع الضلال العرقي في سياسة ال" آبارتايد" الثقافي الذي تمارسه مؤسسات الرعاية الفنأفريقانية تجاه الفنانين الأفارقة. قال "سامبا" " طبعا هو شيء محمود أن تعرض أعمالي في " المتحف القومي لفنون أفريقيا و سكان المحيطات"، لكني أتساءل لماذا لم توجه لي الدعوة لعرض لوحاتي في " متحف الفن الحديث " ؟هل " متحف الفن الحديث " متحف عنصري؟" .
Le Monde 10/8/1997
لا شك أن عبارة " سامبا" قد أضحكت بعض محبي الفنأفريقانية ممن وجدوا فيها دليلا سهلا على سذاجة " سامبا"، لكن في ما وراء ضحك الضاحكين، فان عبارة " سامبا " الجبارة تلخص كل تعقيد الضلال الفنأفريقاني المعاصر.
وعبارة "عنصري" في توصيف مؤسسة متحفية كـ " متحف الفن الحديث " تبدو" مشاترة" لحد الفكاهة لكن " الشتارة " الحقيقية تبقى في منطق التصنيف المتحفي نفسه.ذلك أن " متحف الفن الحديث " عنصري مثله مثل غيره من المتاحف ـ بما فيها متاحف الفنون الأفريقية و متاحف فنون سكان المحيطات و التي ـ بحكم منطق التصنيف العرقي ـ تستغني عن أعمال الفنانين الأوروبيين بيض البشرة . بيد أن وقاحة " شيري سامبا " الساذجة تجعل منه نوع من قنطرة فاضحة بين متناقضات النسخة الفرنسية للفنأفريقانية المعاصرة.فمن جهة هناك " جان كلير" في دور الحارس اليقظ الساهر على مدخل اليوتوبيا الأوروبية المتهالكة و المفخخة بالشقاقات البائدة للتصاوير المقدسة، و من الجهة الأخرى يقف خصمه الحميم " جان هيبير مارتان" في دورالقبطان" نوح" المهموم ـ قبيل الفيضان الرأسمالي المتعولم ـ بانقاذ كافة الثقافات في سفينة الغرب القمينة بتجسيد حلم يوتوبيا بلا حدود.يوتوبيا انسانية هي فردوس الهويات الثقافيات بدون فرز.