الأربعاء، 4 تموز، 2007

الفنأفريقانية السوداء ـ نية

الفن أفريقانية السوداءنية

أبّكر يا أخانا في أفريقيا ..
سلام جاك
و هاك:
أولا بالتبادي حكاية الترحيب بالاعضاء" الجدد" دي ما واقعة لي، لأني اعتبر الموقع دا منتدى للحوار ودفع المفاكرة في القضايا العامة ذات الأولوية في مشهد اهل السودان. قضايا الديموقراطية و التنمية، يعني لا هو مقهى شعبي عام و لا هو بيت خاص لمن تملّكوه بالتقادم. وكون زيد اكتسب عضوية المنتدى قبل عبيد فذلك لا يسوّغ له بأية حال اتخاذ وضعية المرحّب المريبة التي يكسب لنفسه بذريعتها حظوة رمزية غير مبررة، حظوة "سيد البيت" الذي يستضيف القادمين الجدد و يحسن وفادتهم حسب أسطورة الكرم السوداني الاصيل ، و" الدين في الكتوف و الاصل معروف" كما تقول حكمة مولانا ود اب زهانة. و هذا يا صاحبي ضرب من" تكفين الميتات" الاسافيرية ينتفع به داجنة الكتاب من صنف هذا البرنس الأمُّور الذي يجري بثرثراته بين المواقع الاسفيرية و لا يضيره أن " يبخّر" سجيمان في سودانيز أونلاين تارة و يدافع عن كمال الجزولي طورا، قبل أن يهرول للترحيب بك في سودان للجميع ترتارة .و اذا في زول ممكن يرحّب او ما يرحّب، فمن باب اولى يكون هو الشخص المسئول عن الادارة في الموقع المعني. و الادارة في ما أرى منفعة تنظيم لا تعود على القائم عليها باي حظوة تشريفية بخلاف" أجر المناولة"( و قد تعود عليه أحيانا بمنفعة " الشرة في القندول" و نجاة أدرى).

القراءة الكاتبة

أقول: جعلني هذا الموقف اتجنب النظر في بوستات الترحيب كون أغلبها عامر بأدب المجاملات السودانية " الخُسوسية" التي تقع في حيّز الكلام الشخصي الذي لا يهم القراء، أو العمومية التي تتصنّف في باب الـ "بوليتكلي كوريكت" كون الناس في مقام الترحيب لا يطيقون حديثا غير حديث التطييب .
و قد دفعتني قراءة حديثك في شأن " اتحاد الكتاب الشاقية" الي النظر في بوست الاخ مصطفى آدم " رحبوا معي بالانسان أبكر.." بتارخ 26 نوفمبر 2005 ، بعد أن تجنبته زمنا، خوفا من تبعة العادات الادبية الاسفيرية لصفة " الانسان" التي منحك اياها مصطفى كخصوصية تميزك عن سائر بني الانسان الآخرين، كما يميز "الاخوان المسلمون" أنفسهم عن سائر المسلمين بصفة " المسلمين"، التي تضمر أن بقية الخلق "أخوان ساكت"، ما مسلمين.أو كما يميز اصحاب التشاشات الطفيلية البيزنس بتاعهم بالحاقه بصفة" الاسلامية" ، من نوع : " الجمهورية الاسلامية" و" الاشتراكية الاسلامية " و " الديموقراطية الاسلامية "و " البنوك الاسلامية" و " البقالة الاسلامية " لغاية " البيرة الاسلامية بدون كحول " و ما خفي أزرط.
أقول : تأملت في بوست الترحيب الذي افتتحه الاخ مصطفى آدم بعنوان : "رحبوا معي بالانسان أبكر..".وما تلاه من بوستات للأصدقاء من أيمان شقاق لحسن النور ، لخضر حسن خليل ،لأحمد المرضي ، لنجاة و للحسن بكري (وما كان من أمر" حياءك" و "غضبك" الخ)، لغاية بوست عائشة المبارك التي اختلست لنا قصيدتك " صوت الوتر السادس ". و قد شحذ فضولي الاطراء الذي بذله في حقك الصحاب المرحبون اعلاه كما تعجّبت من قراءتي الثانية لقصيدتك : "صوت الوتر السادس"، العامرة بأيقونات السودانوية التي تداهن ذاكرة القاريء العربسلامي( بلقيات بلاغية مستعارة من المجذوب و محمد المكي ابراهيم و عبد الحي و آخرين) ثم تُؤثّمه على ذنب تاريخي تورّثه اياه، بغير وجه حق ، بقرينتي العرق و الدين.أقول : " من قراءتي الثانية" لقصيدتك الغميسة " صوت الوتر السادس "( في موقعك الالكتروني) ـ لأني قرأتها اول مرة في 1999 ، حين نشرتها أنت في مجلة " كتابات سودانية"(العدد العاشر 1999)، التي كانت تصدر عن مركز الدراسات السودانية بالقاهرة ـ تبدّت لي فيها خوافي لم انتبه لها عند القراءة الاولى .و هذا باب في أدب القراءة عجيب، كون البصيرة القارءة تعيد كتابة النص على ضوء متغيرات الزمان و المكان .و قد لاحظت أنك اخضعتها لقراءة ثانية، قراءة كاتبة، رفعت عنها بعض مقاطعها التي لابد أنها لم تعد ترق لك ضمن ظروف تحوّلات المشهد الجيوبوليتيكي.
في النسخة المنشورة في موقعك الالكتروني اختفت عبارة " لعرسها" من مقطع" القلب زكّته الخيول لعرسها يوم الرحيل فكان ميلاد المطر".
و بعدها بسبعة أسطر اختفت عبارة" فنيلتي الشوهاء " التي كانت بين
" بكاء أخي الصغير
فنيلتي الشوهاء،
سروالي الممزّق من مطاردة السحالي و الورل ."
و في نهاية النص اختفت الاسطر الثلاثة التالية:
"و لوجه سلمى و النهارات الصبية ما سيأتي من غناء
شكرا لكم يا سيدي..
و غدا نعود ."
و لا تظنّن اني آخذ عليك تعديلك لنصك، حاشا ،فمن جهة أولى ،فالكاتب كائن حر، بل هو في أكثر حالات حريته اكتمالا حين يتحقق في حميمية فعل الكتابة، و من جهة ثانية فالنص كائن حي ، يحيا و يموت، و قد يبعث حيا من بعد موت ، بفضل تباين القراءات الكواتب وتعدد النظر الجديد و تبدل السياق الاجتماعي.و أنا في نهاية تحليلي أحمد لك عكوفك على نصّك ، على تواتر الازمنة و الامكنة.بيد أن تعدد النصوص المتمخّضة عن النص الابتدائي لا يلغي مسئوليتك عن كل نص جديد صدر عنك.و الكاتب مسئول عن كل عبارة و عن كل كلمة و عن كل حرف يكتبه، مثلما الرسام مسئول عن كل لون و عن كل شكل يخطه، مثلما الراقص مسئول عن كل حركة وكل ايماءة تصدر عن جسده في سياق الزمان و المكان و الخ و" شرحه " في فضاءات التعبير الاخرى بما فيها فضاء الفكر السياسي.و بما أنك بين نفر من الكتاب السودانيين الذين يسعون بالنصوص بين أرض الأدب و أرض الفكر السياسي فان قراءتك هنا و هناك لا تفلت من ملابسات تأثير هذا النص هنا على ذاك النص هناك ، و" الحساب ولد" كما تقول حكمة الذكور المريبة.و في هذا المنظور أقرأ ذلك المقطع من قصيدتك " صوت الوتر السادس ":
" الخرطوم (1)
الدرس الاول : التاريخ
المهدي نخاس شهير
شولة
عبد اللطيف : لم يكن في مسرح الوطن الجميل،
بل كان منهمكا يخطط لانقلاب عسكري
كي يعيد الى أمية أصلها القرشي و النسب النبيل
عبد الفضيل:
كان نشالا و لصا موغلا في الاحتراف
نقطة ، سطر جديد
الخليل:
كان يسكن فيلا
و يبيع اغنية تزيف طعم البلاد
و يقاسم السلطان قعدته الخليعة، و احتمال أن يكون مجندا في الامن..
احتمال
و مهيرة:
بائعة المريسة،
أول سلطة للغيب تمتهن الغناء المستغيث دعارة،
و تمارس التعريص في الليل البهيم
و نكون أولاد الحرام
طوبى لنا "
و القاريء في مواجهةهذا النص يحال لمتكلم غامض لا أحد يعرف ما اذا كان هو شخص الشاعر نفسه، أعني الشاعر الذي نصّب نفسه ناطقا رسميا باسم المهمشين الزنج من ضحايا الأيديولوجية العربسلامية التي يعلن عليها حربا كاملة شاملة مادية و رمزية، أم هو معلّم متسلّط في مدرسة السلطان المستبد الغاشم يملي على التلاميذ نسخة مزورة من تاريخ المقاومة الوطنية، أم هو مجرد ولد " مشوطن" لسانه فالت من كل قيد و لا يدري ما يقول،و جهل القاريء بنوعية الجهة التي يصدر عنها الخطاب يجعل النص معرضا لمخاطر القراءة المغرضة و التسوّي بايدك يغلب أجاويدك و يتجاوز حدود مسئوليتك الاخلاقية تجاه ما تكتب..و طوبى لـ "أولاد الحرام"، و أي" حرام"؟ حرام المجتمع العربسلامي الذي يشوف الفيل و يُذْعن في ظله؟ أم حرام الايديولوجي الذي ينتفع بوسيلة الشعر في تهريب ما لا تطيقه وسيلة الفكر الى فضاء الحوار الاجتماعي الدائر؟
ولا أطيل أكثر من هذا ، و كما ترى يا صاح فان فولة" القراءة الكاتبة" تفيض عن سعة مكيالي الحالي، لكني عائد لهذا الامر قطعا قريبا و في خاطري قراءات لنصوص سودانية مشهودة صارت جزءا أصيلا من أثاث الخطاب السياسي الحديث في السودان.

الجيل " الاعتباطي"

أقول: شحذ اطراء الصحاب في بوست الترحيب فضولي ، فتوكلت على الحي القيوم وحاولت النظر في بقية آدابك المعروضة في موقعك ، فوجدت ما لذ و طاب من أنواع الأدب و التفاكير النقدية السياسية التي تستحق التأنّي، مثلما وجدت تصانيف عجيبة من أدب الضحيّة السوداني الجديد. و ما أسميه بـ "أدب الضحية" السوداني هو نوع أدبي بكائي جديد، برع فيه نفر من كتاب السودان الجدد الذين تمخّضت عنهم تناقضات الآيديولوجية العربسلامية في السودان . و هم قوم متعددو المشارب و المآكل، ينطقون باسم الشعب و يتباكون و يتشاكون في الفجوات الايديولوجية لبُنى اليمين و اليسار في السودان. و قد يتحالفون ـ عند اللزوم ـ باسم مفهوم غامض اسمه" الجيل" أو" الشباب" على قتال الجيل القديم و خلافه. و سأعود لـلمضمر في " خلافه " هذي لاحقا لزوم تحليل بعض الحالات و النماذج البارزة التي يمكن أن تسهم في اضاءة المشهد الفكري و الرمزي الذي تتحرك عليه في معية هذه الكائنات السياسية المتذرعة بذريعة السن .
و قد بذل لك محرر جريدة "الحرية" ، أسامة عباس، مزلقان اسمه :" حوار/حرب" الأجيال الكاتبة في السودان فلم تقاوم اغراء الانزلاق في فخ مريح ،" بوليتيكلي كوريكت"، و تناسيت مقولات مولانا كارل ماركس التي بنيت عليها جزء كبير من بأسك الآيديولوجي.فحين يسألك أسامة عباس:" كيف تنظر الى هذا الجدل: جيل قديم /جيل جديد، كتابة قديمة /كتابة جديدة؟"،تجيب بنفي موضوعة الجيل مبدئيا على أساس أنها موضوعة " اعتباطية لدرجة لا تسمح للمرء بالخوض معها بجدية".
(abbakaradam.com)
بل أنت تؤكد على الطبيعة" الاعتباطية" لـ " صيغة الجيل" ثلاث مرات في معرض اجابتك على السؤال ، الا أن ذلك التأكيد لا يعصمك من الالتفاف على اعتباطية موضوعة الجيل فتعاود متسللا من" دريب قش" الكتابة القديمة/ الكتابة الجديدة، الذي بذله لك أسامة عباس.و أسامة مغرض، و غرضه واضح بلا مداورة كما أعلن عنه في مشروع بناء " ملف كبير حول الاجيال الكاتبة في السودان".لكن مشروع أسامة كان يتوقف على نوع الاستجابة التي قد تجيء من طرفك. و كان من الممكن ان ترفض الخوض في المسألة الاعتباطية ، فينتهي الامر عند هذا الحد، كما كان من الممكن ان تخوض فيها بما يمكنك من شرح و تحليل اسباب اعتباطيتها و الدوافع التاريخية التي تجعل أسامة يخصها بـ " ملف كبير"، لكنك اخترت أن تخوض مع التيار.لماذا؟ مندري.
و كوني لمست في أدبك السياسي جهدا مقدرا في نقد أيديولوجية الانظمة العربسلامية في السودان فهذا شيء محمود و ضروري و منطقي مع طبيعة الواقع السياسي الراهن في السودان و مع طبيعة المسار الذي اتبعته أنت "ابن القرية القصيّة" من الهامش للمركز الحضري.و هو أدب سياسي نقّاد لا يتاح الا لمن واجهته، بشكل واقعي، اسئلة الاستبعاد الطبقي و العرقي التي يكابدها جلّ المهمشين في السودان العربسلامي.و قد لمست ميلك للحديث باسم المهمشين من ضحايا الايديولوجيا العربسلامية في السودان، و لا جناح فالزلابيا للجميع، الا أن الافق العرقي الذي دبّرت عليه استراتيجية المفاكرة الاجتماعية في خصوص تحرير المستضعفين في بلادنا يضيق عن استيعاب المهمشين داخل الفضاء العربسلامي ، و قد يستغني عنهم بذرائع الهيمنة التاريخية لبني الثقافة العربسلامية التي ينتمون اليها، فكأنك تختار عامدا وضعية الناطق الرسمي باسم" الكتلة السوداء" أو" المجموعة الزنجية" أو" التجمع الافريقي" الى آخر الترهات العرقية التي تفتقت عنها قرائح مقاولي الهويولوجيا المعرقنة ، ممن تعودوا على اتخاذ المجموعات العرقية رهائن أو دروعا بشرية في مشهد النزاع السياسي السوداني.غير أن مواجهة أسئلة الاستبعاد، حين تقتصر على البعد السياسي وحده ،لا تؤدّي ، أو قل هي لا تؤدّي الا الى وضعية" الاستبعاد المعاكس" بحيث ينمسخ المستبعد، بنصب العين ، الى نسخة سلبية (" نيقاتيف")، أبيض و أسود من المستبعد، بكسر العين( و الاستبعاد انما يقوم على" كسر العين" أولا و أخيرا).و قد لمست شيئا من هذا حين تأنّيت عند بعض نصوصك الادبية المعجونة بالفنأفريقانية الباسلة أو بـ " الغضب المدمر"، حسب عبارة الصديق مصطفى آدم حين أخذ يتعذّر و يتذرّع بصورتك الفتوغرافية عقب " زرزرة "الحسن بكري في موضوع" الحياء" اياه.( راجع بوست رحبوا معي بالانسان أبكر 5 يناير) . و الكلام عن الصورة فولة تانية تنتظر كياليها.المهم يا زول ، بدت لي الاجابة الابداعية التي تقدمها كأديب لسؤال الاستبعاد المركب، المادي و الرمزي،بدت لي كمثل استجابة شرطية معاكسة يفقرها الانفعال عن مفصلة أسباب الاعتراض و حججه ضمن كيمياء الغضب الخلاق. فأنت في غضبك الادبي كاميكازي ، تفتح النار على جميع العربسلاميين بما فيهم أنت نفسك.( و عربسلاميتك يا أبابكر فولة ثالثة أنا جاييك ليها).
أقول أنت تفتح النار علي الجميع بدون فرز: يعني من كمال الجزولي ليوسف فضل و تاج السر الحسن، الذين مسختهم عملاء سرّيين للشايقية في اتحاد الكتاب السودانيين، و انت طالع لمحمد احمد المهدي النخاس لعلي عبد اللطيف الانقلابي عميل أميّة، لعبد الفضيل الماظ النشال اللص، لخليل فرح مهرج السلطان، لمهيرة العاهرة المعرّصة لغاية ناس يوسف فضل و تاج السر و آخرين.. شفت كيف ؟

غنائم الحرب الثقافية

أقول : قرأت نص" صوت الوتر السادس" قراءة أولى في نهاية التسعينات في " كتابات سودانية".كانت تلك قراءة بريئة، السماحة الجمالية فيها تغلب على النظر الآيديولوجي، و ذلك لأن الثقل الايديولوجي، الذي يلبّك قراءتي الراهنة، كان غائبا عن هذا النص حين قرأته في نهاية التسعينات.و هكذا تخلّقت علاقتي الجديدة بالقصيدة بعد أن قرأتها مرة ثانية على ضوء الفضول الذي أثاره في خاطري بوست" اتحاد الكتاب الشاقية" ـ سيّما و أنا يا صاح شايقي فرنسي من النهود،(على كل حال اذا اتضح انو الشايقية استولوا على اتحاد الكتاب ضمن التقسيم الاخير للسلطة و الثروة في السودان فمن باب أولى نشوف لينا شليّة من دار الأ(د)ب الخربانة ، و من يدري؟ فقد تنفعني شليّة "بيت الادب" السوداني في ترميم "خانة " الأدب" الفرنسي و كلنا في الهم غرب) ـ أقول: الغرض( و الغرض مرض) الواضح في قراءتي الثانية المتوجّسة لنص" صوت الوتر السادس" يستمد مشروعيته من مداخلة اتحاد الكتاب الشايقية التي تعرّض فيها بعرب أفريقيا( و بزنجها) على نحو لا يليق بالكيد الأيديولوجي التي توسّمته فيك.
فأنت حين تعارض استنارة الكتاب السودانيين بتجربة" اتحاد الكتاب المغاربة" في السودان، بتجارب اتحادات كتاب " أفريقية" لا تسميها ،أجدك تتعامى عن كون العرب في أفريقيا هم أفارقة مثلهم مثل غيرهم من أهل القارة الآخرين بما فيهم بيض جنوب افريقيا و هنود كينيا و"ميجراب" السودان.كما أجدك تتجاهل ـ و لا أظنك تجهل ـ بداهة كون اللغة العربية ـ مثلها مثل الانجليزية و الفرنسية ـ هي لغة افريقية خالصة للناطقين بها ، مثلما هي، على حد عبارة كاتب يس ، " غنيمة حرب" عند الناطقين بغيرها.

شرح العنقريب و شقاء حنّا

بل أراك تقع في شر أعمالك حين تتساءل:" اتحاد الكتاب الشاقية ده لو يعني اطّوّر و رجع لأصله ".." حيبقى شنو؟" اتحاد الكتاب الاسلاموعروبيين"؟" طيب أنحنا دخلنا شنو؟" ، و تحشر نفسك بين سر أناي و ستيلا قاتيانو و فرانسيس دينج و ابراهيم اسحق الذين يكتبون في لغات افريقية شتى ،(شي عربية عاربة وشي انجليزية و شي عربية دارفورية أما عن انجليزية جمال محجوب و ليلى ابو العلا فحدث)، بينما أنت ، تحت أغلال لغة الضاد الخرطومية ، تنتج أدبا يطرب جمهورك من أولاد و بنات العربسلاميين الذين تتأفّف منهم و لا تطيق تخلّيا( حتى أنك تشرح لهم أن " العنقريب " هو" السرير الخشبي في نصك القصصي " حكاية الولد القروي")، فتأمّل في" هكذا شقاء" كما يقول كتّاب" الجيل الجديد"، بدلا من " شقاء كهذا" كما يعبر كتاب الجيل القديم. وهذا الشقاء ، شقاء القسمة بين ما هو حار و ما لا يُنْكَوى به،هو في مشهد الكاتب المعاصر ، قدر أدبي جليل أغبطك عليه بأكثر مما يفعل حاسدو القرد على حظوة الاحمرار في الموضع اياه.و صدّقني، ليس هناك لعنة أنفع للكاتب من " لعنة حنّا" الذي تفرق دمه بين الاديان، و" لعنة حنّا" يا صديقي حكاية يحكيها أهلنا في النهود عن رجل نصراني رقيق الحال، قالوا أن بعض مسلمي المدينة في اربعينات القرن الماضي اقنعوه بترك المسيحية و اعتناق الاسلام ، و وعدوه بالدعم المادي واصلاح الحال .قالوا أن الرجل قبل و جاء الى المسجد و اشهر اسلامه يوم الجمعة ثم وافته المنيّة يوم السبت، و الأعمار بيد الله.قالوا أن أم حنّا كانت تنوح عند قبره و تردد:" يا حسرتي عليك يا حنا، عيسى غضبان عليك و محمد ما سمع بيك".و يبدو أن مشكلتك يا صاح تتلخص في كون أهل الهامش الأفريقاني، لم يسمعوا بك، أو قل: لم يقرأونك( مهما كانت اللغة التي قد تتوجه بها اليهم)و ذلك لأنهم ببساطة لا يقرأون ، و معرفة القراءة امتياز طبقي في هذا البلد الجاف المتلاف . و هم ـ أهل الهامش ـ بالتالي لم يسمعوا بدفاعك المحموم عنهم، بينما أنت، في عزّ المسرح العربسلامي ،تناكف جمهوره و تسبّ أيقوناته التاريخية في عربية فصحى تطرب جمهور الصالة أيّما طرب، فيحتفى بك في مقام " الآخر "، آخر اولاد العرب .و وضعية " الآخر " ، لو قبلت بها يا" أبابكر" ـ و أنا أظن آثما أنك تنتفع بمردودها السياسي الآني ـ فالرماد كال حمّاد ، ذلك أن وضعية " آخر" العربسلاميين هي في الحقيقة هدية مسمومة غايتها صيانة استبعادك كدخيل أزلي على المركز،فضلا عن تكريس القسمة العرقية كأساس للقسمة الاجتماعية، ناهيك عن نكران التداخل المادي و الرمزي البالغ التركيب بين مكونات واقع المجتمعات السودانية.
و حين أقول : أغبطك على" شقاء حنّا"، ففي خاطري أن مقام الكاتب الحقيقي هو في اختياره الواعي ، بعد القصد و الترصّد ،لأرض الأمور المشتبهات التي يتداخل فيها الحلال و الحرام و وقوفه، منبوذا و متعاليا في آن ، على برزخ حرج بين البيض و السود ، خائنا للعرب وخائنا للزنج ، و منفيا من الغابة ومن الـصحراء .. . هل قلت " الغابة و الصحراء"؟ لا، عفوا ، فأهل " الغابة و الصحراء" ، من الافندية السنارويين الذين قنعوا بسكنى صحراء العربسلامية الايديولوجية، استطابوا انتهاك الغابة الزنجية لزوم العربدة و الاستزادة من الدم الافريقي.(و ده الغتّس حجرهم في شبر موية الانقاذ الاسلامجي)، بينما أنت يا صاح تبني البيزنس السياسي بتاعك في الغابة الفنأفريقانية و تنتهز مشهد الصحراء انتهازا، تعربد عليه أمام جمهورك السودانوي، وتهجو رموزه الكبيرة بجرائر تاريخ لم يصنعوه ثم تنتظر الاعتذار.

و شقاء كمال الجزولي كمان

أقول: أن الاجابة الابداعية التي تطرحها في نصوصك الادبية لسؤال الاستبعاد، تستحق التأنّي بسبب التعارض بين بساطتها الظاهرة و مستوى التركيب الذي يميز بعض نصوصك السياسية لنفس السؤال.هل يمكن فهم هذا الامر بحداثة عهدك بأدب أولاد العرب المعاصر ،كما نوّهت في المقابلة مع الاستاذ أسامة عباس محرر " الحرية " الثقافي الحديث:"..لم أكن وقتها أعرف ما يسمى بالحداثة و الشعر الحديث و رؤيا العالم و ما أدراك( هذا في أوائل الثمانينات)و لكني لما نزلت على الخرطوم ".." تورطت في قراءات عشوائية في كافة مجالات المعرفة(أي انني كنت حاطب ليل).".." و عبر" مجلة الثقافة السودانية " التقيت بمحمد محي الدين الذي ساقني الى أسامة الخواض و محمد مدني و بقية الانجم..".
و أنا أفهم أنك لم تلتق بالكثيرين من الادباء السودانيين المعاصرين، كون معظمهم في تلك السنوات كان قد هاجر أو طرد أو بقي سنينا في معتقلات النميري زي كمال الجزولي مثلا .تعرف يا أبكر حين كان ناس الخواض و" بقية الانجم" الخرطومية يخوضون في البنيوية المترجمة و غير ذلك من أنواع الكلام المباح، كان كمال الجزولي من داخل المعتقلات يعالج الشعر في أمر الدولة التي تدبّر الكشّات ضد الشماشة و تلاحق فقراء المدينة و
"تركض خلف نشال صغير لتحفظ الأمان،
و حلف صبية صأوا ..
كما القرود
كرّا و فرّا في محطة الوقود
بنَشَق يجود العامل الليليُّ ..ربما،
أو.. لا يجود
و خلف باعة زُُغب تقافرزا
في زحمة السوق الكبير .. كالجرذان،
و بعد كل غزوة
رأيتها
ـ الدولة ـ
تقبض جُعلها المرصود
من سادة السُّحت ذوي الزنود،
يحلفون باسم الله،
من دغش الصبح للمساء يحلفون،
يذهبون للحجاز كل عام
ـ كل عام يذهبون ـ
و يرجعون حشفا و سوء كيل
مثلما ذهبوا
يطفّفون في الميزان
......
.....
بالسياط ،
و بالألسن الحداد كالسياط ،
رأيت العَسَسَ الوعّاظَ ..
يحلبون التيس جهرة ،
و يدخلون
الجمل
في
سَم
الخياط "
(1984)" تركية ، الكراسة الاولى من دفتر يوميات أم درمان"
(أم درمان تأتي في قطار الثامنة، نشر دار العلوم ، دار التراث، 2004).
هذا يا صاحبي بعض تفسيري لكونك لم تتعرف على شاعر من طينة كمال الجزولي" العربسلامي" الذي طاب لك أن ترجمه بالغيب ككاتب "يصدر من موقع آيديولوجي اسلاموعروبي".. تقول:"و هذا الموقع ليس مجرد موقع حدوده الورق و المنابر الاسفيرية فحسب، و انما هو موقع مهيمن و في يده سلطة الدولة و مؤسساتها في السودان و مسنود بخلفية امبريالية اسمها العالم العربي"(أبكر آدم اسمعيل في بوست عبد الحميد البرنس بموقع سودانيز أونلاين المعنون " تأملات في عالم سي جي الساخر" بتاريخ 1/1/2006 ). لكن الأدهى و أمر من كل هذا، هو أن شقاء كمال الجزولي لا ينتهي هنا كعميل سري لسلطة الدولة الاسلاموعروبية في السودان المسنودة بأمبريالية العالم العربي كمان. لا ، شقاء كمال الجزولي يمتد حين يتصدى للدفاع عنه عبد الحميد البرنس هيمسيلف، و عبد الحميد البرنس لمن لم يسمعوا به بعد هو حامي/حرامي سجيمان الذي يحسده عصام جبرالله " على طولة باله" ، أو كما قال: " أحسد البرنس على طولة باله و أحس كم الانسانية و الرهافة و الحساسية تجاه الآخرين في كل ما يفعله و كل عام و أنتم بخير" ( عصام جبر الله في تعليق بتاريخ 11 يناير على بوست البرنس المعنون " مساهمات سابقة في بوستات سجيمان ، مبادرة ذاتية توثيقية" سودانيزأونلاين 11/1 )،
نهايتو، لا تعليق على تعليق عصام جبر الله سوى أن " حسد الناس مذاهب" و فيهم من يحسد البرنس على سواد وقعته.
لقد شنّعتما ، يا أبابكر على كمال الجزولي، أنت و أخوك الكاشف البرنس، أسوأ تشنيع حين طاب لكما استخدامه ضمن استعراض أخرق فحواه اقتسام المشهد بين من يدافع عن كمال الجزولي و من يهاجم كمال الجزولي. عشنا و شفنا كمال الجزولي الذي أنفق زهرة العمر يدافع عن الشرفاء في السودان، و في أحلك شروط القهر السياسي، ينمسخ رهينة طيّعة تتنازعها أيدي حماة العربنة و حماة الزنوجة المتحالفين سرا بذريعة الانتماء للجيل" البان جديد"، و الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه..
لكن يا" أبابكر"( تزوغ وين من اسم زي ده؟)، ده كلو كوم ،و قولك بأنك لم تقرأ أبراهيم اسحق الاّ في الالفية الجديدة ،كوم تاني. فهذا اعتراف لا يليق بقدر من يتنكب الدفاع عن ابداع أهل الهامش لأن ابراهيم اسحق في المشهد الادبي المعاصر يَمثُل كأحد أنصع ايقونات "ادب الهامش"، ان سلمنا بهذا المصنّف المريب في حق ابراهيم اسحق. تقول :" و كاتب مثل ابراهيم اسحق مثلا فأنا لم أقرأ له الا رواية واحدة في الالفية الجديدة و بحكم عملي في مركز الدراسات السودانية ".
ترى من أي هامش " جاء هؤلاء الناس؟" الذين يتأففون من ماركس و ينظّرون في ما بعد الحداثة ثم يجاهرون بجهلهم بأدب السودانيين؟
و كيف أوكل اليك حيدر ابراهيم علي ـ الشاقي القح ـ مسئولية التحرير في" كتابات سودانية" و أنت لم تقرأ شيئا لكاتب سوداني في أهمية ابراهيم اسحق؟
أبكر يا أخانا الذي في امريكا الشمالية ذات العماد..
لعلك لاحظت اني قاومت رغبة عارمة في قفل هذه الفقرة من كلامي بعبارة أمي المفضلة " يا النبي نوح"، و ما ذلك الا لقناعة خفية من كونك ، مع الزمن ، قمين بتجاوز كل هذه المؤاخذات التي لمستها بين ثنايا نصوصك المبذولة على محاور السياسة و الادب في بلادنا.و أنا في انتظار ما قد يجيء من طرفك و سلام.
حسن