الجمعة، 5 كانون الثاني، 2007

1الفنأفريقانية،سحرو بهار و موز

بهار " حوار الثقافات"
( باريس 1989 )
في اطار احتفالاتها بمرور مئتي عام على الثورة الفرنسية، نظّمت السلطات الفرنسية ، في عام 1989 معرضا ضخما في متحف الفن المعاصر بمركز" جورج بومبيدو" و بقاعة "لا فيليت" الكبرى في باريس.كان عنوان ذلك المعرض هو " سحرة الارض"
Les Magiciens de la Terre
و ينظر الكثيرون اليوم الى معرض " سحرة الارض" كأحد أهم معارض الفن المعاصر خلال النصف الثاني للقرن العشرين ، كونه انطرح كأول معرض" عالمي" للفن المعاصر ، دون أن تكون صفة" العالمية" مقتصرة على الفنانين الاوروبيين و الشمال أمريكيين.
و يمكن تلخيص الطموح الرئيسي لمعرض " سحرة الأرض" في كونه سعي واع لتعريف منهجية معارضية تسوّغ للأوروبيين أن يستوعبوا في خانة الفن المعاصر مجمل نتاج الفنانين المعاصرين أينما كانوا.و ذلك على مبدأ بسيط فحواه أن كل ممارسة فنية اليوم هي جزء أصيل من عالم الفن المعاصر بصرف النظر عن السياق الاجتماعي أو الجغرافي الذي تتم فيه.و فيما وراء الطموح المعارضي لـ " جان هيوبير مارتان" قوميسير معرض " سحرة الارض"، فللرجل طموح انساني نبيل يؤسسه على فكرة تقدمية جبارة هي فكرة الشراكة العادلة الكاملة بين الرجال و النساء الذين يسكنون العالم المعاصر. شراكة في تراث التاريخ الانساني و في حقوق و واجبات الحاضر و في وحدة الحلم و المصير الانساني.و على هذا لا مناص لنا من التضامن على انجاز اليوتوبيا الانسانية السعيدة التي تنتظرنا في ثنايا الغيب.و في هذا المشهد ينمسخ قوميسير المعارض الى داعية نشط لآيديولوجية "الحوار بين الثقافات"، و حجته المركزية هي أن كل فنان ناطق باسم ثقافته المميزة ، و كل ثقافة أصيلة تقف على قدم المساواة في مواجهة الثقافات المغايرة، بل و كل ثقافة تنظر للثقافات المغايرة كظواهر اكزوتية مشوّقة و مدهشة.( أنظر نصّي " من اخترع الافارقة ؟" المنشور في قسم الدراسات ،فن تشكيلي، في" سودان للجميع دوت أورغ").
و منذ البداية ووجه مارتان بسؤال حرج هو: كيف نستوعب في خانة الفن المعاصر نتاج الثقافات غير الاوروبية التي تجهل" مفهوم الفن" ذاته؟(و هو سؤال يموّه بصعوبة قناعة مارتان السرية بكون مفهوم الفن شأن أوروبي و أن ما ينتجه غير الاوروبيين هو شيء آخرلا يمكن تصنيفه كـ "فن".)و للاجابة على هذا السؤال اضطر مارتان لعمل حفريات آثارية في ما وراء تاريخ الفن، ليحصل على شبهة الفن في بعض ممارسات السحر في المجتمعات البدائية.( و هنا قناعة سرية ثانية لمارتان كونه يحيل المجتمعات غير الاوروبية الى خارج التاريخ و يكرسها ككيانات بدائية معارضة بطبيعتها" السحرية " لمنطق الحداثة الرأسمالية الذي تأسست عليه فكرة الفن كممارسة انتاجية مميزة). و من خلال مفهوم الفن كضرب من السحر يُعَْرقن مارتان ثقافات العالم ليساوي بين المبدعين المعاصرين كقبيل من السحرة و" الكَجََرة" و الشامانيين.و على كل فصفة الفنان كساحر و كشامان كانت قد اسقرت في مشهد الفن المعاصر كصفة ايجابية و جذابة بفضل فنان الـ " هابينينغ" و الـ " بيرفورمانص " ، الالماني جوزيف بويس(1921ـ 1986).واذا كان من النادر اليوم أن تجد بين الفنانين الاوروبيين و الشمال أمريكيين المعاصرين من يقوى على مقاومة جاذبية صفة الفنان كشامان معاصر ، فهو في حكم المستحيل تقريبا أن تجد بين الفنانين غير الاوروبيين من يستنكف عن صفة الفنان الشامان بالذات حين تنطرح صفة الساحر الشامان كضمانة للأصالة الثقافية للفنان الموعود بدخول جنة الفن المعاصر التي يحرسها الاوروبيون.
و هكذا صمّم " جان هيبير مارتان " معرض " سحرة الارض " كملتقى عالمي للسحرة و الشامانيين من كل أجناس العالم وثقافاته بدون فرز.طبعا المشكلة مع هذا النوع من التصنيفات هي أنه لا يترك خانة لنوع الفنانين الافارقة المعاصرين الضالعين في تقليد الفن الاوروبي( أو الآسيوي)، أكثر من ضلوعهم في تقليد الفن الأفريقي و سحره الأصيل المزعوم.
و رغم ذلك يبقى معرض " سحرة الارض "، في نظري، علامة مهمة في مشهد تاريخ الظاهرة المعارضية المعاصرة.بل هو مرجع محوري في تقليد العرض الفني الحديث كونه طرح أسلوبا جديدا في عرض تناقضات المشهد الجمالي المتعولم.و أظن أن جملة مناهج العرض المعاصرة قد تأثرت "، بصورة أو بأخرى،بتجربة " سحرة الأرض. بيد أن معرض " سحرة الأرض"، الذي انطرح عام 1989 كفعل خروج حقيقي على عادات المعارضية الاوروبية،و قيل كـ "فضيحة" ثقافية ـ في المدلول السوريالي للعبارة ـ سرعان ما وقع ضحية لنجاحه الجماهيري الكبير.ذلك أن هذا المعرض بحكم كونه كان يلبي الأماني الطوباوية النصرانية لتجسيد صورة الوفاق السعيد بين الثقافات و الأعراق،فهو سرعان ما ألهم اعدادا متنامية من رعاة و قوميسيري الفن المعاصر بتكرار التجربة تحت مسميات متنوعة، تدور كلها حول محاور" الحوار" بين الثقافات و العلاقة مع "الآخر" و أسئلة "الهوية"و "الحدود" بين الثقافات و" الدياسبورا"و "التحوّل" و" التمازج" و" التداخل" و " الخلط"( ريميكس) الثقافي العرقي و "النظر" المتبادل. وللأفارقة نصيب الأسد في هذا المسعى و القائمة تطول:
1990,New York,Contemporary African artists : Changing Tradition,
New York City Studio Museum,Harlem, with a catalogue preface by Wole Soyinka.
1990,Glasgow Art Gallery,Art from the Frontline,
Frankfurt, Museum fur volkerkunde, Signs of the time : New Art from Africa
1991-94, New york City center for African Art, Africa Explores: 20th century African Art.
1994,Paris , Institut du Monde Arabe, Rencontres Africaines.
1994, Liverpool, Bluecoat Gallery, Seen/Unseen.
1994, Las Palmas de Gran Canaria,Centro Atlantico de Arte Moderno, Another Country, African Stopovers,( 24 artists from Africa and the African Diaspora).
1995, London, Whitechapel Art Gallery,Seven stories about modern art in Africa .
1995, Tokyo,Setagawa Art Museum of Tokyo, An Inside Story, African Art of our Time.
2000,Lyon, 5e Biennale d’Art Contemporain de Lyon, Partage d’ Exotisme .
2001, Berlin,Haus der Kulturen der Welt, The Short Century, Independence and liberation movements in Africa 1945 – 1994.
2001, La Biennale di Venezia,Authentic – Ex –Centric, Conceptualism in Contemporary African Art .
2003,La biennale di Venezia, Fault Lines, Contemporary African Art and Shifting Landscapes .
2004, New York, Museum for African Art, Looking Both Ways, Art of the contemporary african Diaspora.

2004 – 2006 , Dusseldorf, London , Paris , Tokyo etc., Africa Remix, Contemporary Art of a Continent .
2005,Barcelona, Centre de Cultura Contemporania de Barcelona, Occident vist des d’Orient .
2005,Paris, Musée des Arts Derniers,Africa Urbis, Perspectives urbaines .
قلت أن معرض " سحرة الأرض" كان يمثل خروجا مهما على عادات المعارضية الأوروبية كونه أيقظ عالم الفن الأوروبي و أجبر أهله على النظر في موضوعات فنية جديدة و مواقف جمالية جديدة تبذل نفسها كطرف أصيل من تقليد الفن الأوروبي الحديث.و لكن معرض "سحرة الأرض " بعد ستة عشر عاما من افتتاحه استنفذ طاقة الفعل التمردي و انمسخ اليوم لمجرد درس أكاديمي من دروس المعارضية المعاصرة.و معظم منظمي المعارض الناشطين على مشهد الفن المعاصر اليوم هم أفراد في حوالي العقد الثالث أو الرابع من عمرهم ، أي أنهم من جيل الطلاب الذين لم يزوروا معرض "سحرة الأرض " لكنهم درسوه في دروس منهجية المعرض و تاريخ الفن المعاصر حين كانوا طلبة في الجامعات.و يمكن أن نقول نفس الشيء بالنسبة لجيل الفنانين غير الاوروبيين(و الأوروبيين أيضا)ممن استوعبوا درس معرض " سحرة الأرض" و وعوه.كل هذه التحولات تضافرت على مسخ " سحرة الأرض " من موقف الخروج المتمرد على التقليد المعارضي لمجرد تمرين حرفي مدرسي بلا تبعات.و قد تعلم نفر واسع من الفنانين الأفارقة أساليب فبركة نوع الموضوعات و نوع الأشياء الفنية و نوع المواقف المطلوبة في سوق الفنأفريقانية.و بطبيعة الحال ، فان "جان هيبير مارتان" يعرف أكثر من غيره طبيعة المسد الذي انتهى اليه حوار الثقافات المفخخ بمنطق السوق و بسوء الفهم المتعمد المتبادل.بالذات حين تسعى كل ثقافة للمبالغة في التأكيد على ما تدّعيه من خصوصيات رمزية و عرقية حتى تتمكن من تبرير وضعية الحوار و التبادل مع آخرها المزعوم.طبعا كل هذه المناورة لا تتم في فضاء ثقافي محايد يتمتع فيه كل طرف بحرية اختيارطرف الحوار الآخر مثلما يتمتع بحرية أن يحاور أو أن لا يحاور.لا،الحوار بين الثقافات هنا الزامي و كل محاور يعرف دوره كما الممثلين على خشبة المسرح فضلا عن كون هذا الحوار لا يستغني عن شخص " قوميسير" المعرض ، المنظماتي أو المخرج الذي يلعب دور الحكم بين فرقاء قُصّر.وهكذا نجدنا في معرض " آفريكا ريميكس" أمام نوع من ابن شرعي أفريقاني لمعرض " سحرة الأرض"، ابن شرعي ثاني بعد معرض " قسمة الاكزوتية" الذي نظمه " مارتان" بمناسبة بينالي ليون الخامس سنة 2000.و ليس صدفة أبدا أن "جان هيبير مارتان" مهندس " سحرة الأرض" يظل حاضرا في " آفريكا ريميكس" كما العراب الذي يراقب العرض من الكواليس بينما أفضل تلاميذه ، القوميسير السويسري الأسود من أصل كاميروني ، يخلط و "يسوط" كل شيء بكل شيء.
و حين أقول " يخلط كل شيء بكل شيء" فأنا لا أبالغ في شيء ،و تكفيني الاشارة الى ذلك الموقف العجيب الذي شهدناه في واحد من سمنارات المتحف البريطاني على شرف " آفريكا ريميكس" . و هو موقف يجسد البؤِس المنهجي المريع لمعرض " آفريكا ريميكس" كون هذا المعرض انمسخ، بذريعة الخلط ( ريميكس)، الى مساحة من الفوضى المنهجية يختلط فيها حابل الفن بنابل السياسة الأفريقانية و لا أحد يقول للفنانين الأفارقة عينكم في راسكم.ففي ظهر الجمعة 11 فبراير خصص منظمو السمنار المعنون بعنوان :
In and Out of Africa : Art and Identities
حوالي نصف ساعة للبيشوب " دوم دينيس سينقولان"، ليتحدث للحضور عن المشروع الذي يشغله و هو" مشروع تحويل الأسلحة الى أدوات للعمل" الذي تشرف عليه منظمة "العون المسيحي" كريستيان أيد" في موزمبيق.
Transforming Arms into Tools (TAE).
قام الأسقف الموزمبيقي بشرح الدور الذي تلعبه منظمة " كريستيان ايد " الخيرية في استعادة قطع السلاح الناري من الفلاحين الموزمبيقيين عن طريق مبادلة قطع السلاح بأدوات للعمل أو للمواصلات ، كأن تتم مبادلة البندقية بماكينة خياطة أو محراث أو دراجة، او مبادلة المدفع بتراكتور الخ.و حين تجمعت قطع السلاح المستعادة بكمية مهمة عهدت بها الجمعية لجماعة من الفنانين التشكيليين الذين قاموا بتقطيعها و اعادة توظيفها في منحوتاتهم التجميعية او حتى في تصميم بعض قطع الأثاث الفنية.و بعد حديث البيشوب تم عرض فيلم دعائي عن المشروع ، ثم قدّم البيشوب للجمهور مجموعة النحاتين الشبان الذين صمموا منحوتة في شكل شجرة من قطع السلاح المستعاد المجمّع .و هي المنحوتة النصبية التي عرضها المتحف البريطاني في صالته الرئيسية عند المدخل المستعاد من قطع السلاح الناري الذي جمع من الفلاحين الموزمبيقيين.
و قد شاب الحضور في الصالة مزيج غريب من مشاعر الحرج و الضيق( و الغضب في حالتي)أثناء محاضرة البيشوب " سينقولان" ، كون هذا الرجل، على طيب نيته ونبل مشروعه، في بلد عانى و مايزال يعاني من عواقب الحرب الطويلة،انما يخاطب صفوة جمهور الفن الأفريقي المعاصر، من موقعه كداعية ديني، بخطاب في سذاجة البروباغاندا النصرانية البائدة التي لم تعد تنطلي حتى على النصارى أنفسهم.و في حديثه كان " سينقولان"، الذي استأثر تماما بالميكروفون، يركز على مشروع منظمة " كريستيان ايد" أكثر من تركيزه على دور الفنانين الشبان الذين كانوا في معيته، و لم يتح لهم الاّ فرصة دقائق للحديث عن تجربتهم الفنية في اقتضاب . و كان من الواضح أن منظمة " كريستيان أيد" قد وجدت في التظاهرة الفنية الأفريقية منبرا نافعا لعرض نشاطها الخيري على جمهور الفن الأفريقي المعاصر و الاستفادة من الاضاءة الاعلامية المصاحبة للتظاهرة الفنية الأفريقية،و هي تقنية بروباغاندا معروفة أدخل في أساليب القرصنة الاعلامية كون جمعية " كريستيان ايد"، ذات البأس الرمزي و المالي المشهود، تجعل من تظاهرة " آفريكا ريميكس" رهينة اعلامية تسوغ بها الابتزاز الأخلاقي تجاه جمهور الفن الأفريقي .وقد تسنّى لي ـ بين المعقبين المهذبين ـ مخاطبة البيشوب " سينقولان" بملاحظة تتلخص في عدم اقتناعي بكفاءة فكرة تحقيق السلام و التنمية بمجرد نزع السلاح من الفلاحين الفقراء.من جهة أولى ـ و هي جهة انسانية ـ لأن هؤلاء الفلاحون هم، تحت كل الظروف، مجرد فقراء و معدمين يفتقرون لأبسط أدوات الانتاج.و بصرف النظر عن حيازتهم أو عدم حيازتهم لأسلحة نارية يقايضونها بأدوات الانتاج التي قد تمدهم بها جمعية " كريستيان ايد" ( أو غيرها)، فمن واجب كل من يملك مساعدتهم أن لا يتوانى في توفير ما يحتاجونه من أدوات انتاجية تمكنهم من العمل والعيش الكريم دون قيد أو شرط .و من جهة ثانية ـ و هي جهة عملية ـ فان نزع سلاح الفلاحين الفقراء لا يعالج مشكلة الفلاحين و غير الفلاحين من الموزمبيقيين الآخرين ، ميسوري الحال، الذين يملكون السلاح و أدوات الانتاج معا ، فلا يطالهم ابتزاز " كريستيان ايد" .و من جهة ثالثة ـ و هي جهة آيديولوجية ـ ففكرة تحقيق السلام و التنمية بمجرد نزع سلاح الفلاحين الفقراء لا تؤدي ، و ذلك لأن أسباب العدوان و الحرب والاقتتال ليست كامنة في الأسلحة و انما في عمق الواقع الاجتماعي و السياسي الذي يكابده الناس ضمن المجتمع الطبقي التناحري الذي يكابده الافارقة مثل غيرهم من العباد.و لعل أقرب مثال أفريقي على بطلان فكرة نزع السلاح الناري من الفلاحين الفقراء هو ما حدث في رواندا ،عام
1994 ، حيث قام الفلاحون الأوتو الفقراء بقتل حوالي ثمانمئة ألف من الفلاحين التوتسي الفقراء مستخدمين أدوات العمل،" السواطير" المعدنية التي يستخدمونها في حش و تنظيف الزرع.فماذا ستفعل جمعية" كريستيان أيد" مع فقراء رواندا ؟ و بأي حافز تجعلهم يتخلون عن أدوات العمل التي انمسخت لأدوات ذبح و تقتيل؟
كنت أتوقع من البيشوب" سينقولان" أن يعقب على ملاحظاتي من واقع تجربته كموزمبيقي مهموم بمعالجة أسئلة السلام و التنمية ، و لكن الرجل "صهين "و فضل تجاهل اي اشارة لتعقيبي.و قد شغلني هذا الامر و كنت أتساءل عن دوافع هذا النصراني الأسود الأنيق للاعتقاد في سذاجة مشروع كمشروع " تحويل السلاح الى أدوات" كما كان البسطاء في القرون الوسطى يعتقدون في امكانية تحويل المعادن الخسيسة الى ذهب.ترى هل للمسألة علاقة بالاعتقاد النصراني الدارج من أن بني البشر يحملون جرثومة الشر في دخيلتهم كقدر أبدي لا فكاك منه ، بحيث أن فرصة الخلاص الوحيدة الممكنة تتلخص في الحيلولة بينهم و بين وسائل الدمار و هيهات ؟مندري ، لكن النصارى الذين أعرفهم هنا ـ و على تباين المذاهب ـ هم قوم على فطنة و على سعة من الخيال تجعلهم ينفدون من مثل هذه النظرة التبسيطية المشاترة التي يتربص بها أهل البر البروباغاندي على فقراء أفريقيا عند كل أزمة.و في خلاصة حديثي أظن أن ما يستحق التأني في موضوع نزع السلاح من الفلاحين الفقراء في موزمبيق هو أن البيشوب " سينقولان" لم يشر ، لا من قريب أو من بعيد ، لحقيقة أن الأفارقة لا يصنعون الاسلحة النارية التي يصدرها لأفريقيا صناع السلاح في الدول الأوروبية المتمدنة.
و اذا عدنا لحكاية الموزة الثالثة، فمن الممكن تلخيص مغزاها في كون الفن الأفريقي المعاصر كما يبذله لنا رعاته الأوروبيون هو ببساطة " نيشت قوت"، يعني بالعربي
Nicht gut !
و ذلك طالما حرص الرعاة و القوميسرات الأوروبيون على عدم قبول فرادة الفنان الوافد من أفريقيا كشخص راشد ضالع في المبحث الوجودي الجمالي بملء ارادته، و طالما تضامنوا على اختزال الفن الافريقي لمجرد تعبير عرقي أو وطني أو ديني لأهل القارة.
أما لماذا لا يقبل الرعاة الأوروبيون فكرة أن الفنان الوافد من أفريقيا يملك أن يعبر عن فرادة ذاته المبدعة فذلك أمر يمكن تفسيره في براح لاحق.. و سأعود لهذا الامر بتأن في المرة القادمة.


Remix London
ريميكس لندن
الأعزاء و العزيزات
سلام كتير و ألف شكر على اهتمامكم الحبيب
و أعتذر ـ لو ينفع الاعتذار ـ عن عجزي و تقصيري في التعليق الفوري على مداخلاتكم الشيقة ، و الفورية رياضة عنيفة تنطوي على شبهة الابتسار و أنا أتحسب من عواقبها على حساسية الموضوعات و المفاهيم التي نحن بصددها. و في ما وراء مخاطر الابتسار ، فالفورية تملك أن تجر الكاتب الفوري في مزالق المجاملة السهلة و عادات اللغة الجاهزة التي تكتبنا بدلا من أن نكتبها
أقول : شغلتني أمور الدنيا التي تعرفون قدودها الكثيرة عن استئناف الكلام في أدب التصاوير الذي ورد في كلامكم، رغم أن كل مجادلة و كل حجة و كل ملاحظة من ملاحظاتكم ما تزال تنتظر في تلافيف الخاطر فصبرا و" السايقة واصلة " يا وليد.
الأخ حافظ خير
ترى هل يجوز لي شكرك كونك انتبهت لتصاويري؟
تقول حكمة الغبش : " الله لا جاب يوم شكرك" فتأمّل..
أنت تعلم أن المشاهدة لا تتم تفضلا و انما تكون ضرورة حيوية و أنا سعيد بنظرك المؤازر سعادة كبيرة، فالمشاهدة لا تكون بغير مؤازرة حتى نقوى على رؤية حال الوجود المعاصر . و هو حال عامر بالصور الطيبة مثلما هو عامر بالصور الخبيثة، و بين هذه و تلك أنواع و ألوان من وهم البصر الذي يموّه من وراءه حقائق الواقع البالغ التركيب.
هل وقعت في عينك صورة الأفارقة الذين تركوا لحمهم على سور الاسلاك الشائكة بين المغرب و اسبانيا هذا الشهر؟ هذه و الله أخبث صورالعصر حتى اشعار آخر.لقد دفع الاتحاد الأوروبي مبلغ أربعين مليون يورو للمملكة المغربية حتى يتكفل المغاربة بصد الأفارقة الفقراء عن حدود اليوتوبيا الأوروبية. . في السابق تبنت ايطاليا في بروكسل عاصمة الاتحاد الأوروبي، الدفاع عن نظام القذافي حتى تم رفع حظر بيع الاسلحة الاوروبية للجماهيرية.و على هذا الثمن قبل القذافي التضييق على المهاجرين الافارقة الذين يتوجهون لأوروبا عن طريق ليبيا/ ايطاليا. وقبل اسبوع استقبل الرئيس معمر القذافي وزير الداخلية الفرنسي اليميني" نيكولا ساركوزي" للتباحث معه في كيفية صد الأفارقة الفقراء الذين يفدون لأوروبا عبر الأراضي الليبية.لم يذكر أحد الثمن الذي سيدفعه الاتحاد الأوروبي للعقيد حتى يقوم بسجن المهاجرين الأفارقة في معسكرات الاعتقال التي يسجن فيها فقراء أفريقيا المتوجهين لأوروبا، لكن من الواضح أن العقيد لا يحتاج لليورو و عنده من بترودولارات الامبريالية ما يغنيه. العقيد يطلب الأمان لا أكثر و لا أقل. و الهلع الذي أدركه بعد اذلال صدام حسين جعله يمضغ كتابه الأخضر و يبلعه كلمة كلمة و سبحان مغير الأحوال من حال الى حال.قبل أيام و نحن نثرثر مع بعض الاصدقاء الفرنسيين في هذا الامر سألني أحدهم عن مستقبل أفريقيا كما أتخيله بصفتي شخص وافد من تلك القارة المحزونة، فقلت للصديق: يوما ما سنبني يوتوبيا الولايات المتحدة الأفريقية بلا شك. و في حينها سنستأجر نفس المغاربة و نفس الليبيين لكي يصدوا الفقراء الوافدين من شمالي المتوسط عن حدودنا التي رسمها الاوروبيون حولنا. و ضحكنا جميعا و في حلقي غصة.
الأخ الوليد
الريميكس يا صاحبي تقنية جديدة في حرب البروباغاندا التي يشنها الأوروبيون على الأفارقة( و على غير الأوروبيين عموما) بسبيل اقصاءهم عن كل فرص الشراكة العادلة في يوتوبيا رأس المال المتنازع عليها تحت شروط العولمة ، و رأس المال المتعولم يبذل للخلق فرصة المساواة في الشقاء و في البؤس بحكم موقعهم من تناقض العمل و رأس المال( رحم الله كارل ماركس) و لا فرق فيه لعجمي على عربي أو على غيره الا بالقوة الشرائية و البيعية، غير أن الأوروبيين لن يتخلوا عن امتيازاتهم التاريخية المادية و الرمزية عن طيبة خاطر لمجرد أن منطق رأس المال المتعولم لا يأبه بالأعراق و الأنساب. لأ، الأوروبيون يحاولون عرقنة واقع العولمة بمقولات حرب الحضارات وحوار الثقافات ولن تسكن لهم جارحة حتى يؤمنوا لأنفسهم استمرارية الامتيازات المذنبة التي ورثوها من أباءهم و أجدادهم بذريعة رأس المال الكولونيالي.و الريميكس في هذا المشهد ما هو الا واحدة من الحيل الكثيرة لتسويغ السيطرة و الاستبعاد و تطييب الخاطر الأخلاقي النصراني الذي صار في حيص بيص.الريميكس هو أيضا محاولة لرسم صورة عكرة للقارة و لأهلها و لثقافاتهم ، صورة تسوغ للأوروبيين أن ينظروا للأفارقة يهلكون جوعا و عطشا و تقتيلا دون أن يروا في بلاء أفريقيا ما يثير العجب. و لم يتعجبون و الظلام الذي فرضوه على القارة يموّه عليهم رؤية أهلها السود؟ وثمة مثل افريقي( من تدبيري) يقول: من المستحيل رؤية رجل أسود في عالم مظلم بالذات حين لا يرغب أحد في رؤيته.و الصور العكرة لأهل القارة كثيرة لا يمر علينا يوم الا و تخرج علينا ألة البروباغاندا الأفريقانية فيها بجديد محير . و من بين الصور الأخيرة المحيرة ـ و أقول " محيرة" كونها انطلت على الأفارقة أنفسهم فوقعوا صرعى سحرها العجيب صورتان مهمتان سأعود لمحالجتهما بتأن ضمن براح لاحق. الأولى هي صورة " شجرة الحياة"، ذلك العمل الفني الذي أنجزه، بقطع السلاح المستعاد من الفلاحين ، بعض فنانين شباب من موزامبيق و عرض العمل بالمتحف البريطاني بلندن ضمن تظاهرة " آفريكا 5" في الموسم الأفريقي البريطاني.أما الصورة الثانية فهي صورة " كابوس داروين "، في ذلك الفيلم التسجيلي عن انعكاسات واقع العولمة و تردي البيئة الطبيعية و شقاء الأفارقة في تنزانيا.
الأخت ايمان
أبراهيم الجريفاوي و فاضلابي أقرباء آيديولوجيون و جماليون أعتد بهم و أعزهم و أن كنا لم نتقابل الا على صفحات الموقع. شكرا لكم جميعا على النظر الحديد و " الحي بلاقي".
النور يا أخانا الذي في الولايات
كان السبت أخدر
و الأحد سوق الكاملين
ثم جاء يوم الاثنين العبوس القمطرير
و هو كما تعلم يوم لا يخرج فيه الدابي من جحره
و الثلاثاء واقفين ليها الزنافلة
و الأربعاء سوق الكاملين ( تاني)
و الخميس قبل الجمعة
و الجمعة اجازة


و هكذا تتواتر الأيام و لا أجد فجوة في سد المشاغل أعالج فيها ما تيسر من أدب التصاوير و أنت أدرى..
تهنئني على وصول عملي لمراكز العرض الكبيرة و الما عارف يقول عدس.. و هذه قصة طويلة عمادها نوع غميس من سوء الفهم المقصود المتبادل. فأصحاب التشاشات الفنية العرقية يعرضون لنا ـ و يعرّضون بنا ـ لشيء في نفس يعقوب ، لكنهم لا يعرفون أننا نعرف حكايات يعقوب كلها، بل هم لا يعرفون أننا نعرف كونهم لا يعرفون بأننا نعرف.و سأحكي لك بعضا من مغامراتي اليعقوبية في براح قادم.و أنتظر حديثك عن مفهوم" الأيقنة" كون الامر في مشهدنا يستحق النظر.. و ما قولك في مخاطر أيقنة صورة أستاذنا محمود محمد طه مما نراه في معالجات احتفائية هنا و هناك؟
النور , هذا سؤال كنت أدّخره لعدد من أعداد جهنم لكني كما تعلم ، " شهرين سجن زاتو مافاضين"، فضلا عن كوني لاحظت أن المناقشة بين الاخوان الجمهوريين( النظاميين) صارت مبذولةللجميع. على كل حال معذرة ان أدخلك سؤالي في مخاطر الابتسار ، فخذ وقتك.
ياسر
كم أغبطك على هذا الاسم البديع يا أيها الرجل الياسر الشريف المليح.. الكلام في التلفان لا يشفي الغليل و لا بد أن نلتقي عينك عينك لنكمل ونسة انقطعت منذ ألف عام.
عبد الماجد
" ود أم زقدة " دي لي منها زمن فشكرا لك على هذه العبارة الكردفانية الجبارة ( و ما الـ " زقدة"؟ و قد بحثت عنها في قاموس اللهجة العامية و لم أجدها) و أنا ما زلت في انتظار عجز العبارة: " الطلوع قلقال و التدلي ..." و لا حياء في أدب الشعب.
الفاضل
يا رفيق" زمن النمتي" في داخليات ال أس تي اس
أراك " جرّيت لي الدال" و هذا لا يليق بك يا زول ، فما بيننا أقدم من الالقاب المريبة اياها و أنت طرف أصيل في كل ما قلنا و ما نقول.. المهم يا زول ، أنا ضد حوار الثقافات و لي في ذلك أسباب سأفصلها لاحقا. و الحاشية في اسم اللوحة باب للريح يستحق الفتح ، أما فكرة " الظاهرات التائهة " فهي فكرة جبارة تؤشر لقصور المنهج الآحادي في البحث العلمي و أتمنى أن تستطرد و تتوسع فيها بتفصيل أكثر بالذات ىفي ما يخص الجمالية التشكيلية. أيضا أحتاج لشرح أوفر لما تعنيه بالجماليات البحتة في عبارتك: " أعمال السودانيين الذين كرسوا فرشاتهم لجماليات بحتة. و لي تعريجات و معارضات أخرى و لي عودة.
حسن












أحاجي الموز
أو.. كيف تشرحون "الفنأفريقانية" لبناتكم؟
قبل الشروع في حكاية" أحاجي الموز" يلزمني تنويه سريع لشرح العنوان الثانوي ، فهو عنوان مستعار من سلسلة من الكتيبات التبسيطية لبعض الظواهر الثقافية القديمة و الحديثة ( الجمهورية ، الدين ، الايدز، الخ) التي دأبت بعض دور النشر الفرنسية على اصدارها في السنوات الأخيرة . و رغم أن هذه الكتب التثقيفية الصغيرة لاقت نجاحا وسط يافعة القراء الذين كانت السلسلة قد صممت لهم، ألا أن كفاءتها جعلتها تتجاوز جمهور الصبيان و البنات لتنتشر بين عدد كبير من القراء الراشدين.و ربما كان السبب المباشر في شعبيتها هو أن كتيبات هذه السلسلة انما يعهد بها في الغالب الى الكتاب و البحاث المتمكنين من موضوعاتهم و العارفين بأدواتهم، و ربما كان تفسير الامر يكمن في طبيعة الطلب التثقيفي القائم عند قراء راشدين لا وقت عندهم للغرق في المباحث الطويلة الرصينة التي تقتل موضوعها بحثا.المهم يا زول ، طاب لي أن أستعير العنوان في مقالة طلبها مني محرر مجلة " آرت 21 " الفرنسية المعنية بنقد التشكيل المعاصر.
Art 21 , Juillet Août, 2005No.3,
و الخطاب في المقالة موجه للقراء الفرنسيين الذين يتابعون قضايا الفن المعاصر الذي ينتجه الأفارقة على طموح شرح التركيب اللاحق بظاهرة " الفن المعاصر في أفريقيا" مما يسميه الأوروبيون " الفن الأفريقي المعاصر " و أسميه أنا اختزالا بـ" الفنأفريقانية".