‏إظهار الرسائل ذات التسميات شقاق التصاوير. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شقاق التصاوير. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، ١ كانون الثاني ٢٠٠٧

شرح سباستيان



شرح سباستيان




الأعزاء
نجاة و أبوبكر و الوليد و سيف اليزل و سيف الدين و ابراهيم
سلام
لو كان شرح الرسم يجدي لما كان الرسم..
لو كان شرح الرسم بالكلمات يجدي لكنا استغنينا بالأدب عن انهاك الجسد و توسيخ الأيدي بنظم الكلم النظيف.لكن الرسم شرح يتحقق في غير أرض الأدب، قبل الأدب و بعده في آن.
قال بعض أهل حركات الطليعة التشكيلية مرة عند أحد منعطفات جدال الرسم التجريدي و الرسم التمثيلي التي شغلت الخواطر الأوروبية في ما بعد الحرب الثانية: الرسم يكتفي بذاته و لذا هو في غنى عن الشرح.و قد حيرتني العبارة زمنا كوني كنت أستنتج منها استنتاجا معاكسا: الرسم يكتفي بذاته و لذا فهو يستلزم الشرح.انتابني الخاطر و أنا أفكر في دبارة أدخل بها على تساؤلاتكم المركبة المشروعة في خصوص تصاويري التي عرضت في معرض" غاليري اجيال " ، بالذات تلك التي تعالج موضوع القديس سباستيان.و حقيقة احترت من أي مدخل أدخل على الأمر ، فعلاقتي بموضوع القديس سباستيان قديمة و متشعبة كوني انتفعت به كواحدة من قنوات الدخول لخفايا غميسة في التقليد الثقافي النصراني. و التقليد الثقافي النصراني ، في نسخته الرأسمالية المتعولمة جزء أصيل من ميراثنا الثقافي ، بل هو ـ بخيره و بشره أس زادنا المتاح، و ان كرهنا ،" و عسى أن تكرهوا شيئا ..".
و في هذا الأفق فان تاريخ الرسم الذي نشأنا عليه هو جزء من تاريخ التقليد الفني الأوروبي الذي تطور لقرون في خدمة المؤسسة الدينية النصرانية. و من المتعذر اليوم لدارسي الفن فهم أسباب تقليد الرسم الأوروبي بدون التأني عند خلفياته الرمزية المودعة في ثنايا النصوص الدينية الأناجيلية.و من سخرية الأقدار أن إنتفاعي بقراءاتي في الأناجيل لم يقتصر على معالجاتي الفنية للموضوعات التي أستنطق فيها أيقونات تاريخ الرسم المسيحي ، بل تجاوزها لشرح خلفيات الأيقونات النصرانية لعدد كبير من النصارى الأوروبيين المتعلمنين الذين يجهلون تاريخ ميراثهم الديني.

الأسطورة
ــــــــــــــــــــــ
من هو سباستيان؟
النص التالي من رسالة لصلاح الجرّق بتاريخ 7 يوليو 1998 بصدد تصاوير تمثل القديس سباستيان ، و أرجو أن ينفع المقتطف هنا في إضاءة استخدامي لأيقونة سباستيان و في التقديم لأسطورة سباستيان و التركيب اللاحق بدلالاتها الرمزية و بعواقبها المعاصرة ضمن مشهد الاستشهاد الذي اتسع وانداح ضمن الفضاء السياسي المعاصر :
" ..
صلاح يا أخانا الذي في البلاد
".."
"و يسألونك عن سان سباستيان ، و أمره عجيب ذلك الرجل الذي اختار الموت وفاءا للحياة كما النهر يفنى في مصبه وفاءا لمنبعه. و ذلك كله ضرب من أحابيل الفكر المسيحي الاستشهادي الذي لا يطيق الحياة الدنيا الا معبرا للحياة ..الآخرة .. في الموت طبعا.و الفكر المسيحي بأنواعه يا صاح إنما هو أخطبوط طويل الأذرع يدركنا أنّى حللنا ، في الفن و في الفلسفة أو في الاقتصاد السياسي، و لا مهرب و لا خلاص لنا من عواقب تاريخه إلا بقبوله كقدر لا فكاك لنا منه، و تمحيصه بوسيلة النقد و الاستحواذ على ما ينفع فيه( و فيه الكثير مما ينفع) و تطعيمه بما نحمل، فنخصّبه بطرائقنا و نؤهّله ليسع مشاريعنا نحن الوافدون من خارج حدود الحضارة المسيحية الرأسمالية، شفت كيف ؟
يعني أنا أرى معالجاتي لموضوع القديس سباستيان بابا في مشروع الاستحواذ على مرجع محوري في النفسية المسيحية السائدة، و أعني بذلك موقف المسيحيين من الحياة الدنيا كمجرد معبر لخرافة الحياة الأخرى { العليا؟} الأفضل .(وين؟).
و لو سألت عن أمر الرجل ، فقد قالوا أن سباستيان كان أول أمره محاربا و قائدا عسكريا محنكا في صفوف جيش الرومان، في وقت كانت روما تطارد المسيحيين الأوائل و تضطهدهم.
قالوا أن الرجل وقع على نفر من المسيحيين فتحوا بصيرته على حقيقة الدعوة الجديدة فتعاطف معهم و صار يحميهم و يتستّر عليهم.حتى بلغ أمره مسامع الحاكم الروماني فاستدعاه و استجوبه في أمر مواطأته أتباع عيسى..
قالوا أن الرجل لم ينكر تعاطفه مع المسيحيين، بل و انطلق ينتقد سياسة روما في صددهم و دعا قائده أن يحذو حذوه في دعم الدعوة الجديدة.كانت تلك خيانة عظمى جزاءها الموت في عرف الرومان.و كان أن حكم القائد الروماني باعدام الخائن رميا بالسهام فأوقفوه أمام كتيبة الرماة.
قالوا أن مئات السهام التي استقرت في جسد الرجل جعلته يبدو كما القنفذ فرموه في حفرة خارج المدينة دون شك في موته ، و تركوه.
قالوا أن الرجل بقي على حاله تلك أكثر من يوم ، إلى أن مرّت امرأة من المستبعدين.(هي إيرين التي ستعرف لاحقا ب" سانت إيرين") و نظرت إليه و أحست به يتنفس فأخذته خفية و عالجته في دارها إلى أن استعاد قواه./ و ما أن استعاد قواه حتى عزم على الذهاب لمواجهة القائد الروماني من جديد/..
و في هذا الحد وحده فمسلك س. سباستيان ينطوي على قدر معتبر من الغموض. فأي رجل عادي كان سيفضّل أن لا يلقي بيده إلى التهلكة .و كان سينتتهز فرصة موته الرسمي ليبدأ حياة جديدة بمنأى عن المشاكل مع السلطات..
قالوا أن سباستيان ما أن استعاد قواه حتى خرج من دار إيرين قاصدا دار القائد الروماني مباشرة .و ربما عاد الرجل وجهة الموت لأنه كان في دخيلته مقتنعا بأن لا معنى لحياته ان لم يستثمرها في ما يعتقد أنه الحق.و ربما كانت مواجهة الموت عنده مجرد نوع من مسلك انتحاري مرضي مما يدرك ذوي النفسيات الهشّة...
قالوا أن الجند الذين رأوه ابتعدوا عن سبيله ظانين أنه شبح عائد. بل حتى القائد الروماني ذهل و هو يرى شبح سباستيان يدخل عليه في وضح النهار..كانت هذه فرصة أخيرة للنجاة إذا قنع الرجل بدور الشبح و استراح من مشقّات الحياة.
قالوا أن سباستيان سارع بتصحيح الأمر مصرا على أن لا علاقة له بالأشباح، و شرح للقائد الروماني أنه لم يمت، و انما عالجه بعض الفقراء. و هاهو الآن ليكمل له بقية انتقاداته في شأن خطل سياسة روما تجاه المسيحيين الخ.
قالوا أن القائد الروماني أمر بتسليمه للجنود ليقتلوه و ليكسّروا عظامه فلا يقوى على النهوض مرة أخرى...فكان أن أخذوا الرجل و قتلوه مرة أخرى.
لكن المهم في الأمر أن الأسطورة تحكي أن القائد الروماني قضى بقية حياته يرى شبح سان سباستيان يدخل عليه كل يوم كأنه لم يمت ..و في هذا الأفق فسان سباستيان يثير الإهتمام، من جهة ، لأنه يمثل صورة الرجل الذي يستعصي على الموت إذ يعاود جلاديه بعد كل مقتل. و من جهة أخرى،فهو يمثل صورة الرجل الذي يسعى للموت و هو عارف بعاقبة سعيه.ربما كان في موقفه قناعة مضمرة بأن حياته بلا معنى إن هي تجنبت الموت، أو أن الرجل يمنح حياته معناها حين يبذلها للموت ، مجسدا ذروة المسلك الاستشهادي الذي يتيح للفكر النصراني مصالحة تناقض الحياة و الموت ضمن شرط الواقع الاجتماعي التاريخي.
و من جهتي فالموقف الاستشهادي المفعم بالغموض يمكنني من أن أجد لسان سباستيان صلة قربى بديهية مع الشهداء المتأخرين من شاكلة " فان جوخ" أو " شي غيفارا" أو " ميشيما" الخ.
هذه، باختصار، هي الخواطر التي أثارتها حجوة سان سباستيان كما وقعت عليها قبل فترة ، بعد أن شدت انتباهي مجموعة من تصاوير موضوع سان سباستيان في عصر النهضة، و بالذات في فترة الـ " مانيريزم "، و هي و ان كانت كلها تلتقي في تمثيل نفس الموضوع: رجل مقيّد على عمود و جسده العاري تقريبا تخترقه السهام من كل جانب..(أنظر تصاوير سباستيان القديس في الرابط
http://fr.wikipedia.org/wiki/Saint_S%C3%A9bastien

استرعى انتباهي أول الأمر كون س. سباستيان يبدو غير مبال بالسهام التي تخترق جسده، فنظرته الحالمة تسافر بعيدا فيما وراء الألم الانساني الواقعي، بل هو في بعض التصاوير المانييرية يبدو سعيدا بسهامه و بعذابه سعادة لا تخلو من غنج مازوشي محيّر( عند تيسيان)، و لا حظت فيما بعد أن وجه س. سباستيان يتحوّل مع الزمن، فمن هيئة الرجل القوي و المحارب البادي الفحولة في بداية عصر النهضة ( عند ميكل أنجلو و جيوفاني بيلليني) بدأ وجه س. سباستيان يزداد شبابا و يفاعة، فكأنه غلام مراهق من أولئك الغلمان الذين كانوا يتبعون الفنانين النهضويين( الفلورنسيين) الذين كانوا يحلمون باستعادة مجد الخنوثة في أثينا الانطيقية.بل أن صورة س سباستيان في أعمال المتأخرين من" المانييريست" ، تكتسب ملامح أنوثة واضحة، لا في الوجه فحسب و انما في تفاصيل تشريح الجسد في الصدر و الحوض و الأوراك..
لماذا؟
ليست عندي إجابة شافية، و لو نظرت في سياق الفترة التاريخي، فأغلب ظني أنك ستخرج باستنتاج سوسيولوجي و نفسي، في كون صورة س. سباستيان في نهاية عصر النهضة الإيطالية صارت رمزا لحالة الخلخلة العقائدية و النفسية التي أدركت المجتمع الكاثوليكي بعد مرور زلزال الاصلاح اللوثري، و ما أعقبه من ردة فعل الاصلاح الكاثوليكي المضاد المعروف بـالـ " كاونتر ريفورم"، و هي حركات أصابت القناعات النصرانية في أكثر من مقتل.و على أثرها لجأ الفنانون إلى عقيدة الرسم بعد إضمحلال رسم العقيدة.و في لوحاتهم ، احتلت صور الرعاة الدينيين و الدنيويين محل الاصطلاحات الأيقونية التي صاغها الخيال النصراني منذ العصور الوسطى.في هذا المشهد ، كان سان سباستيان بمثابة نسخة محمولة لرمز المسيح الذي يبذل لحمه و دمه برّا بقومه" فتكون حياة أبدية" أو كما قال.كان س. سباستيان نوعا من مسيح مفصّل على مقاس الأزمة التي عصفت بالمجتمع النصراني في القرن السادس عشر.فهو رمز لسيرورة عجيبة للحياة نحو الموت ـ مثل المسيح، كان يعرف أن الموت ينتظره بين يدي السلطات، لكنه رأى في موته حياة أبدية ما..ـ و هي سيرورة تزعم إمكان الحياة (الأبدية ؟) في الموت و تطرح مجددا سؤالا قديما في معنى الحياة..
مرة في 1973 ، خرجنا من المعهد الفني في مظاهرة سياسية نحو ميدان القصر الجمهوري.خرجنا نهتف يحملنا هدير أكتوبري أدخل في الحدث المسرحي منه في الإحتجاج السياسي..كان في مواجهتنا جنود مسلحون مصطفين أمام القصر.قال قائل أنهم من المستوعبين في الجيش من فصائل الأنيانيا التي أوكل لها نظام النميري قمع المظاهرات، على زعم أن الجنود الجنوبيين أقدر على إطلاق الرصاص على المتظاهرين الشماليين من الجنود الشماليين و العكس ..
بقينا أمام الساحة نهتف " بالدم بالروح نفديك يا.."، و الزميلات يزغردن " أييوووووي"، و في لحظة لمحت مجموعة من الطلاب منهمكين في كتابة أسماءهم على وريقات وضعوها في جيوبهم " عشان لو حصلت حاجة ، لا قدّر الله، أهلك يقدروا يتعرّفوا عليك و يلقوك..". و لم تدم المواجهة أكثر من دقائق معدودات حتى هجم علينا رهط من الجنود نبلوا من حافلات الجيش التي كانت رابضة وراء لبخ الميدان، و فرّقونا في يسر بفضل العكاكيز و الغاز المسيل للدموع. حين التقينا مساءا في الداخلية تحادثنا في أمر المظاهرة إلى أن وصل بنا الحديث لمسألة كتابة الأسماء، و أظنني تهكّمت من الأمر على زعم أنه مسلك استشهادي إلخ.أذكر أن الباقر موسى قال لي بهدوء فيه نبرة استغراب من موقفي : إن ذلك شيء منطقي تماما، و أنه هو نفسه قام بكتابة اسمه على ورقة وضعها في جيبه تحسّبا لإحتمال وجوده في المشرحة وسط الجثث الغارقة في التنكير كما حدث في أكتوبر ..
تلك الأمسية تأمّلت في الأمر ، و بدا لي أن خروجي ضمن ذلك الحدث المسرحي " هابينينغ" الشعبي، بذريعة المعارضة السياسية، كان نوعا من سوء الفهم الفادح.بدا لي حديث الباقر موسى على نوع مركب من بعد النظر و قصر البصيرة معا.و أظن أن تأملاتي أدت بي إلى إعادة تعريف الحد الأدنى المشترك الذي كنت أسوّغ عليه تواطؤي السياسي مع الصحاب المناضلين أيامها.المهم يا زول ، تيقّنت يومها من خيانتي النهائية لمشاعر الحماس الديني النبيلة التي ورثها الثوريون السودانيون من أسلاف استشهدوا في كرري( أو في 1924 أو في أكتوبر 1964 إلخ..). ترى هل يمكن تلخيص مساهمة المهدية في تكوين وجداننا الثوري بكونها سوّغت " موت الكتيرة .." عرسا في ذلك المكان الجاف المتلاف.أم أن أمر المسلك الاستشهادي وسط التقدميين السودانيين أمر لاحق للمهدية ، تفسيره يكمن في النزعة المسيحية للتيار الماركسي اللينيني الروسي الذي اعتنقه رواد الفكر المادي في السودان؟ و هو تيار ساهم بأكثر من طريقة في تشكيل صورة المهدية في خيالنا السياسي كحركة وطنية ثورية إلخ.و لو تأملت في أدبيات تبرير الاستشهاد فداءا للوطن ، مما تنتجه آلات الأعلام لهؤلاء أو لؤلئك من العربسلاميين المتحاربين لانقاذ الوطن، لوجدت أن الاشارة لطقس الفداء المهدوي تحتل منها مكان الحظوة، و في كلا الحالين فان مآل الشبيبة الضائعة هدرا إنما هو ـ قطع شك ـ في الجنة مع الشهداء و الصديقين.
صلاح ، لا أطيل عليك، فحديث سان سباستيان ذو شجون، ولا بد أننا سنواصله لاحقا، و لكني وعدت أن أبعث لك ببعض الخواطر في صدد التصاوير التي بعثت بها قبل فترة .
".."
مودتي
حسن موسى


إن الموقف الاستشهادي يمكنني من أن أجد لسباستيان القديس صلات قرابة بديهية مع" الشهداء" العلمانيين( و الملحدين) من شاكلة شي غيفارا.هذا الرجل الذي اخترع خرافة الثورة الكوبية كان بوسعه الاستقرار في منصبه كمدير للبنك المركزي لكوبا بعد نجاح الثورة و الانقطاع لإجترار ذكريات ملحمة الإنتصار على الامبريالية الأمريكية لنهاية أيامه. لكنه لم يفعل لأنه اختار طريق الخلق، خلق أكثر من فيتنام أمام المشروع الامبريالي.و كان يعرف أنه في هذا الطريق سيقابل الموت المحتوم.تماما كما كان سباستيان العائد من الموت يعرف أن الموت ينتظره عند الحاكم الروماني.ّهب شي غيفارا يطلب الموت على درب سباستيان فلاقاه وسط لا مبالاة الفلاحين البوليفيين الذين كان يحارب باسمهم.
كم أحببنا تلك الصورة النصرانية البطولية حتى أننا جعلنا منها أيقونة ثورية معاصرة. و لو قام البابا جان بول الثاني، أبان زيارته لكوبا في منتصف التسعينات، لو قام بتكريس غيفارا قديسا نصرانيا لما أثار التكريس عجب أحد.

و صورتي الذاتية في هيئة القديس سباستيان؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و ما علاقة هذه السيرة بصورتي الذاتية في موقف القديس سباستيان؟
موقف الاستشهاد محير ـ بل هو ساحر أخّاذ ـ كونه يطرح سؤال الموت و الحياة و يجيب عليه بشكل لا يبال بكم التناقضات المقلقة التي تتلبّكه.نعم هذه الصورة التي تمثل وجه شي غيفارا على جسد سباستيان هي صورتي الذاتية بطريقة ما ، طريقة انزلاق المعاني.و أعني بـ "انزلاق المعاني" تلك المكيدة الغميسة من وجوه الاسقاط الأدبي الجائر المتعمّد الذي يغرّر بالقارئ ـ سيان في ذلك قارئ النص أو قارئ الصورة ـ فيرشوه بقصد أول أمين من البديهيات الشرطية التي يعرفها لكي يقبل أن يضع رجله على منزلق يجرفه نحو أرض لا قبل له بها و لا حول له فيها و لا قوة.و منطق انزلاق المعاني يعمل بكفاءته كلها حين يتأسس في خاطر المؤلف أولا ، كونه مثل الكذبة التي يصدقها المؤلف/الكذاب و يقتنع بها و يستمد من قناعته بها طاقة و قوّة تجعل الآخرين يصدقونه و يتواطأون معه على تجويزها و قاسمهم المشترك الاعظم مصلحة يغتنمونها معا.
و هكذا يا أصحاب يبدو أن" انزلاق المعاني الأيقونية" فولة كبيرة لا يسعها مكيالي الراهن لكني أعد بالرجوع إليها و أكتفي منها هنا بالاشارة.و خلاص الامر ان صورتي الشخصية الذاتية في هيئة شي غيفارا الذي هو في هيئة القديس سباستيان تمثل كسلسلة من انزلاقات المعاني الأيقونية ، توهمتها أنا في المبتدأ و اقنعت نفسي بها و أطمح أن أقنع بها غيري.( و ربما انطلت مكيدتي على الوليد أو هكذا طاب لي التوهّم عند قراءتي لتعليقه و الله أعلم). وأدب الفن عامر بالأمثلة على حالات انزلاق المعاني فصبركم علي.

آيديولوجيا التصاوير و تصاوير الآيديولوجيا

في صناعة الصورة
الاعزاء يا أهل الصورة
سلام
وعدت في نهاية كلامي السابق بأني عائد "غدا" لمواصلة الكلام في موضوع صناعة الصورة ، و منعتني أمور الدنيا ذات القدود من الوفاء( فعفوكم)، لكن الصورة البصرية كتدبير مادي تنطرح عندي ،وعند نفر من التشكيليين، بوصفها وجها من وجوه الخطاب الفني المتحقق خارج جغرافيا الادب، أو قل كخطاب غير نصوصي، وسيلته الخامات و الادوات المادية وغايته التفتح الحر الخلاق لملكات صانع الصورة في فضاء لا تطاله وسيلة الادب الكلامي و هيهات.أختم تقريري بـ "هيهات" من باب الحيطة، فالادب الكلامي يطال كل شيء فيما يزعم (و هيهات أيضا)، و أفضل دليل على واقع تغول الادب الكلامي على فضاء التصاوير كوني مضطر هنا لاستخدام وسيلة الادب الكلامي لشرح ظاهرة الصورة كتدبير غير أدبي.
أقول ظاهرة الصورة وأعني الاثر المرئي الناتج من تضامن اليد و الاداة و الخامة على تجسيد فكرة الخاطر كعلامة مادية، ككتابة ، مبذولة، و قل مرسلة، لطرف آخر يزكيها بفعل القراءة و يجعل منها مصلحة جمعية كموضوع للاتصال و كأداة له.و الصورة كـ " مصلحة جمعية" هي لغة تنوجد على عدة مستويات أدبية و غير أدبية.و يهمني منها هنا مستواها غير الادبي ، أعني : مستواها المقيم في ما قبل( و ما وراء) أرض التعبير الادبي النصوصي، و هي الارض التي أسميها أرض التدبير المادي التي تحكمها قوانين لا علاقة لها بالقوانين التي تحكم أرض الادب الكلامي.
و " أرض التدبير المادي" قارة بحالها ممتدة بين الرسم و الرياضة و اللعب الجسدي و الرقص و العمل الجسماني اليدوي لغاية أنواع الاداء الطبيعي البايولوجي لوظائف الجسم.. هذه القارة البكر كانت و مازالت بعيدة عن متناول الادباء لأسباب عديدة أهمها أن الادب كممارسة جمعية ينزع للاستكانة في داخل حدود الأرض المغلقة التي عرفها و رسم خارطتها النهائية و عرّف بها جمهوره. و لعل نقطة قوة الادب و نقطة ضعفه في آن هي في الاتفاق المضمر بين الكاتب و القاريء على جملة المؤشرات و العلامات اللغوية و الجمالية و السياسية التي ترسم حدودا للفضاء الادبي الذي يتقاسمه الأديب و جمهوره كفضاء اجتماعي ذي طبيعة طبقية.داخل هذه الحدود يمكن حصر المفردات و التعبيرات الأدبية و البنى السردية و القيم الجمالية و السياسية التي يستبطنها الاديب المخلص لشرطه الطبقي و يحبس نفسه داخله ،او بشكل عفوي في الغالب.و اذا كان الانسجام التام بين الأديب و جمهور طبقته يمكن أن يعتبر نقطة قوة تكسب للأديب جاها و رواجا اجتماعيا حتى أن قراءة المتحمسين يمكن أن ينصبوه كـ " ثروة قومية"( كما تفضل عادل عبد العاطي في وصفه للطيب صالح في بوسته المشهود: " ما رأي من جرّموا الطيب صالح؟ نقد في فعاليات عاصمة الثقافة" في موقع سودان للجميع
Sudan-forall.org
). فان اخلاص الاديب لآيديولوجيا الطبقة يمكن أن ينقلب وبالا عليه بقدر ما تضيق آيديولوجيا طبقته عن استيعاب القواسم الجمالية المشتركة بينها و بين الطبقات الاجتماعية الاخرى التي تتقاسم معها الفضاء السياسي و التاريخي المعين.أقول قولي هذا و أنا أكاد لا أقاوم اغراء الزج بالطيب صالح كحالة نموذجية ، تقارن بغيرها، في صدد تراكب البعد الجمالي مع البعد الايديولوجي في عمل الاديب ضمن واقع الصراع الطبقي الراهن في السودان.بيد أن مكيدة الطيب صالح الآيديولوجية و الجمالية غميسة و ملولوة و أغرق من أن يسبرها نوع استطرادي المستعجل هذا و أنا أتهيأ لمعالجة أمر الصورة البصرية المقيمة في أرض التدبير المادي.
و في نظري الضعيف ،يبدو لي أن فضل الصورة على النص يكمن في كون الصورة كممارسة عملية مادية، بما تقتضيه من حضور للأدوات و الخامات و من انخراط للجسد، انما تصون قنطرة مستديمة مع الواقع المادي الموضوعي الذي لا يكف عن التحول و الانمساخ. و هذه العلاقة الاجبارية مع عناصر الواقع المادي المتحول تجعل صاحب الصورة قمينا بمفاوضة المسالك الجمالية لعمله بغير ثقة مطلقة في الـ" دوغما" الجمالية المتخلقة في أيديولوجية الطبقة، و بدون ركون سعيد لعادات الممارسة المتراكمة في ذاكرة التقليد البائد. و حين أقول :" عادات الممارسة المتراكمة في ذاكرة التقليد البائد" فأنا استحضر كل سطوة التقليد الادبي و نفوذه و ثقله السياسي الذي يتخلّق عبر القرون كما الورم السرطاني في جسم المشروع الابداعي و ينتهي بالاديب الى موقف الرهينة في قبضة الحراس الطبقيين للأنواع الأدبية التقليدية.و لعل أكثر حيل الادباء كفاءة بسبيل الخروج من سجن العادات و التقاليد الادبية تتمثل في سعيهم لصيانة مخارج سرية مع عناصر الواقع الحي سواء بمقاربة الواقع السياسي الميداني المتحول، سواء باستحضار أحوال الجسد البيولوجي و وظائفه الطبيعية ،أوبالاتكاء على لقيات علم النفس و علم الاجتماع الخ مما جاد به تاريخ الواقعيات في حركة الادب. و تاريخ الخلق الادبي في جملته يبدو كما سلسلة من المحاولات المستميتة لتبرير الكتابة الادبية بذريعة الواقع.



2
أقول : ان فضل صاحب الصورة المرئية على صاحب الصورة الادبية يتفسر بالحضور الاجباري لعناصر الواقع الحي (الجسد و الاداة وا لخامة و العلامة) في عملية الخلق بينما تختفي عناصر الواقع الحي أو تضمحل تماما وراء وسيلة الاديب: اللغة التي تصبح حجابا حاجزا بين الواقع الحي الملموس و ترجمته، ترجمة الواقع ، الى نص ينمسخ بدوره واقعا جديدا مستقلا يستمد مشروعيته من مجمل تاريخ الادب البائد .و النص كواقع أدبي ثان، يطرح خطر انعزال الممارسة الابداعية الادبية بين مرآتين متقابلتين كل منهما تكرر صورة الاخرى بلا نهاية.و هي الوضعية التي تصبح فيها غاية الادب هي انتاج الادب على نهج " من دقنُه و افتل لُه". وغاية انتاج الادب من واقع تاريخه ،كمشروع ابداعي، لا تنجو من شبهة الاستخدام السياسي المغرض للأدب لصالح الفئة المستفيدة من الانحراف به عن غاياته الاجتماعية، كون الادب الذي يجعل غايته الجمالية انتاج الادب فحسب انما يباشر هذه الغاية ضمن سياق تاريخي بعينه، و على أساس جملة من المراجع و المؤشرات الآيديولوجية البعيدة كل البعد عن براءة الادباء الذين يتظاهرون عادة بالاستنكاف عن الأيديولوجيا.و قد قرأت مؤخرا بعض الاقلام المتحمسة التي تنظر للأيديولوجيا كما لو كانت نوعا من الامراض الخبيثة التي ينبغي على المبدعين تجنبها. و يحضرني هنا نص للصديق النور حمد نشرته جريدة الاضواء و سودانيزأونلاين.كوم في مطلع العام 2005 "العصر الاموي و فجر البراغماتية الاسلامية".و النور يعارض الآيديولوجيا بالبراغماتية ، بل و يحبذ البراغماتية بوصفها " الترياق الأكثر فعالية لتخفيف غلواء الآيديولوجيا". و واضح في كلام النور أن الموقف البراغماتي عنده يتأسس خارج الآيديولوجيا( وقيل ضدها)،و أن السلوك البراغماتي سلوك منزّه عن شبهة الأيديولوجيا.و يذهب النور ابعد من مجرد اصطناع المضاهاة بين مصنفين فلسفيين يمتنعان على المضاهاة بحكم اختلاف الطبيعة المفهومية لكل منهما، حين يضفي على البراغماتية شرفا معرفيا لم تدّعيه، و يجعل منها " مرادفة للعقلانية"، مثلما يجعل منها أداة نقدية قمينة بمواجهة سلطة النص ، أو كما قال:"البراغماتية تعني فيما تعني مواجهة سلطة النص". و هذا اجحاف مفهومي يفترض أن للبراغماتية موقف مبدئي من النص،في حين أن الموقف البراغماتي في طبيعته موقف لا مبدأي كونه يملك أن يناهض سلطة النص مثلما يملك ان يمتثل لسلطة النص ، و الامر في مشهد البراغماتي انما هو أمر تأمين المصلحة المباشرة بغير رؤية شمولية( سواء كانت اسطورية أو نقدية تاريخية) للوجود ككل متماسك على تضامن أبعاده المادية و الرمزية ،و الوجود في مشهد البراغماتي يختزل الى مجرد سلسلة من الحالات المادية و الوضعيات الرمزية المستقلة عن بعضها البعض، و التي لا تربطها أي رؤية منهجية متكاملة، و يظل الرابط الوحيد الممكن مرتهنا بمدى تأثير كل حالة على المصلحة المباشرة لصاحب الموقف البراغماتي.و البراغماتية في هذا الافق هي وجه من وجوه التعبير الآيديولوجي يتميز عن وجوه الآيديولوجيا الاخرى كالدين أو الفلسفات المادية التاريخية بطبيعته الانتقائية، بل هي أيديولوجيا عديل لكنها لا تكشف عن اسمها. وأنا اقيم على حسن ظن عريض في كون الأخ النورـ بحكم تجربته الطويلة في مواجهة سلطة النص ـ لا يمكن أن يجهل مسألة في بساطة كون " مواجهة سلطة النص" ، في كافة مستوياتها، انما تتأسس على قاعدة الآيديولوجيا و ليس على أي فراغ مفهومي يفترض في من يتصدوا لمواجهة سلطة النص توفّر نوع من عذرية مفهومية تجهل أو تتجاهل التاريخ.لكن حسن ظني يتضعضع و يضمحل بالنسبة لاستخدام النور البراغماتي(سياسيا) لمصطلح" الآيديولوجيا". فالايديولوجيا في أدب النور السياسي تقتصر على تعبيرات الفكر المادي الشيوعي على وجه الخصوص ، رغم أن النور يضيف اليه الفكر الديني على زعم أن هناك قاسما مشتركا أعظما بين الاثنين يعر"فه النور حسب عبارته، بـ " المثالية، في معنى عدم العملية":
" ..غير أن المثالية ، في معنى عدم العملية، قد ارتبطت أيضا ، في الجانب الآخر ، بالفكر العلماني. و أنا ممن يميلون الى وضع الماركسية اللينينية، بسبب عدم عمليتها، في خانة الآيديولوجيا المثالية، شأنها في ذلك شأن الفكر الديني .." .
و قبل مواصلة الاستطراد يهمني فتح هامش جانبي للمتسائلين عن علاقة هذا الكلام بمبتدأ الحديث في خصوص صناعة الصورة.فأنا أرى الايديولوجيا كأنها صورة للوجود، صورتي أنا من حيث أنظر من موقفي التاريخي تجاه الفرقاء الاجتماعيين الآخرين،و في هذا المنظور فان صورتي قمينة بالتعارض و بالتوافق مع صور الآخرين حسب تناقض المصالح و توافقها.و حين أقول : ان الآيديولوجيا صورة، فهي صورة على قدر كبير من التركيب كونها تقيم بين الصورة التي ورثناها ضمن شرطنا الثقافي الطبقي و الصورة التي نتمناها للوجود، و لو شئت قلت هي" التصوّر" في معنى المشروع.في هذه الصورة الكبيرة تندرج تصاوير عديدة تتراتب و تتداخل و تتناقض و تتوافق، متأثرة بما في الذاكرة من تصاوير موروثة، و بما في الخاطر الحاضر من تصاوير و آمال مسقطة على شاشة الغيب . و على أساس رؤيتنا لصورة الوجود نتقدم و نشق الدروب التي اخترناها في مسارات الحياة.هذه الصورة التبسيطية لمفهومي للآيديولوجيا ضرورية لتقعيد أمر أدب الصورة ضمن منظوري الايديولوجي الشخصي بما يوفر علي و على غيري أنواع اللبس المجاني. و لي عودة ضمن براح لاحق لاشكالية الصورة بين موضوعها الذي يراه الناظر اليها من بعد و موضوعها في وعي الناظر الذي يعي فعل النظر و يعرف أنه منظور اليه من حيث هو كائن ناظر، و علاقة كل هذه المراوحات بين الذات الناظرة و الموضوع المنظور اليه على هدي نظرات من مولانا" موريس ميرلوبونتي" كرم الله وجهه.






3

وأنا أرى في عبارة النور صورته، و صورتنا جميعا، اعني صورة حيرة المثقف السوداني أمام واقع السودان المعاصر ضمن واقع العالم المعاصر.فالنور الذي أعرفه( و يعرفني) كمثقف وكفنان ـ و كـ " ولد مسلمين"و سليل أولياء كمان ـ رجل مهموم بحال و بمآل العالم. و هو قد قضى بضعة سنوات من شبابه محاولا اصلاح حال العالم من مدخل الفكر المادي، في تعبيره الماركسي، في نسخته التي كانت مبذولة للعالمين في مطلع السبعينات.و أظن أن الادوات النقدية التي طورها النور خلال تلك التجربة مكنته من رؤية الخلل الفكري المنهجي و السياسي في عمل المؤسسات الثقافية و السياسية المسترشدة بتصانيف الفكر المادي من كلية الفنون لغاية الحزب الشيوعي السوداني. ثم جاء عهد انخرط فيه النور بكليته( و بأدواته الفنية والسياسية الماركسية) في مسعى " الاخوان الجمهوريين" لاصلاح حال العالم من مدخل الفكرة الدينية.و بعد اغتيال محمود محمد طه و انفراط عقد الحركة الجمهورية كان لا بد للنورـ و لكثيرين غيره ـ من اعادة النظر في جملة من القناعات و المواقف و الوسائل التي أدركها التحول، سواء بسبب تطور شروط الواقع السياسي السوداني ، سواء بسبب تطور شروط الواقع الاجتماعي الكوكبي في جملته.و رغم يقيني بأن النور قد أعمل نظره النقّاد في كثير من جوانب أدب الكفاح الجمهوري لاصلاح حال العالم الا أنه بقي(و بطريقة غميسة سأفصلها لاحقا) في أسر الرؤية الجمهورية البدائية لحال حركة الفكر الانساني كمراوحة متصلة بين قطبي الروح المادة. و ثنائية الروح و المادة حيلة أيديولوجية قديمة غايتها أن تحفظ للدين خانة في مواجهة الفكر المادي. على زعم أن الفكر المادي لا يكون وحده و لا يستبد بذاته مستغنيا عن تراث الادب الروحي البائد.و خلاصة الامر في هذه المقولة الدينية هو أن الاعتراف بالطبيعة المادية للوجود انماهو اقرار بشقاء انساني لا خلاص منه بغير استكمال البعد الروحي. و من باب المعنى الروحي يدخل أنصار الدين و يبذلون أجوبتهم المبسّطة التي تحسم قضايا الموت و الحياة بكفاءة عالية.
و فيما وراء حالة النور جمهور واسع من أولاد المسلمين الذين انبهمت أمامهم دروب كانت واضحة بالأمس القريب وا عتكرت أمام نظرهم صورة الوجود، فما العمل ؟ هل سيهجر أولاد المسلمين دين آباءهم لينخرطوا في دين العلمانية النصرانية الأوروبية الذي تستعجلهم عليه دوائر رأس المال المتعولم؟ أم هم سيهجرون الدين كله لينخرطوا في دروب النقد التاريخي الوعرة فيما وراء مقولات الشرق و الغرب و الروح و المادة؟أن الرواج السياسي الذي لقيه تيار النسخة الاصولية من الاصلاحيين الاسلاميين في السودان في خلال العقدين الماضيين يبدو لي تطورا طبيعيا لايديولوجيا الطبقة الوسطى العربسلامية في السودان. و هو تطور يمكن تفحصه فيما بين" محكمة الردة" الاولى في الستينات و" محكمة الردة" الثانية في الثمانينات.فبين المحكمتين طرح آيديولوجيوا الطبقة الوسطى العربسلامية عدة مفاهيم آيديولوجية لانقاذ ما يمكن انقاذه من التركة الدينية الثقيلة على طريقة " الدين تلته و لا كتلته". و هو سعي ساهم فيه العربسلاميون من كافة المشارب، ابتداءا من الطائفية و مشروعها السياسي الاستحواذي باسم " الدستور الاسلامي" الذي تحالفت عليه مع الاصوليين في الستينات، مرورا بجمهوريي" الرسالة الثانية" الذين ما انفكوا يحذرون المسلمين في السودان و ينذرونهم بأن لا يفوتوا فرصة تسنم المبادرة الروحية الجليلة لاجتراح مدنية جديدة تليق بانسان القرن العشرين. لغاية أدباء" الغابة و الصحراء" العائدين لسنار المسلمة بمباركة نظام الامام النميري المتأسلم تحت ضغط الدول العربسلامية الشقيقة المحافظة، و من لف لفهم من أهل التشكيل بين" مدرسة الخرطوم" لـ "مدرسة الواحد"، لغاية الصادق المهدي ومشروعه لـ "الصحوة الاسلامية" التي " توفّق بين الاصل و العصر.."( الصادق المهدي ، تحديات التسعينات ، 1990 )، في محاولة مستميتة لانقاذ الاسلام من الانقاذيين الذين قوضوا دعائمه السياسية و بذّروا رصيد ميراثه الاخلاقي في خاطر السودانيين بفضل ممارسة ميكافيلية و افتراسية جائرة يعوزها الخيال و بعد النظر السياسي، فما العمل؟
مندري، وأغلق قوس الاستطراد هنا لأعود لوجهة نظر النور في صدد الآيديولوجيا و البراغماتية.فقد استرعت انتباهي مداخلة الخاتم عدلان، في تعليقه على مقال النور، الذي اعترض فيه على قول النور بترادف البراغماتية و العقلانية، " لأن متطلبات العقلانية في نظري أوسع من متطلبات البراغماتية " و لم يعترض الخاتم ـ الايديولوجي الضليع ـ على مضاهاة النور للآيديولوجيا بالبراغماتية. بل أن الخاتم يوافق النور على اعتباره " الماركسية نوعا من الآيديولوجيا" لأنها ـ حسب عبارته ـ" تراكمت عليها المعطيات الجديدة المختلفة نوعيا عن منطلقاتها الاولى دون أن تصاحب ذلك جرأة هدم المنطلقات الاساسية لدى الماركسيين، خاصة العاملين منهم في المجال السياسي ، و في خدمة النظم التي كانت قائمة باسم الماركسية.بمعنى آخر ، كان المحتوى الايديولوجي في الماركسية يتراكم على أساس أساسها العقلاني." ( الخاتم عدلان ، مداخلة في بوست النور حمد بتاريخ 11 يناير 2005 )و في هذا المشهد يتضامن الخاتم مع النور على تجريم الآيديولوجيا و اعتبارها نوعا من الجمود اليساري الديني المسؤول عن تدهور الماركسية و اضمحلال أساسها العقلاني . و هكذا يصفي النور حمد حسابه مع الماركسية و مع الفكر الديني بوضع الاثنين في سلة" الآيديولوجيا المثالية" غير البراغماتية، بينما يصفي الخاتم عدلان حسابه مع الماركسية من خلال معارضة الآيديولوجيا بالعقلانية , في هذا استباحة جائرة لمفاهيم مركبة وراءها أدب طويل جاد كالآيديولوجيا و العقلانية و البراغماتية و الدين.و استباحة الرفاق السابقين للتركيب اللاحق بمفهوم الآيديولوجيا هو في نظري الضعيف وجه من وجوه التدبير الآيديولوجي الواعي لسياسيين مشغولين باستقطاب الناس لمشروعيهما السياسيين. و يبقى في الخاطر سؤال للجيل الجديد من حرفيي السياسة في السودان:ترى هل صار قدر السياسي المحترف هو ابتذال المفاهيم الفكرية المركبة واختزالها لسعة الغرض السياسي المباشر؟ و هل غرض السياسي هو بالضرورة مرض الفكري؟
وما السياسة؟ و ما أدراك ما الآيديولوجيا؟
هذه أسئلة الاجابة عليها تفيض عن سعة هذه الكلمة التي تطمح الى طرح بعض المؤشرات النقدية في خصوص صناعة الصورة كممارسة مادية لا أدبية ـ أو قبل أدبية ـ، لكن هذا التقرير لا يعني أنني لن أعود لنبش موضوع الآيديولوجيا مرة أخرى.






4
فما الصورة ؟
يهمني هنا تعريف الصورة القريب من نوع الصور التي تشغلني كرسام. و أعني الصورة
كـ
Image
في مشهد علم الدلالات بوصفها موضوع تمثّل ايقوني مستقل بخصوصيته البصرية و بقابليته للتحليل و للنقد.و الصورة بهذا تنطرح كوسيط اتصال و كموضوع اتصال في آن.و من جملة خصوصياتها المادية و الرمزية تطرح الصورة أكثر من مدخل لمن يقصد مقاربتها. و قد أسلفت أعلاه بنيتي في مقاربة الصورة من المدخل التشكيلي بوصفها خطابا في التدبير المادي الممنهج.و أعني بـ " التدبير المادي الممنهج" مجموعة التصرفات المادية التي تصدر عن واعية المشكل الذي يستخدم أدواته بغرض تنظيم عناصر المادة البصرية من أشكال و ألوان و أحجام ضمن خطة غايتها طرح علامة مرئية تؤثر في الناظر اليها، سلبا أو ايجابا،و تجعله يتخذ موقفا له عواقبه على المستوى الشخصي أو الجمعي.
و لتضييق فضاء الاستطراد أقتصر في مقاربتي على جنس التصاوير القريبة من تصاويري الملونة ذات البعدين. و هذا التحديد يجعلني أستبعد انواع التصاوير ثلاثية الابعاد كالنحت و التأثيث (ان جازت ترجمتي لمصطلح " انستاليشان" القائم على استكشاف علاقة الاشياء بشرط المكان و الزمان و حضور الجمهور)
Installation
كما أستبعد أنواع التصاوير المشهدية المتحركة سواء تصنفت في باب الصور السينمائية كالفيديو أو كأنواع " الحدث الدرامي "(هابينننغ)
Happening
وبعض أنواع الـ " عرض" ( بيرفورمانص) الذي يستثمر قيمة الحضور المشهدي لشخص الفنان أمام الجمهور سواء تم الامر بـاستخدام أو بدون استخدام للأدوات و الخامات التشكيلية.أقول " بعض أنواع الـ " عرض".."لأني ضالع في بعض وجوه الممارسة" العرضية" فيما سميته ب" الطقس التشكيلي"
Graphic Ceremony
بعد هذه الاستبعادات يلزمني تحديد اضافي في خصوص نوع الصورة التي أنا بصددها، كونى أباشر صناعة التصاوير على أنواع جمالية متعددة و على محاور تقنية مادية متزايدة بقدر ما تطال يدي من جديد الادوات و الخامات .باختصار سيقتصر حديثي على ثلاثة طرائق في صناعة تصاويري . و هي طرائق ذات علاقة بثلاثة أنواع تشكيلية قديمة في معالجة صناعة الصورة ذات البعدين و هي التلوين و الحفر و الخط.
و في نوع التلوين استبعد المائيات حتى اشعار آخر، فالماء بحر.. و عن البحر فحدّث بحذر و تحسّب كثيرا قبل أن تنطق، ورب رجل" غرق في شبر موية" كما تعبر حكمة أولياء النظر، فصبركم.
أبدأ حديتي في التلوين من حيث توقفت في البوست السابق.
كنت أقول أن العمل على مسند القماشة المطبوعة فتح أمامي أكثر من درب لاستكشاف فضاءات غير مطروقة في تقليد التصاوير الذي تعلمناه في المدرسة.و قلت أن ابتدار العمل على المسند المشغول بتصاوير سابقة انما حصل عندي ضمن ظروف مادية ما كنت قادرا فيها على الحصول على مساند التلوين المدرسية التقليدية. و لكن أظن ان ما جسّرني منهجيا على تقحم اشكالية المسند كمدخل للصورة هو خبرة قديمة تعود لمنتصف الستينات، حصلتها و أنا يافع من التأمل في بعض رسومات أستاذنا الفنان الكبير ، تاج السر أحمد ، المعروف بـ " تي اس أحمد"، مما كان ينشر في مجلة " الخرطوم".فقد أنجز تاج السر في تلك الرسومات بالابيض و الاسود سلسلة من التصاوير التي تمثل شخصيات من الحياة اليومية بأسلوب فيه شبهة الكاريكاتير الا أنه يذهب أبعد من حدود الكاريكاتير في الاعتناء بتركيب الصورة بطريقة مبتكرة تكشف عن حرية كبيرة في استثمار معطيات المسند. فقد قام تاج السر بعمل رسوماته على ورق تقويم تقليدي من نوع التقاويم التي كانت رائجة في ذلك الزمان ، و المكونة من وريقات مطبوع على كل منها رقم يدل على التاريخ ببنط أسود غليظ و تحته اليوم و بضعة تفاصيل أخرى ببنط صغير. و قد رسم تاج السر شخوصه بالحبر مباشرة على ورق التقويم المطبوع بحيث يندمج موتيف الكتابة المطبوعة، بما يحتوي عليه من توازن الابيض و الاسود، في البنية التشريحية للشخص المرسوم. كم هزّتني تلك الرسومات في ذلك الزمان وتملكني سحرها الغريب المشاتر الذي كان جديدا على خبراتي التشكيلية المتحصلة من دروس رسامي" دار روز اليوسف" الأماجد: مامون و جمال كامل و رجائي ونيس و اللباد وايهاب نافع، أساتذتي و زادي الجمالي في تلك المدينة المنسية على تخوم الصحراء و المزعومة عروسا للرمال، و أنا في عز يفاعتي أباشر الرسم كفاحا في عزلة كبيرة و صمت مجيد.و أظنني وعيت درس تاج السر و تملكته و حفظته كما التميمة، أو قل: كما الغنيمة في تلافيف ذاكرتي البصرية، حتى جاء يوم استعنت به على اقتحام " طبوغرافيا " المسند في فضاءات التصوير المتنوعة.و بالذات في أعمال التلوين التي أنجزتها على ورق الحائط و في تجربتي الحالية الممتدة منذ نهاية الثمانينات في العمل باحبار طباعة المنسوجات على الاقمشة القطنية المطبوعة. و في البداية كنت أكتفي بوضع تصاويري كطبقة اضافية فوق التصاوير التي تؤثث فضاء مسطح المسند، قبل أن يجرني الفضول للاهتمام بتصاوير المسند في حد ذاتها. فأغلب الموتيفات التي تزين المنسوجات تطرح نفسها كخطاب تشكيلي بصري مكتمل و مستبد بذاته.كنسيج( في معنى عبارة " ترام" الفرنسية أو " ويف" الانجليزية)
Trame/ weave
أو كـ " لُحمة"متلاحمة بلا بداية و لا نهاية. و لذلك علاقة بتقنية طباعة المنسوجات التي يراعي المصمم فيها مقتضيات آلة الطباعة، مثلما له علاقة بطبيعة القماش المطبوع نفسه كمنتج مواصفاته التقنية و الجمالية موحّدة على شروط السوق. أقول قادني فضولي لتفحص نوعية تصاوير المسند.و ارض مصممي النسيج عامرة بأنواع متباينة من المصممين و فيهم نفر من فطاحلة المصممين الذين لا يعرف الجمهور اسماءهم رغم أن قيمة عملهم تزكيهم لدى الجمهور في عفوية شيقة و طريفة.و تعودت أن أتحرى المداخل و الثغرات الممّوهة في نسيج التصميم كلما تهيأت لاستخدام مسند مطبوع جديد.و كنت أجد طريقي للدخول بسهولة في الغالب فاحتل المكان و استحوذ عليه و اعيد تأثيثه بمتاعي التشكيلي وفق منهج تصحيحي غايته استصلاح المسند كما يستصلح الفلاح الارض المهملة و يؤهلها لقابلية عطاء أكثر ثمرا.و منهجي في مقاربة المساند المشغولة ينطوي على نوع من اللعب غايته الاستحواذ على كل مسند لم يبذل صاحبه جهدا في تأثيثه بمتاع جمالي يضمن حمايته من تغول" المصححين" من شاكلتي. و بعد الاستحواذ على " الارض" ينطرح هم تعميرها بمتاع جديد و تحويرها حتى لتشتبه على صاحبها الاول فينكرها ان رآها. بيد أن مكائدي في الاستحواذ على المساند المشغولة لا تنجح في كل مرة، لحسن الحظ ، لأن التصميم المتماسك يملك أن يستغلق و يصمد كما الحصن المنيع فلا يقتحمه مقتحم. و كم من مرة استعصى علي الدخول في تلك الحصون التشكيلية الحصينة فهجرتها الى غيرها و أنا أمني النفس بالعودة لاحقا بمكائد تشكيلية أشد نجزا . و هكذا يملك هذا النوع من اللعب التشكيلي أن ينمسخ حربا بيني و بين الفنان المجهول الذي يبذل تصميمه و يحصنه و يمضي.و في ما وراء بُعد الحرب ينطوي الامرعلى حوار تشكيلي بين مشروعيين جماليين مختلفين. و هو حوار غايته في خاطر الفنان الـ " غازي" استكمال بناء بناه فنان آخر، أو هو مشروع جديد لبعث الحياة في أوصال الأثار التي تيبست بفعل الزمن و التعود و فساد التذكر.
أتوقف هنا و أعد بالعودة لأدب الصورة في فرصة قريبة.






أدب الصورة و أدب المسند






الصورة الفتوغرافية تمثل إستعادة الجثمان المحنط لـفتاة البوشمان سارتجي بارتمان المسماة بـ " فينوس الهوتنتوت من متحف الإنسان بباريس لبتشوانا حيث تم دفنها و في الصورة يبدو الجسد المحنط في صندوق بين وزير الثقافة

الفرنسي و موظفة من وزارة الخارجية الجنوب أفريقية



.

الصورة الثانية
أعود لما سميته جانب الصناعة التشكيلية في صورة
War/Worship objects " أدوات العبادة " أو " أشياء السفينة الحربية" أو ال
المهم يازول،فلنسمها" العارية الأوروبية الكبيرة" من باب " كان غلبك سدّها وسّع قدّها". هذه الصورة مثل أختها منفذة بأحبار طباعة المنسوجات على " مسند" قماشة قطنية مطبوعة و مخاطة لتشكل سطحا على هيئة حرف "تي". و مسند القماش المطبوع هو أحد وجوه المبحث التشكيلي الذي أنشغل به منذ أكثر من عقد من الزمان.و هو مبحث يتقصّى الصورة كتمثيل ذهني محسوس مثلما يتقصّاها كحضور مادي ملموس.وقد ساعدني مسند القماشة المطبوعة على تجاوز خرافة " البداية من الصفر" أو" الفراغ" أو "القماشة العذراء" أو" الصفحة البيضاء الجديدة" التي استقرت كقناعة دينية في خواطر الفنانين و الادباء و بعض المفكرين السياسيين الثوريين من دعاة القطيعة الناجزة مع التقليد و بناء الحاضر على الـ " تابولا رازا"
Tabula Rasa
و هي لوح الشمع البكر الذي لم يُكتب عليه بعد،و العبارة مجاز تصوره أرسطو لايضاح حال الصفاء و العذرية التامة لروح الطفل الوليد،و قد استفاد رواد الرومانتيكية الادبية و الثوريين الطليعيين من مفهوم اللوحة البكر و احتالوا به في تسويغ الخروج من قبضة حراس التقليد وسدنة الاكاديميات من كل لون.
أقول استفدت من العمل على المسند القماشي، الذي يحضر بتاريخه الخاص، استفدت منه في قبول مبدأ استحالة ابتدار الرسم من فراغ أو من قطيعة كاملة مع الماضي. فأنت تبدأ من حال المسند المبذول أمامك. و عذرية "القماشة العذراء" أو بياض "الورقة البيضاء" لا يعنيان فراغ المسند و انما يلزمان الرسام بالبناء على واقع العذرية أو البياض الذي يميز طبيعة المسند عن غيره من المساند. و هناك نفر بين الرسامين لا يطيق العمل على الوحة البيضاء مثلما بينهم من لا يطيق الرسم على لوحة تحمل أثرا مهما ضؤل.و بالنسبة لي كانت تجاربي الاولى على ورق الحائط المطبوع تتم من ضرورة الاقتصاد في النفقات، كون ورق الحائط زهيد الثمن مثلما أن مقاومته للتدابير التشكيلية عالية نوعا.و في البداية كنت أحتال على حضور الموتيفات المطبوعة و ألتف عليها لتقديم موتيفاتي و تأثيث المساحة ضمن منطق المفاوضة التشكيلية بين واقع المسند و مقتضيات مشروعي التشكيلي. ثم جاء وقت تعلمت فيه بالمراس أن أنظر في حال المسند، و أن أقرر بسرعة ما اذا كان حضور الموتيفات الاصلية يشكّل عقبة أم دعوة للدخول في مجال المسند. و بعدها انتقلت من العمل على ورق الحائط للعمل على الأقمشة المطبوعة.كان ذلك في نهاية الثمانينات.و في أول أمري كنت أختلس بعض ملاءات و مفارش الدار قبل أن أتوكل و أتسوق في سوق الشمس الذي يبيع فيه المغاربة أنواع القماش من كل لون عجيب.و قد خبرت أحوالا كان المسند بموتيفاته الاصلية يدلني على الصورة المتكنّزة فيه و يلح عليّ الحاحا لتحريرها ،فلا يبقى أمامي سوى تنفيذ الصورة بمجرد رفع بعض عناصر المسند الشكلية الزائدة ، و ذلك على نحو " مايكل أنجلو بوناروتي" الذي قال مرة: أنه حين يرى كتلة الرخام الخام أمامه فهو يبصر فيها منحوتته كامنة في الحجر فيأخذ ازميله و يخلّص تمثاله من زوائد الرخام التي تلبّك أعضاءه. و هذا كله وجه من وجوه أدب المشاهدة الرشيدة. و المشاهدة الرشيدة انما تتم في مقام البصيرة قبل أن تتذرع بمقام البصر.و شرح ذلك أن الصورة انما تتخلق ضمن ضرورات الخاطر كهاجس ذاتي قبل أن تبحث عن مسند موضوعي تتجلى عليه حتى تتقاسمها الابصار.و عاقبة هذا الوضع أن الناس لا يطيقون من صور الوجود الا الطرف الذي يوافق صورة الخاطر.بيد أن صورة الخواطر انما تتأسس على نوعية المنفعة المادية و الروحية التي تعود على المشاهد من حيث ينظر لنفسه و للآخرين.و اختلاف الخواطر و تعارضها هو نتيجة منطقية لاختلاف المصالح و تناقضها، فالمشاهدة لا تنجو من عواقب تناقض المصالح بين الفئات المتناحرة ضمن المجتمع الطبقي.و الحرب الاعلامية الرمزية التي أعلنها علينا سادة المجتمع الرأسمالي المتعولم ليست حربا بين الغرب و الشرق ، بل هي حرب بين منهجين متعارضين في أدب المشاهدة المتحقق داخل المجتمع الغربي،فالناظر من فوق لتحت لا يحصل على نفس الصورة التي يحصل عليها الناظر من تحت لفوق.


أقول :بدأت العمل على القماشة بعد تغطية جزء من الوحدات الزخرفية المطبوعة على القماشة الاصلية بالشمع السائل لتغطيتها و عزلها على أسلوب تقنية ال" باتيك" التقليدي.بعدها قمت برسم صورة " سارة بارتمان" على أثر صورة فتوغرافية قديمة هي الصورة الوحيدة المعروفة لها، و أعتقد أنها صورة تم أخذها للجثة بعد تحنيطها في متحف الانسان، و هو اعتقاد لا تسنده أدلة حاليا، لكن المهم في الأمر هو أن فرادة الصورة ساعدت على تثبيتها في الذاكرة الايقونية على هيئة لا تتغير.بعد رسم صورة " بارتمان " قمت باضافة صورة الحرس المرافق،و اضفت لشخوص الحرس أجنحة و جعلتهم يمسكون بأسلحة بدائية لدعم الانطباع بصورة " الملاك الحارس" الذي افتقدته " بارتمان" في سياحاتها الأوروبية التعيسة.
وقد قمت بتنفيذ الرسم و التلوين أولا بأحبار ملونة عادية و بعد جفاف طبقة الأحبار الاولى، قمت باعادة العمل عليها و تغطيتها بأحبار فضية و ذهبية و نحاسية و بعض أنواع الأزرق ذات الانعكاس المعدني.و للألوان المعدنية خاصية مهمة كونها ذات كثافة شفافة تسمح لما تحتها من لون بشيء من الحضور حسب نوع الاضاءة. و للأسف الشديد فان التأثير البصري الذي تحدثه الالوان ذات الطابع المعدني يفلت من قدرة اكاميرا التصوير العادية التي تبتسر الثراء اللوني و تنفي حضور انعكاسات الذهبي و النحاسي و تمسخ الفضي لأبيض بلا عمق ، و عليه فالصورة المنشورة هنا لا تعطي فكرة دقيقة عن أصلها.و هذا الامر ، أمر خيانة الصورة لأصلها، يشكل محورا مهما من محاور اشكالية الاستنساخ في تاريخ الفن و لمولانا " والتر بنيامين" اضافات بلغت الغاية في هذا المقام سأعود اليها لاحقا. و اشكالية الاستنساخ فولة أخرى لا بد أننا سنجد لها كيّالها في غير هذا المقام فصبرا.لا أطيل عليكم و أخلص الى أن ميزة هذه التقنية( تقنية الاحبار ذات الانعكاسات المعدنية) في تنفيذ الصورة تمكنني من الحصول على صورة ، في صيغة الجمع، تحيا و تتبدل كلما تبدلت زاوية سقوط الضوء على سطوحها أو كلما تبدلت زاوية المشاهدة.
أكتفي بهذا هنا و سأواصل غدا بقية الكلام في صناعة الصورة.