vendredi 29 décembre 2006

الناس أذكياء














صحيفة" ثقافات إفريقية"
Africultures Oct.Dec.2005



ترجمة مقترحة لحوار مع الفنان حسن موسى نشر في ثقافات إفريقية الإلكترونية
Africultures.comأجرى الحوار
لوسي تويا وتيري وليام كوديدجي












LucieTouya et Thierry William Koudedji
ترجمه من الفرنسية إسمعيل طه



أنطلق في حياتي من مبدأ بسيط وهو أن الناس أذكياء


حسن موسى فنان سوداني متعدد المواهب فهو رسام, مصمم قرافيك ومعلم لكنه يعرف نفسه ببساطة كصانع صور. التقينا به في جنوب فرنسا حيث يقيم, وكان أن فتح لنا أبواب فنه وأفكاره. لقد تقدم للمعرض الجماعي الذي أقامهAfrica Remix تحت عنوان : فن قارة , بمركز بومبيدو في أغسطس الماضي, بعملين فنيين. و تعد هذه سانحة أن نكتشف عمل هذا الرجل الكريم والملتزم والذي لا يدعنا دون أن يثير تساؤلات



.
لقد نشأت في مدينة بغرب السودان وتعيش في فرنسا منذ سنوات عديدة وتمارس فيها الإبداع (الرسم))والتعليم، كيف



تتعايش كفنان وكفرد مع الثقافتين؟
لا أقول بأنني أحمل ثقافتين, لدي ثقافة واحدة لكنها معقدة التركيب, وهي التي أتقاسمها مع العالم, إنها تتعلق بثقافة السوق, ثقافة المجتمع الاستهلاكي الذي بنى معالمه حسب منطق سوق الرأسمالية العالمية. إضافة لبعض العناصر وافدة من ثقافات البحر المتوسط, من التقاليد المسيحية الخ من ما يسمى بالغرب. أما الكليشيه المعتاد في العبارة اليومية المبتذلة التي تقول بأنني أحمل من جانب ثقافة عربية إسلامية شرقية أو إفريقية ومن جانب أخر أحمل ثقافة غربية, فإنها تعد في ظني انحرافا واضطراب في الرؤى أن نفكر في مفهوم الثقافة بهذه الطريقة. لانه ليست هناك غير ثقافة واحدة سيطرت وافترست الثقافات الأخرى, لكنها بالغة التعقيد وذات تشابك عظيم. فعندما آخذ إحدى الدوائر جانبا, كالمرجعية العربية الشرقية أو الإفريقية, فاجد نفسي دائما في داخل منظومة ثقافية هضمت وعضونت ثقافات أخرى في داخلها. إنني اعتبر نفسي انتمي بصورة نهائية إلى هذا العالم. ليست هناك عوالم وثقافات أخرى فكلنا شركاء داخل هذه الدائرة الثقافية, لكن يجب علينا مبدئيا أن نعي مدى تعقد وتشابك ثقافتنا. هذا هو ما أحاول أن اشتغل عليه في أعمالي



الفنية.
انك تلامس عدة مجالات من خلال أعمالك الفنية وفي نفس الوقت تعرف نفسك كصانع صور ما هو مشوارك الفني؟




كنت مبهورا بالصور منذ طفولتي. وتطبعت أولا بأول,بتقاليد فن الرسم الأوربي, لأن تلك الصور كانت مثار فضولي. كنت أراها في الكتب المدرسية, في المجلات, في الإصدارات, على البطاقات البريدية وعلي كل منتجات فن الرسم والتشكيل. وهكذا أردت أن أصنع ذات يوم مثل تلك الصور التي كانت تكشف لي عن عالم عجيب. فيما بعد في كلية الفنون بالخرطوم تعلمت تقنية صناعة الصور و حاولت تملّك تصاوير تقليد
الفن الأوربي. اليوم, وكصانع صور أو عندما أتحدث عن هذا المجال فإنني أجد نفسي في داخل تاريخ الفن الأوربي. اشعر بنفسي وريثا له,ولو أنني اشعر في نفس الوقت بأنني وريث تواريخ أخرى ربما يجهلها من هم في جيلي من الأوربيين. اعمل كشخص يمتلك عدة أدراج, فهناك درج الخط العربي, درج الرسم الأوربي ودرج الرسم بالمائيات الصينية وهكذا . إنني أحيا بكل هذه العناصر المركبة. وهي تمدني بعلبة أدوات تسمح لي بعمل ما أحب من صور.

إذن, كأنك تقوم بمد جسور بين بقاع مختلفة في شخصيتك, وبالتالي هل تعد أعمالك من الصور التي ترافق كتاب الأحاجي الموجه لجمهور الأطفال, هل تعدها وسيلة عبور لطفولتك؟




الصور التي تتحدث عنها توجد في كتب الأحاجي التي صممتها, إنها تعتبر بصورة رسمية كتبا للأطفال لكنها موجهة أصلا للكبار واعتبرها كتب للصور أساسا, فأنا لا أعدها كنوع من الكتب التوضيحية. إنها قبل كل شيء تضم صورا احبها. غالبا ما نتحدث عن كتب موجهة للأطفال لكن الكبار هم الذين يختارون في نهاية الأمر, هذه الكتب تتوجه إليهم في الغالب وكأنها تقول لهم, هذه مادة طيبة لأطفالكم. لكن إذا تجاوزنا نظرة الكبار, فان أطفال اليوم يملكون قدرة بصرية معقدة ومتطورة جدا. فمثلا, الطفل الذي في سن العاشرة ، لكي يلعب لعبته الإلكترونية، عليه ان يتمكن من إدارة ثلاثة بؤر صورية للحركة البصرية على شاشة اللعبة الإلكترونية, فهكذا نجد انه عليه أن يراقب و يعمل على ثلاثة محاور في نفس الوقت, إضافة لذلك يلزمه أن يدير اللعبة بأصابعه. إنها تجربة بصرية معقدة تتجاوز قدرات الكثيرين من الكبار. فعندما أتوجه للأطفال بكتبي وصوري, فإنني اعي جيدا بأنني أمام جمهور ذي أهلية بصرية عالية. ولهذا السبب أعتقد أن نظرة الأطفال النافذة القائمة على خبرة بصرية مركبة ستقلب موازيين وطرق صناعة الصور في السنوات القادمه. و في المستقبل القريب سوف تكون هنالك صور عديدة التي لن يتسنّى لها أن تجد قبولا في عالم كتب الأطفال



.
بمناسبة معرض افريكا ريمكس. قمت بتقديم عملين هما" أدوات للعباد"ة و" العارية الأمريكية الكبيرة", قماشة الرسم عبارة عن مجموعة من الأنسجة التي ضبطت وخيطت مع بعضها البعض لماذا هذا الخيار ؟




العمل على القماش الكطبوع يعد إحدى وسائلي التقنية التي أستعملها..وجدت نفسي يوما ما أمام إشكالية الخلفية أو الصفحة العذراء. لأن الخلفية البيضاء (العذراء) ليست خالية لكنها بيضاء بمعنى أنها مؤثـّثة بقيمة البياض. وعندما أبدأ الضرب بالريشة على جسد اللوحة البيضاء يجب على أن أتعامل مع هذا البياض. هذه العملية قادتني إلى التساؤل عن البداية الفعلية للصورة. فهي تبدأ أولاً في الرأس ثم تنعكس على المسند المادي. ونفس السؤال نجده قائماً فيما يخص نهاية اللوحة, ولأن أمر البداية والنهاية يعد مسألة من صميم الأفكار الدينية, التي تسمح للناس أن يبنوا عالماً بين الاثنين بتحديد يوم الخلق و يوم القيامة. أعتقد أن اللوحة توجد في مكان ما داخل علب رؤوسنا ، وفي لحظة ما نجد لها خلفية مناسبة لتمثيلها ومن ثم نتقاسمها مع نظرة الآخرين. ولا يعني والحالة هذه أن اللوحة قد وصلت نهايتها حالما سجلت ووضعت على الخلفية، إننا نراها باستمرار في داخل عقولنا، وينبغي العمل عليها وتحسينها بصورة دائمة. ولكي أواجه مسألة البداية على مستوى اللوحة ، بدأت العمل أولاً على مساند من ورق الحيطان. إنها خلفية تحمل آثار خطابها التشكيلي البصري وكذلك عناصرها الرمزيةالخاصة بها. ولها تاريخها الخاص لترويه وتدعى على أساسه بأنها منجزه. و أنا أباشر عليها عملي كشخص يلعب مع الشخص الذي بنى هذا الخطاب البصري على خلفية الورقة، و أبحث عن منفذ من خلاله يتسنّى لي أن انزلق إلى داخلها وأتملكها لأبنى فيها عالمي أنا، حتى أشعر بأنني أهيمن كل عناصرها المكونة.وهكذا وجدت نفسي منتبها لنوعية المسند المادي للصورة (جسد اللوحة). في وقت ما أخذت ملاءات قديمة مطبوعة، محاولاً إدخال طريقتي في تشكيل الصورة. ولذلك أرى لوحاتي.كتكملة لما هو موجود. لأن وجودي في العالم ما هو إلا تكملة لما هو موجود من قبل. في ظني هنالك الكثيرين من الفنانين الذين يتصرفون وفق هذه الطريقة. بعض الرسامين يفعلونه بوعي والبعض الآخر دون وعي. النسيج ،نسيج المسند، أي نسيج يعتبر عنصراً موجوداً وله وظيفة بطبيعته، كأنسجة تسجيل الأحداثً ذات الطبيعة الرمزية والتقنية ، أنه أي النسيج يفتح لي مجال لاستطلاع جمالي غير متوقع العواقب وهكذا عندما أجد نسيجاً مطبوعاً عليه وحدات زهر عباد الشمس فهو يقودني إلى فان جوخ Van Gogh.بنفس الطريقة التي يقودني بها نسيج مطبوع بتصاوير الموز إلى جوزفين بيكر. إنها مسألة" حتمية بصرية" ولا أستطيع أن أتخطاها. فيما يخص لوحة (أدوات عبادة) ففي اليوم الذي وجدت فيه القماش منقوشاً بعناصر تعود إلى القرن التاسع عشر, بدأ لي في أول وهلة كعالم مميز يشبه عالم الأشياء المتحفية. في ذلك الزمان ، كنت مشغولاً بصورة "سارة بارتمان "، تلك الفتاة الأفريقية التي يسمونها La Venus Hottentot . " فينوس الهوتنتوت". ولقد أثار فضولي ما تمثله في المخيلة الأوروبية . هذه الفتاة الأفريقية التي جلبت إلى أوربا في القرن التاسع عشر لكي تعرض كحيوان ، أو كشيء في معرض ، وكان الناس يتوافدون لمشاهدتها كأنهم في حلبة سيرك. لقد مثلت بها الشخصية الأفريقية ، وبعد موتها، تم الإستيلاء على جثتها باسم العلم و حنّط جسدها في فرنسا و حفظوا فرجها و مخها في علب زجاجية ظلّت معروضة في متحف الانسان (ميوزي دو لوم) إلى وقت قريب.إنها تشكل أيقونة لسوء الفهم الأوروبي الافريقي العظيم المعاصر و الذي لم يعترف به أحد بعد الصورة التي استعملتها هنا تتمثل في نموذج جبس سائل مـُقـَوْلَـبْ فوق جسدها. فالذين صمموا هذه الصورة وقدموها بهذه الطريقة أرادوا أن يعرضوها كما كانت، أي كل بطنها وأعضائها التناسلية بدعوى إظهار حقيقة ذلك الجسد. الأفريقي حينما رأيتها أول مرة وجدتها صورة مشبعة بالعنف والشراسة البالغة. فأردت أن أعرض هذا التمثّل وأدخلت في لوحتي جسد بارتمان كعنصر متحفي معرض للنظر لأنها كانت هكذا في حياتها كلها معروضة حتى بعد موتها داخل علب في إحد أكبرالمتاحف الباريسية. أدخلتها ضمن عناصر أخرى متحفية مطبوعة على القماش. ثم أدخلت بعد ذلك شكل حارس ملائكي وقررت أن كون أنا هذا الحارس كنت أهم حينذاك بأن أحيطها بأكبر قدر من الحراس.و بدا لي كل هذا التدبير كوسيلة لرد الاعتبار لهذه السيدة. في منطق التواصل،يتعلق الأمر بالنسبه لي في إعادة الصور للعالم, أن نعيد العالم صوره. فهي ، أي الصور، لها خصائص الضربات واللكمات. إننا نأخذ ونعطي اللكمات كذلك نقوم بإرسال وتوصيل العنف لأننا نستقبلها بذات الطريقة, كما يحدث هذا في حالات أخرى. كنت مؤخراً في لندن بصحبة بعض الأفارقة المتعلمين وكانوا يتساءلون إذا ما كان ممكنا للفن أن يغير العالم. أنا لست راغباً في تغيير العالم وإلى ماذا نغيره ؟ كلنا يعرف النتائج المترتبة على ما فعله الذين أرادوا تغيير العالم. لا أريد أن أغير العالم لكني لا أريد من العالم أن يغيرني . جورج بوش و كونداليزا رايس يريدون أن يغيروا العالم و يرسلوا الجنود لإقامة الديمقراطية وتغيير المجتمع ولكن مقابل ماذا ؟ ما هو الثمن ؟ وعوداً للبدء، أقول عندما يرسل العالم لي صوراً .متعفنة وعنيفة, أقوم أنا بدوري بإرسال نفس الصور إليه. و رد الصور طريقة في المقاومة ، إنها نوع من خط دفاع بالنسبة لي



.
تركيبة لوحة (أدوات عبادة) في شكل صليب تستدعي موضوع الصلب في اللوحات الكنسية و نجد فيها موضوع النحت الجنائزي النصبيي



.
أعلن هنا انتمائي الكامل لفناني عصر النهضة،و تقليد القرنين السادس عشر والسابع عشر ، و صوري تتشكّل فوق هذه المرجعيات بطريقة مقصودة. إنني أعلن عن قرابتي الفنية مع فناني عصر النهضة ، القرنين السادس والسابع عشر. أن لوحاتي تقوم على تلك المرجعية وبشكل مقصود. في هذا الإرث آخذ هذه التصاوير التي هي اليوم مجرد تصاوير متحفية .... ، إنها لوحات ميته أصبحت أشياء لدراسة تاريخ الفنون أشياء للعبادة إذا جاز التعبير لكنني عندما أستعيرها في مواضيعي فإنني أعرّضها لمعاملة جديدة فلنقل بأنني أبعثها من جديد وانشط فيها تلك الطاقة المهدودة لكي تصبح محفزاً للتفكير في أعمالي. نعم فالمسألة كما لو كنت أدخل إلي مشرحة موتي و أستخلص الجثث ثم أبعث فيها الحياة من جديد ، فإذا نجحت في أن أعيد احياء جثث اللوحات العظيمة التي وسّمت تاريخناً فياله من تشريف هائل. أعتقد أن تأثير الصور على الناس بشكل عام هو تأثير قوى بشرط أن يظل المعنى المراد إعطائه من خلق الصورة فعالاً. ويطرح هذا الواقع معضلة كبيرة ، لأن الصورة في النهاية ما هي إلا كمثل زجاجة في البحر. أنا أكتب خطاباً وأودعها الزجاجة التي تم رميها في البحر ، قد يصل الخطاب إلى أحد لا يستطيع أن يقرأ كتابتي أو الى أحد يستطيع أن يقرأني ولكنه لايفهم ما أقوله له من خلال الخطاب ، دائماً ما أكتب العنوان عنوان اللوحة بالخط العريض ، و بهذه الطريقة لا أظن إننا سنخطىء في فهم موضوع الصورة حينذاك. لكن كوني أخذت في الاعتبار كل شيء ، فذلك لا يعني أن الناس يمكن أن يفهموا معنى صورتي. بطريقة ما ، أو في لحظة ما تعتبر عملية ابراز النص ا الذي يؤطر العمل شيئاً محبطاً بالنسبة لمنطق الصورة، ولكنها يمكن لها أن تنجح أحياناً وإذا نجح لقاء العنوان المكتوب و الصورة المرسومة فذلك مصدر رضاء كبير لي



.
هل تتحدث لوحة أدوات للعبادة عن مسألة تقديس الفن المعاصر ؟




أعتقد أن الفن أصبح اليوم أداة للعبادة . فمثلاً إذا سألنا الناس في داخل مسرح أو متحف :هل بينهم من يؤمن بإله ؟ فيمكن أن يكون جواب الأغلبية بالنفي. لكننا إذا سألناهم (هل تؤمنون بالفن ؟) فالناس سيجيبون بالإيجاب .لأن الفن أصبح شىء من قبيل الاعتقادات الدينية . فالمواد الفنية أصبحت أدوات عبادة دينية ينتجها الفنانين. إنهم أصبحوا وكأنهم أنبياء مندمجين في النظام الحالي بمعنى أنهم أصبحوا تحت سيطرة السلطة, سلطة مدراء المتاحف وسوق الفن, و سلطة النقاد ومؤرخي تاريخ الفن.
لكن هناك اعتقاد بقدسية عالم الفن وهو في ظني آخر المقدسات. فالفن يبدو أنه يحتل المساحة الشاغرة بين عالم ديني قديم ومندثر وعالم ديني على قيد الظهور. إن اهتمام السلطات السياسية والاقتصادية بالفن وصرف مبالغ طائلة في هذا المجال يكشف عن القوة التي يتمتع بها الفن . أعتقد أنها مسألة ذات صلة بعقيدة مركزية في ديانة توحيد السوق. و هي عقيدة الملكية الخاصة لممتلكات عالمنا. الفن مفهوم قدسي يبرر عمل الفنان كملكية خاصة, بينما العمل الفني خلق أصلاً للعام لأنه ليس هناك سبب بأن يكون خارج إطار الصالح العام من جمهور المستفيدين الذين في داخلهم يتطور الفنان. إننا نتحدث عن الفنان كما لو كان نبيا, لكن الأنبياء ليس لهم حقوق الملكية التي يحددها السوق لصالح الملاك القانونين إن الجانب المقدس من الفن هو الذي يبررملكية الفنان لحقوق الوحي والإلهام. إنها فكرة عجيبة واعتقد إنها من صميم مجتمعنا المعاصر.فصاحب العمل يحسب نفسه مالكا لعماله, لأدواته ولكل ما يمكن أن يكون مصدر طاقة في مجال ملكيته. اليوم, لقد تم تضييق الحوار الذي يدور حول المسوغ القانوني و الأخلاقي لملكية براءة اختراع الأنسجة الحيوية، تم تضييقه و حصره بين كل من ممثلي شركات الصحة الصناعية والمؤسسات الدينية. ولا يعد هذا الحوار حوارا ذا مخاطر، بالنسبة لديانة السوق، إذا بقي في حدود المباديء الاخلاقية للثقافة الأوروبية أو حتى عند حدود الكاثوليكية. لكننا يمكن أن نفهم أهمية المشكلة عندما ننظر أليها على ضوء الأزمة التي نشبت بين الدول الفقيرة والشركات الصناعية العاملة في مجال الصحة حول أمصال مرض نقص المناعة المكتسبة الأيدز. ربما هنا تكمن الصلة بين الحياة, السوق وعالم الفن المقدس. هنالك علاقة بين هذين العالمين, لا ادري نوعيتها لكنني أعتقد أنها في حالة تشكل وينبغي أن نتأملها عن قرب.
ماذا يعني وجه بن لادن في لوحة العارية الأمريكية العظيمة؟




تعد هذه اللوحة اختصارا من وجهة نظر علم تاريخ الفن, فهي سمحت لي بإيجاد حلقة ربط بين إحدى لوحات الرسام الفرنسي" بوشي" و هي صورة كانت فضيحة في زمانها. وأعمال فنان البوب آرت" وسلمان" الذي قام بإنجاز سلسلة من اللوحات المسماة Great American Nude إضافة لهذا هناك حالة عالمنا المعاصر الذي أصبح فيه بن لادن كأيقونة رمزا محوريا من رموز المشهد السياسي و الإعلامي. لقد قمت هكذا بإيجاد وصلة ربط بين عالم اليوم وعالم تاريخ الفنون وبالتالي فهي ،أي اللوحة تعد عملاً على أيقونات متعددة ومعاصرة تحديداً. إنني أطرح سؤالاً هنا من أين خرج بن لادن ؟ إنه في الواقع فضيحة أمريكية. إنهم هم الذين شكلوه مثل فرانكنشتاين. لقد قاموا بتسليحه لكي يحارب الذئب الشرير في تلك الحقبة. حدث أنه كسب الحرب ثم انقلب ضد مشكليه وصناعه ما كان يهمني في الأمر هو أن بن لادن وجه أمريكي . إنه يخرج من المنطق الأمريكي في إدارة العالم لقد بنيت العمل في هذا الاتجاه. هنالك العلم الأمريكي كأيقونة من أيقونات عصرنا. إنها أيقونة عجيبة في حياتي. أتذكر حتى الآن المظاهرات الأولى التي سرت فيها و أنا طفل في السودان.و التي كانت ذات صلة بالولايات المتحدة, عمري آنذاك العاشرة أو الحادية عشر. كانت هناك مظاهرة إثر زيارة قام بها نيكسون أو شيئ من هذا القبيل. لم أكن أفهم شيئاً حينذاك وسط أولئك لطلبة الذين كانوا يهدرون غضباً Down down U.S.A فيما بعد عرفت بأنهم كانوا يقولون: تسقط تسقط أمريكا. في لحظة ما قاموا بحرق علم أمريكي, مرسوم على قماش بطريقة تنقصها المهارة، أمام البعثة الأمريكية. فهمت بأن العلم كان عنصراً من صميم المظاهرة. كما لو أنه يجسد أيقونة الشر. فيما بعد اشتركت في مظاهرات حرقت فيها العلم الأمريكي أبان فترة الحرب في فيتنام أو أبان أزمة الشرق الأوسط. يمثل العلم الأمريكي أيقونة ذات جبروت لا مثيل له. فيما بعد اكتشفت " جاسبر جونز" وفنانين آخرين عملوا على العلم الأمريكي.إنه أيقونة مفتاحية. كل هذه العناصر عبارة عن صور توجد معاً تتقاطع وتلتقي مع بعضها بطريقة تلقائية. إنها تتجاذب مع بعضها البعض كالمغنطيس لتشكل لوجه جديد. أعمل على أقمشة مرتقة ومخيطة أحياناً بطريقة سيئة لأنني لا أجيد الخياطة بالماكينة أو بالأحرى أحاول أن أخيط بطريقة سيئة حتى أتحايل على التقنية. إنها في نهاية الأمر تتعلق بحرفة يدوية. إنها تحايل لكي أتستطيع أن أخلق صورة تشبهني. أعرض الأشياء التي أجيد صنعتها جنبا إلى جنب مع الأشياء التي لا أجيد صنعتها, لأن عملي في النهاية هو كل هذه الأشياء معا




. إضافة إلى ممارسة تقنية الرسم, نجدك تمارس الكتابة النقدية في بعض المجلات, وتلقي محاضرات كيف فرض هذا المنهج نفسه عندك؟




إنها الإرادة في التصحيح لأننا قد نعبر عن أنفسنا بشيء وأحيانا يفهم الناس شيئا أخرا. انتقد ما يحدث لي كما انتقد نظرة الناس إلى. يمكن أن أقول أنني أصبحت ناقدا مجبرا. أقوم بإنتاج كلمات لأؤطر بها صوري, أو لتصحيح حديث يخصني, أو للتفاعل ضد أوضاع تحتم تدخلي فيها



.
لوحاتك الفنية تعج بوجوه أسطورية كالقديس سباستيان, الذي يفتح مجالات للتأويل
والمعاني الفنية والسياسية كيف تستعين بهذه المرجعيات؟




يعد القديس سباستيان أحد معالم كتاب الإنجيل, وجه إنجيلي, ويأتي اهتمامي بالإنجيل لسبب كونه كتاب المنتصرين. لقد احتلت الحداثة الرأسمالية مكانها في العالم كله, على نمط المجتمع الأوروبي المسيحي, عن طريق الإنجيل والمبشرين. قد يرتاد الناس الكنائس قليلا لكننا نجد مبادئ المسيحية ذائبة في الفضاء الثقافي السائد , فأيا كانت أصولنا, بوذيين, مسلمين أو يهود فنحن منصّرين بطريقة أو بأخرى. والانجيل بعد ذلك يعتبر ميراث إنساني أو (غنيمة حرب ) كما يقول كاتب ياسين. على عهد دراستي تاريخ الفن بكلية الفنون, انتهيت إلى حقيقة إنني لن أفهم نصف تاريخ فن الرسم الأوروبي دون قراءة الإنجيل. انه فن قام في خدمة المؤسسات الدينية, فالقديس سباستيان, القديس جورج, مريم العذراء والمسيح يشكلون جزاء من تجربتي التشكيلية. أنا أنتفع بالقديس سباستيان نموذجا لأنه يشكل بالنسبة لي مسندا لا مثيل له في خلق لوحات مركّبة تتناسب مع الرسالة التي أريد إيصالها. فالقديس سباستيان هو ذلك الرجل الذي يقرر الذهاب إلى الموت بقدميه, لأنه ان لم يذهب نحو الموت فلن تكن الحياة ذات معنى بالنسبة له. الحياة مليئة بمثل هذه الوجوه التي تذكرنا بسان سباستيان, فلذلك قمت برسم سباستيان بوجه فان جوخ أو بوجه شي غيفارا. في وسع الناس العاديين أن يصبحوا مثل القديس سباستيان. أتناول بنفس الطريقة القديس جورج وهو يقتل في التنين. انه شيق, لانه من الوجوه النصرانية القليلة التي تعمل بهذا العنف. وسيذهب القديس جورج المعاصر ليقتل التنين ويدمر متحف بغداد, كما يفعل كثير من القديسين الجورجيين الذين يدمرون في أماكن كثيرة بفضل خراقة قوتهم. هذه هي الأشياء. المتناقضة التي تتداخل في حيواتنا و أعالجها من خلال هذه الشخصيات الاناجيلية.

عندما نتأمل لوحة القديس جورج, فانه يذكرنابـ " البراق" مطية النبي محمد إلى السماء في ليلة الإسراء والمعراج)؟




عندما أختار الشخوص, فأنا أختارها حسب الجمهور الذي أتوجه إليه بالخطاب, لأنني أعرف ما ستثيره من ردود أفعال. أنا أعيش في فرنسا منذ عشرين عاما, ربما لو كنت في السودان, لاستعملت وجوه غير الوجوه المسيحية. فخيل" البراق" كائن عجيب غرائبي يحمل النبي إلى السماء مارا بالقدس, إنه يعمل بفاعلية في داخل المجتمع الإسلامي. لكنه يفقد فاعليته هنا. كان في استطاعتي أن ابني صورة كتلك, لكنها ستشاهد هنا كصورة دخيلة وغريبة اكزوتية. وأنا لا تهمني هذه. الإكزوتية



.
تعطي لوحاتك انطباعا بأنها تنطلق من حركتين, فمن جهة هناك حركة استوعبت تاريخ الفن الغربي, و حركة مقاومة نابعة من هذا العالم التوفيقي, من جهة أخرى. ماذا هناك من فعل للمقاومة في أعمالك؟




المقاومة مسألة مركزية في حياتي , ليس وحسب في أعمالي الفنية, إننا نحاول أن نقاوم, نحاول أن نجتاز الحواجز, لكن أحيانا قد لا يكون هنالك خيار, فنتخلى. اصعب الأشياء هو أن تفكر في خط التراجع, حينما يكون الأمر غير محتمل. أتذكر قصة حدثت معي قبل عشر سنوات, أثناء درس في الرقص المسمى في فرنسا بـ " رقص الجاز" .كنت الأفريقي الوحيد في الدرس. في لحظة ما, كان على المجموعة أن تقوم بحركة معينة ونحن نرقص. كنت من ضمن الذين نجحوا في أداء حركة الرقص. أخذتني المعلمة نموذجا وقالت لبقية التلاميذ ( انظروا إلى حسن, فبما انه إفريقي فقد قام بأداء الرقصة بطريقة تلقائية) .
لم أتجرأ حينذاك, لأقول لها بأنني قادم من بقعة في إفريقيا يعد فيها رقص الرجال عيبا. نرقص حينما نكون صغارا, لكن الأمر يصبح فيما بعد شأنا للفتيات والنساء, لكنني لم أتجرأ لأنني كنت محفوفا بنظرات الإعجاب التي كانت تطوقني, كأنهم ينظرون إلى الإفريقي الذي يجري الرقص في عروقه مع الدم. فلا يحتاج إلى بذل جهد للتعلم, بينما كنت أجتهد وأتعب في أداء هذه الرقصة. لقد بذلت جهدا كبيرا لتعلم هذه الحركات لكن لم يكن سهلا كذلك أن أشرح هذا لهؤلاء الناس الذين كانوا ينظرون نحوي باعجاب. وهنا, إذن, يأتي فعل التراجع, لقد قبلت بهذه الهالة التي حولي هالة الراقص الإفريقي بينما كانت المسالة ضد طريقتي وكينونتي في الحياة. لكننا نستطيع أن نقاوم, فكما أشرت سابقا, لا أريد أن أغير العالم و في الوقت نفسه, لا أريد من العالم أن يغيرني وهنا المعضلة. فمسألة استمراري في الرسم, بالرغم من وجود حواجز وأشياء معطلة, اعتبرها فعل مقاومة . فالرسم يفقد أولويته أحيانا أمام شروط البقاء. فنحن منقادين بأشياء أخرى كثيرة



.
. انك تقاوم مفهوم الفنان الأفريقي الذي يعرفك في إطاره الذين يحترفون العمل في مجال الفن المعاصر؟ في المقابل تتحدث عن" الفنافريقانية" ماذا تعني بذلك؟




الفنافريقانية مفهوم ديناميكي ابتكرته مؤسسات تجهل الواقع الاجتماعي للأفارقة. انه الفن الذي يفترض الأوروبيون أن الأفارقة ينتجونه . و يتم التفكير فيه هنا في أوربا للأفارقة. وهذا الفن الذي يعرض, أثناء التظاهرات الفنية الاوروبية التي تدور حول الثقافة الإفريقية, و التي تتوجه أساسا لجمهور أوربي. فكل شيء يتم صنعه هنا, الرعاة أوروبيون و الفنانون يعيشون في أوربا في أغلب الأحيان, وإذا كان بعضهم في إفريقيا, فان نظرتهم دائما ما تكون تجاه أوربا الخ. وعليه, يمكن القول بان مصطلح الفن الأفريقي هو جزء من هذه الآلة الاقصائية والتي تعي بأن الأفارقة المولودين في إفريقيا يعدون جزءا من مشهد الفن المعاصر لكنها لا تقبلهم داخله حتى وان كانوا عباقرة, وبالتالي يتم وضعهم في داخل منظومة الفن الغير الأوربي. إن الفنافريقانية ابتكار له عدة وظائف, لكنه لا علاقة له به بفن وواقع القارة الإفريقية, ويمكن أن ننتمي لهذه المنظومة أو لا لكنني أشير هنا إلى النتائج. وأعتقد انه وفي أغلب الأحيان يكون نتاج بعض مفاهيم الجيوسياسية الأوروافريقية. فالأفارقة لا يملكون المال اللازم للقيام بمثل هذه التظاهرات وبالتالي غالبا ما يأتي الدعم المالي من قبل الأوربيين أو الأمريكان, من خلال شركات ومصانع لها مصالح استراتيجية في إفريقيا



.
حسنا ما هو رأيك تجاه ممول معرض افريكا ريمكس القائم في مركز بومبيدو, وهو ليس سوى شركة توتال؟




لابد من وجود أمير راعي للفن, إنها فكرة من صميم التقاليد الأوربية. في عصر النهضة كان هنالك أمراء وملوك, فيما بعد في فترة الجمهورية الفرنسية هنالك رؤساء. اليوم, وفي عصر العولمة لقد تم إحلال دور الأمير بالشركات الضخمة التي تدير كل شيء. ففي هذا الاتجاه, يمكن لشركات مثل توتال, مايكروسوفت وموبيل أن تنشط من أجل الفن, وحري بها أن تقوم بهذا النشاط بصورة علنية. فيمكننا أن نعرف حينذاك أين مكاننا بالضبط, بدلا من أن يتستروا خلف قناع منظمات المساعدات الإنسانية. وبالتأكيد هنالك أسئلة كثيرة يمكن أن تثار ما دمنا نتحدث بهذه الطريقة. فمثلا, لماذا تهتم هذه الشركة بالفن الأفريقي؟ وبأي نوع من الفن الأفريقي؟ هل هنالك سلطة فكرية داخل هذه الشركة تقرر في مصير الفنانين؟ وبأي منهجية؟ هذه نماذج أسئلة مشروعة. ومن ثم أسأل نفسي هل لدي مصلحة كفنان أن أنتمي لمشروع كهذا؟ وإذا لم أنتمي ما هي النتائج المترتبة على ذلك؟ إنها أسئلة يجب أن يثيرها الجميع, الفنانون ومناصرو الفن. وفي الختام ما هي النتائج المترتبة, على المدى البعيد من عمل هذا النوع من الممولين المناصرين للفن؟

لكن وبالرغم من ذلك فأنت تقوم بالاشتراك في هذه التظاهرات, كيف تفسر هذا الالتزام؟




أعتقد أن الجميع في فضاء الفن الافريقي يعرفون كيف أفكر, و قد ينظرون إلى,أحيانا, كشخص مزعج, فكلما كان هنالك تجمعا للفنانين الأفارقة, فإنني أجاهر برأي في أن الفن الإفريقي ليس سوى أكذوبة كبيرة. لكنني في نفس الوقت أجد نفسي معهم, لأنني لا أملك مكانا أخرا. انه المكان الوحيد الذي يسمح بعرض ما أقوم به من عمل. لكن حتى إذا توفرت لي منابر أخرى أعرض فيها أعمالي, فإنني سأستمر في ارتياد هذا المنبر لأنه لا يشكل مجالا للفن وحسب انه أيضا مجال لممارسة العمل السياسي. وكل الذين يعملون في هذا المجال, سواء اللجان المنظمة للمعارض و مناصري الفنانين, على درجة من الوعي بالبعد السياسي لهذه التظاهرات. لكن هنالك كثير من الأفارقة الذين لا يعون مسألة تداخل السياسة مع الفن. وفي هذا الاتجاه, أعتقد انه يمثل مجالا سياسيا ثمينا لأننا حينما نفهم وظيفتها يمكننا حينئذ أن نغير مجرى وأهداف التظاهرة كلية. لا ينبغي أن نترك المجال كلية لسيطرة اللجان المنظمة لهذه التظاهرات



.
ألا تعتقد بأن خطابك هذا يصب في خدمة مناصري فن ومؤسسات الفنأفريقانية بإعطائهم وزنا وعمقا اكبر؟




كلا, إنني أنطلق من مبدأ بسيط وهو : الناس أذكياء ! فإذا أخذنا معرضا كبيرا يزوره حوالي 60 ألف متفرج في الأسبوع, فسنجد عددا من المشاهدين يتمتعون بدرجة من الحساسية لكي يفهموا الخطاب المزدوج المبثوث وينتقون منه ما يصلح. في اعتقادي أن الناس أذكياء بما فيه الكفاية لكي يعيشوا ويتأقلموا مع عالم يتطور بسرعة مذهلة, فقبل ثلاثين عاما لم يكن هنالك أحدا يتصور بانهيار الاتحاد السوفيتي وحائط برلين وأن ينتهي نظام التمييز العنصري في جنوب إفريقيا. واعتقد أننا سنضحك بعد بضعة سنوات لفكرة أن يضعوا الفنانين السود معا تحت مسمى ( انتم الفنانون الأفارقة)فعندما نعيد التفكير اليوم في ما حدث قبل قرن حينما تم جلب الأفارقة لكي يعرضوا في حديقة حيوانات ، ويأتي الناس لمشاهدتهم هنا في باريس, فبنفس الطريقة, تعتبر افريكا ريمكس وافريكا 05 وكل التظاهرات التي تتم باسم الفن الإفريقي حدائق حيوانات الحاضر. فربما سيأتي اليوم الذي سيقول فيه الناس, بعد ثلاثين أو خمسين عاما: كيف سمحوا بتنظيم شيئ من هذا القبيل؟

jeudi 28 décembre 2006

من إخترع الأفارقة؟8

من اخترع الافارقة
الحلقة الثامنة
و من اخترع السودانيين؟

غاية الآلة الأفريقانية هي تشكيل نوع من الافارقة يشبهون الصورة المزيفة للأفريقي التي تخلّقت في الخاطر العرقي الأوروبي، ثم تسويغ التباسات هذه الصورة بالصورة الواقعية حتى يخلص الافارقة، قبل غيرهم،الى قبول صورتهم المزيفة الممسوخة و تبنيها وانكارغيرها.و اذا كان سدنة الفنأفريقانية الاوروبية يخوضون حرب التصاوير الافريقانية بمثل هذه الضراوة المكلّفة فما ذلك الا ليقينهم من أن انتصارهم في هذه الحرب العجيبة انما يعني الهيمنة على رأس المال الرمزي لأهل أفريقيابشكل حاسم.و هي غنيمة ثقافية مردودها الاقتصادي و السياسي لا يقدّر بثمن.و اذا كان رواد الصنعة الفنأفريقانية في البداية يقتصرون علىبعض بلدان غرب أوروبا المهمة كفرنسا و بريطانيا، فان الثقل الجيوسياسي للصنعة الفنأفريقانية أصبح يحفّز الكثيرمن الاوروبيين اليوم على تنظيم المبادرات الفنأفريقانية كما في مثال ألمانيا و اسبانيا و ايطاليا و البرتغال...و بين الدول الآسيوية المهمة يبدي اليابانيون اليوم اهتماما أكيدا بالفنأفريقانية.و لا أحد يعرف بعد الشكل الذي ستتخذه الآلة الفنأفريقانية الصينية غدا. و في النهاية لا أحد يعرف كيف يستعد الافارقة لاستقبال هؤلاء و أولئك، هذا ان كانوا يستعدون فعلا.
هذه السطور لا تكفي للاحاطة بمجمل التشعب و التركيب اللاحق بالآلة البديعة التي ينتفع بها الأوروبيون في فبركة صورة أفريقيا على مقاسهم النيوكولونيالي.و اقول: " الآلة البديعة"، كون القوم تمكنوا من اختراع ألة للقهر سحرها يأسر القاهر و المقهور في آن.و عبارة " الآلة البديعة" تستدعي لخاطري صورة تلك الآلات التي ترتجل في عجلة شرط السوق الرأسمالي لتصبح في زمن وجيز جزءا من الأمر الواقع، كما منحوتات السويسري " جان تينغلي" الانتحارية التي عرف بها في مطلع الستينات.و هي منحوتات آليةـ أو آلات نحتية ـ مزودة بمحرّك. و ما ان ينطلق محرك المنحوتة، حتى تدور أجزاءها الموصلة بالمحرك في حركة عشوائية مجنونة في كل الاتجاهات الى أن ينفصل كل عضوعن أصله بفضل القوة المركزية الطاردة و تنتثر الأجزاء في الفضاء و لا يبقى سوى المحرك الذي يظل يدوروحده الى أن يستنفذ طاقته ويهمد تماما.و لكن خلافا لآلات " جان تينغلي" الانتحارية فان الآلة الفنأفريقانية حين تشرع في صيرورتها الانتحارية فهي تجر الافارقة معها في مسار التدمير الذاتي.وأنا أقول هذا بعيدا عن المجاز البلاغي، اذ يكفي التأمل في مصير هذه الآلة المسماة بـ "الدولة القومية" التي غنمناها،بدون تفحّص نقدي ـ كما الهدية المسمومةـ ضمن ما نابنا من ميراث غنائم الحداثة الاستعمارية ، فدخلت علينا بالساحق و الماحق،و انحطت لحالة "الدولة القبلية" في الصومال و في رواندا و في ليبيريا و في الكونغو الخ(وماخفي أزرط). و تأملوا في مصير هذه الآلة المسمّاة بـ " التبادل الاقتصادي" بين بلدان أوروبا و أفريقيا، الذي انمسخ الى دَين مزمن وذريعة لاستعبادنا لأبد الآبدين، و نحن قوم نعبر في حكمتنا عن عبودية الدَين بعبارات مثل " سيد الدين سيدك".ثم ما قولكم في هذه الآلة الأخرى المسمّاة " التعاون الثقافي" التي انكشفت عن كونها مجرد ذريعة للتدخل في تدبيرنا الرمزي و الانحراف بمساراته لصالح استراتيجيات الهيمنة و الوصاية و صيانة مناطق النفوذ، لغاية هذه الآلة المسماة بـ " الثقافة الأفريقية" بصيغة الافراد لشعوب قارة بحالها.و هي آلة مهمتها مصادرة التعدد الثقافي الاجتماعي التاريخي و العرقي لأهل القارة، و اختزالها في هيئة كيان زنجوي مبسّط و طيّع و قابل للقسمة بين غيلان رأس المال و سعاليه التي لم تكف عن افتراس خيراتنا المادية و الرمزية منذ فجر الاستعمار.و ضمن آلية الثقافة الافريقية تبدو " الفنأفريقانية" كمجرد ترس صغير.لكن هذا الترس الصغير يلعب دورا كبيرا في تسويغ صورة أفريقيا كما يتمناها الخيال الاوروبي الملتوي كتجسيد لفكرة الاصالة الخالصة المنزهة عن كافة الشوائب.
ماذا نفعل بهذه "الأصالة الافريقية" التي صممها الفنأفريقيون الاوروبيون ـ كما قميص عامر ـ على مقاسهم قبل أن يبذلوها للأفارقة. ماذا نفعل بهذه الصورة المشاترة التي رسموها لنا من وحي خيالهم ثم طالبونا بأن نشبهها؟
ان مشكلة مفهوم" الاصالة الافريقية" تكمن في كونه يفترض للثقافة الافريقية أصلا خالصا منزها من الشوائب، تتميّز به عن غيرها من الثقافات.و في مبدأ الاصل الثقافي الخالص ضلال مفهومي كبير يدحضه الواقع التاريخي للظاهرة الثقافية.فالثقافة، مطلق ثقافة، انما ترتهن بحركة التاريخ الذي تتخلّق في اطاره، تاريخ التناقضات بين مصالح الفرقاء الاجتماعيين.والثقافة بهذا تتشكل ـ كما الكائن الحي ـ على صورة تناقضات المرحلة التاريخية ، وان غفلت عن هذه المهمة تفنى. و ضمن هذا الافق، افق البقاء، تفاوض كل فئة اجتماعية يتفق أفرادها عند مصالح اجتماعية بعينها، تفاوض نصيب ثقافتها من الشوائب التي لا مناص منها و تسعى لتوليفها و تكييفها مع مشروعها الاجتماعي.و الواقع الثقافي المعاصرلثقافات أهل السودان غني بالامثلة على مساعي المفاوضة المستمرة التي تتكشف عنها عبقرية السودانيين، بسبيل التوفيق بين تناقضات الجغرافيا و التاريخ تحت شروط الواقع الاجتماعي المعاصر، وهذا مبحث يفيض عن سعة هذا المقام.و خلاصة الامر هي أن الثقافة لا تكون الا ملغومة بنصيبها المعلوم ، و غير المعلوم، من شوائب شرطها التاريخي.( و" الشوائب" في لسان العربان صيغة جمع تدل على" العيوب و الادناس و الاهوال"، و في مادة" شوب" معنى الخلط و الغش و الخديعةو هي صفات شحنتها الدلالية الدينية البيّنة تسوّغ لأنصار "الأصالة الثقافية" تهريب السؤال الثقافي خلسة لأرض الدين بلا مناقشة أو تمحيص.و أعني بـ "أرض الدين" تلك المنطقة التي يتحلل فيها الناس باسم الاعتقاد أو باسم الذوق،أو بكلاهما، من مقتضيات المنهج العقلاني الموضوعي، و هي أرض يتقاسمها أهل الاعتقاد الديني الرسمي مع الكثيرين من المتدينين الفطريين المتنكرين وراء الاقنعة العلمانية الرسمية، و هذه فولة تنتظر كيّالها في مشهد مناقشة التديّن و العلمنة المبذولة للمسلمين اليوم).أقفل قوس الدين هنا و أعود لمسألة "شوائب" الثقافة الافريقية التي تفسد على الفنأفريقانيين الاوروبيين و غير الاوروبيين بهجة الكرنفال العرقي السعيد.أقول : ان الثقافة لا تكون الا مشوبة، و هذه قولة لا يطيقها أنصار ثقافة الهجنة و التمازج، الذين تتأسس فكرة الهجنة في خاطرهم على افتراض الصفاء الثقافي لدى الثقافات المتهاجنة قبيل مباشرتها لفعل الهجنة.و لو شئت ترجمت عبارة " فعل الهجنة" بفعل" الخيانة"و " الغش" و "التدنيس" لعناية الخلاسيين العربسلاميين الذين يموّهون وراء زهوهم الجمالي المغالي بصُدفة التخلّس الزنجعربي في السودان ، أزمة وجودية عميقة سببها الاحباط العرقي الذي يتخلّق في ما يمكن أن نطلق عليه " مُرَكّب ود الحرام" في الثقافة السودانية العربسلامية، و ذلك في معنى الكائن الخلاسي الذي يعاني من كون أبيه العربي لا يطيقه بينما هو شخصيا لا يطيق أمه الزنجية.و قد مر على السودانيين ـ قبل أن ينمسخوا لـ " سودانويين" ـ مر عليهم عهد كانوا فيه " عارفين عزّهم" العرقي و " مستريحين" و " أولاد بلد" يقعدوا و يقوموا على كيفهم الخ..في ذلك الزمان لم يكن عدد المشغولين بـ " مدرسة الغابة و الصحراء" يتعدى ذلك النفر القليل من أهل الصفوة الخرطومية الذين كنت تشاهدهم، بسلامتهم، في المحافل الثقافية التي كانت تنشط داخل أرض " استحكامات غردون". ثم جاء عهد خرج " أولاد البلد " فيه من جغرافية" البلد" و تشتتوا ايدي سبأ، في بلاد العرب و السجم و الرماد، وعيّرهم" الاخوة في العروبة" بسوادهم و بزنوجتهم، وداخلهم شك كبير في " عزّهم" وفقدوا الراحة و الامن الرمزي العرقي المتوارث أبا عن جد في " البلد" اياها.صار أولاد العرب "دياسبورا " في بلاد العرب، و لم يعد بامكانهم أن يقعدوا و يقوموا على كيفهم في بلاد طيرها العربي عجمي مستعرب و مستغرب من فصاحة السودانيين.و كتب عليهم أن يشرحوا لداجنة العربان لغتهم ونسبهم و خصوصيتهم كتجسيد حي لواقع الهجنة العربية الافريقية.و في هذا المشهد اكتشف شعب المتعلمين بين المغتربين السودانيين عزاءا كبيرا في أدب " الغابة و الصحراء"، كونه أدب يشرح للعربان(و هيهات) تعقيد المسألة السودانوية في أناقة عربية معاصرة، فضلا عن كونه يقعّد هؤلاء العرب" السود"(انيين) مقعد قبول في محافل الثقافة الرسمية الـ" كل عربية"بأنواعها.و هي ثقافة بروباغاندا ترعاها سلطات الانظمة العربية القومية و تتعزّى بها عن واقع الخلافات و أنواع الشتات العربي الازلي.
لكن الرواج الشعبي الذي يلقاه أدب شعراء " الغابة و الصحراء" وسط الدياسبورا السودانية في بلاد العربان يتميز بطابع انتقائي يختزل التنوع الابداعي لشعراء الآفروعروبية المهمين لحدود التعبير الايديولوجي السودانوي للطبقة الوسطى العربسلامية في السودان.و لو تمعنا في كم الاقتطافات الاجبارية التي تتواتر في أدبيات الهويولوجيا السودانوية لوجدناها لا تتجاوز الابيات و المقاطع الشهيرة التي" تأيقنت" بفعل التكرار و تحولت الى نوع من ستار يحجب المساهمة الشعرية لهؤلاء الشعراء المهمين.مثلما يحجب من وراءهم شعراء سودانيين مهمين لم تكن صيانة السودانوية بين أولوياتهم. و مما "زاد الطين بللا" أن بعض محترفي السياسة الناشطين في منافي التسعينات وجدوا في عظم الأدب السودانوي" كدّة" فاستولوا عليه وغنـموه جهارا، و أدباء السودانوية الاحياء ساكتين و متواطئين ـ و قيل " مستفيدين " ـ و مافيهم زول قال:" بغم"...( و هذه فولة أخرى لا أجد لها براحا في هذا الكيل فصبرا يا حضرات).
أقول أن الثقافة لا تكون الا مشوبة. و هي قبل كل شيء، و بعد كل شيء، مشوبة بنوعية النظرة التي ينظر بها اليها أهلها مثلما هي مشوبة بنوع النظرة التي يلقيها عليها الآخرون من منصّات ثقافاتهم.و نحن اذ ننظر لما نعتبره ثقافت"نا" فان ضمير الجماعة الناظرة يقبل القسمة لغاية أقل تشكيل ممكن لأصغرجماعة قمينة بانتاج ثقافة ما بين ثقافاتنا. و حين ينظر الآخرون لما يعتبرونه ثقافتنا فهم انما يفعلون ذلك من واقع تعددهم و اختلاف رؤاهم و مصالحهم .و في هذا الافق يجدر التعامل بكثير من الحذر مع عبارة " الثقافة الافريقية" التي يؤسّس عليها كثير من الناس طرائق و اساليب التعامل مع الافارقة.ففي الـ" بيزنيس" السياسي و الاقتصادي الذي يقوده الاوروبيون في أفريقيا تتمتع عبارة " الثقافة الافريقية" بثقل نوعي خطير.وهذا الثقل الدلالي المميز لعبارة " الثقافة الافريقية" هو ، في تحليل نهائي ما، أمر لا مصلحة لأهل أفريقيا في تجاهله.
و على هذا فان افريقيا التي َنفَدتُ بجلدي منها في نهاية السبعينات لا علاقة لها بأفريقيا البحّاث الاثنولوجيين و من لف لفهم من الأفريقانيين المحترفين،مثلما لا علاقة لقارتي المظلمة و الحارة الجافة المتلافة بأفريقيا" الام"(موذرآفريكا)، التي تهجس خواطر السود
" الآفرواميريكان" و لا خواطر رجال " الراستا" البريطانيين وسلالات أهل جزر البحر الكاريبي الذين يصلون الارحام السوداء بذريعة الدياسبورا. ان لأفريقيا التي تسكن خاطري صورة عامرة بالاشتباهات المشروعة و غير المشروعة التي يبذلها لي الاعلام المتاح على علاته. صورة القارة التي تفاوض أسباب البقاء بين الحروب و المجاعات وايقاعات الطبول الاكزوتية اياها.و هي على كل حال الصورة الوحيدة المتاحة لأفريقيا تحت الشرط الراهن . فما ذا نصنع بهذه الصورة ؟
أنا شخصيا، افضل الاحتفاظ بهذه الصورة الخائنة الممسوخة،و" مضايرتها" و امعان النظر النقّاد المتأنّي في مكوناتها، مهتديا بمقولة " الجن التعرفه أخير من الجن الما بتعرفه". كون هذا الـ "جن " المعروف لنا هو ، في تحليل نهائي ما، "جرادة في الكف.."، بل هو" الجرادة "الوحيدة التي نتقاسم معرفتها مع الافارقة و مع غيرهم من أهل شمالي المتوسط و أهل آسيا و أمريكا.هذه "الجرادة المشتركة" هي الحد الادنى الذي يمكن لنا أن ندبّر عليه فرص المخارج التنموية المشرفة لمجتمعات أفريقيا.
و حين أقول بـ " مضايرة" الصورة المتاحة لأفريقيا فأنا استخدم العبارة في معنى الاعتناء النقدي الواعي بها في مدلول فعل" المظاءَرة".و المظاءرة في لسان العربان تدل على عطف الناقة أو المرأة على ولد غيرها فتتبنّاه وترضعه بدلا عن أمه الغائبة.و فكرة مضايرة هذه الصورة الممسوخة لأفريقيا تفرض نفسها علينا بحكم أنها الصورة الوحيدة المتفق عليها فضلا عن أن ضرورات البقاء المادي تفرض أولوية تعريف المخارج الواقعية العاجلة لأهل القارة على الجدل البيزنطي حول تعريف الصورة المثلى لأفريقيا. فلا وقت أمامنا حتى نصرفه في ترف تعريف الصورة المثلى للقارة.
و"مضايرة" صورة أفريقيا يستدعي الى الخاطر هذا التقليد " الافريقي" القديم، تقليد " البصارة " المهنية و الحكمة الحرفية الذي يعتمد عليه الـ " اسطوات" الاميون في فهم و ترويض و ترميم و اصلاح، بل و اعادة اختراع آليات المجتمع الصناعي المكلفة التي ترد بين ظهرانينا بشكل فوضوي، بلا تدريب أو تحضير مسبّق، و بدون" دليل الاستعمال" اياه ،ثم تهلك في أصقاع بلادنا بفعل الحر و الغبار ووعورة المسار، فيتأمل القوم في مصيرها الأفريقي قبل أن يتفتّق خيالهم الحرفي الشعبي عن أذكى المخارج التقنية لبعث الحياة في أوصال الآلة النافقة. و " الحاجة" التي هي" أم الاختراع"( و أبوه كمان)، راكمت في خبرة الأهالي تراثا واسعا من أدب البصارة التقنية الشعبية ، و هو تراث فريد في نوعه ، له أعلامه و مواقفه و حلوله البراغماتية الذكية التي تحفظها ذاكرة الاجيال. وذلك وجه من وجوه الحداثة الافريقية يجهله خبراء الفنأفريقانية.
ان المظاءرة النقدية لصورة أفريقيا المتاحة يقتضي حيلة و خيالا واسعا من قبل كل المهمومين بمصير أفريقيا.و أول الحيلة انما يكون في الاستفادة من كل المادة المبذولة في صدد أفريقيا، بما فيها المادة الفنأفريقانية اياها(بصرف النظر عن رأيي الشخصي في مزالقها الاكزوتية المشهودة).و على منطق الاستفادة لا أستبعد أي من الفنأفريقيين الميامين من نوع" جان هيبير مارتان " أو"جان كلير" أو " سوزان فوغل" الخ ...فهؤلاء القوم يظلون مفيدين لفهم فنون الافارقة بحكم كونهم ، و حتى اشعار آخر، يمثلون ـ و بصرف النظر عن دوافعهم الحقيقية ـ القلة القليلة التي تبدي الاهتمام بما ينتجه الافارقة من فن. و ضمن هذا المنظور فهم يعرّفون مجالا نظريا لمباشرة الحوار حول الأسئلة التي يطرحها على العالم المعاصر فن الافارقة.
في فجر الغزوة الاستعمارية وجد الاوروبيون أنفسهم أمام لحظة خيار فادح يقتضي منهم اتخاذ موقف تاريخي بالنسبة لأهل المجتمعات غير الاوروبية التي بسطوا عليها سلطان رأس المال بذريعة عبء الرجل الابيض النصراني المتمدّن:
اما أن يتآخوا مع المهزومين، و يتضامنوا و يتقاسموا معهم خيرات العالم المادية و الروحية محققين بذلك حلم الحضارة الانسانية النبيل بامكان يوتوبيا السعادة النصرانية الناجزة حيث " يسكن الذئب مع الخروف و يربض النـمر مع الجدي و العجل و الشبل و المسمّن معا و صبي صغير يسوقها. و البقرة و الدّبّة ترعيان. تربض أولادهما معا و الاسد كالبقر يأكل تبنا. و يلعب الرضيع على سرب الصل و يمد الفطيم يده على جحر الافعوان. لا يسوؤون و لا يفسدون في كل جبل قدسي لأن الارض تمتلئ من معرفة الرب كما تغطي المياه البحر.."(العهد القديم، اشعياء، الاصحاح الحادي عشر).
أو أن يهيمنوا و يستعمروا و يستغلوا هؤلاء الناس المقهورين الذين ما كان فيهم من يمانع مبدئيا في الانخراط في يوتوبيا السادة و الاستفادة من خيراتها المادية و الروحية.
و اليوم في فجر العولمة الليبرالية يجد الاوروبيون أنفسهم أمام خيار اخلاقي فادح مشابه: هل يتضامنوا مع المقهورين و الفقراء بسبيل استعادة اليوتوبيا الانسانية المفقودة ، أم يتحالفوا مع الاغنياء الاقوياء بسبيل استعادة نصيبهم من غنائم حرب العولمة الليبرالية
التي يشنها رأس المال على الفقراء.و هي غنائم تافهة لا تسمن و لا تغني من جوع و لا تكفي لترميم اليوتوبيا النصرانية المتداعية التي يتمترس خلف أسوارها بناة أوروبا البواسل. هؤلاء الرجال و النساء العلمانيون الذين لا يتورعون عن الاحتجاج بالدين لاستبعاد تركيا المسلمة من قسمة الاتحاد الاوروبي. و رغم أن عرضي لمأزق الطوباويين من عيال النصارى ينطوي على شيء من التبسيط ، الا أن تبسيطي انمايجد تبريره في البساطة المقابلة التي تغلّف بها بروباغاندا رأس المال المتعولم التناقض التاريخي، في عرضها لحال الحرب الجارية بين الاغنياء و الفقراء، كحرب بين الحضارات المصنفة شرقية ضد تلك المصنفة غربية.ان حرب "قوى الخير " ضد "قوى الشر" التي تشنها البلدان الغنية تحت قيادة " بوش"( الاب و الابن) على البلدان الفقيرة، التي يزعم قيادتها الانبياء الكذابون من شاكلة " أسامة بن لادن" أو" صدام حسين"أو "معمر القذافي"( و أولادهم)، انما تجسد أغلظ أشكال التبسيط المغرض الذي يهدف لتمويه الواقع الراهن، واقع اغتنام العالم كما يباشره الاغنياء على انقاض اليوتوبيا النصرانية البائدة.و هي حرب مصطنعة اصطناعا، حرب مزعومة" وقائية"و " نظيفة" و "جراحية" لمجرد أنها تبدأ من شاشات التلفزة و تنتهي على شاشات التلفزة، كما لوكانت وجها من وجوه اللعب الالكتروني. غير أن دم الفقراء الذي يسيل على أرض الواقع يدحض اللعب الالكتروني و يكذّب تمويه البروباغاندا مهما عظمت حيلتها.
بلا شك ، كل هذا يبعدنا عن الفن الافريقي كما يحتفل به سدنة الجمالية العرقية الأوروبية. و ربما كان من الاقوم لنا، بسبيل مقاربة الواقع الذي يعيشه الافارقة اليوم، أقول : ربما كان من الاقوم لنا أن نتأمل في هذا النوع من فنون الافارقة الذي لا يحفل به الاوروبيون كثيرا : فن البقاء على قيد الحياة.


ـ هذا النص هو حصيلة ترجمة حرة للنص الفرنسي الذي نشر في مجلة " الازمنة الحديثة" عدد أغسطس / نوفمبر 2002
« Qui a inventé l »es Africains ? », in Les Temps Modernes, Aoùt-Novembre 2002.

من إخترع الأفارقة؟ 7


من اخترع الأفارقة؟
الحلقة السابعة
الغرب الممسوخ

المتأمل في مشهد العلاقة المتوتّرة بين "جان كلير" و " جان هيبير مارتان" لا يجد صعوبة في فهم القاسم المشترك الأعظم بين موقفيهما المتناقضين في الظاهر.فبين "كلير" الذي يسعـى لانقاذ الغرب بقفل أبواب مؤسسات العرض أمام الفنانين غير الأوروبيين، و"مارتان" الذي يسعى لانقاذ الغرب بحقن دم جديد غير أوروبي في شرايين مؤسسات العرض الأوروبية، يتفق "كلير" و"مارتان" على حقيقة مريعة: الغرب في خطر و يجب انقاذه بأي ثمن.بيد أن هذه" الحقيقة المريعة" التي يلتقي عندها الأخوة الأعداء انما تنبني عند كليهما على مفارقة مفهومية،(و قيل على" أكذوبة")، تاريخية و اقتصادية و سوسيولوجية غليظة فحواها: أن المجتمع الأوروبي هو الغرب مثلما أن الغرب هو أوروبا. و التطابق بين مفهومي الغرب و أوروبا ينتهي الى تمليك ظاهرة الحداثة للأوروبيين دون غيرهم من عباد الله المستبعدين – كسر رقبة- لـ "رزيرف" التقليد.
و هكذا يتوجّب على الفنانين المعاصرين غير الأوروبيين الذين يبحثون عن فرصة لعرض أعمالهم في مؤسسات العرض الأوروبية،يتوجب عليهم الوقوف عند نقاط التفتيش على الحدود بين الثقافات، و ذلك حتى يتمكن ضباط الجمارك و مسؤولي الأمن الحضاري من التحقق من أصالة هوياتهم أولا ، ثم تصنيفهم حسب الأمكنة المعدة لاستقبال " الاجانب" ضمن هرم التراتب الثقافي الأوروبي.و قد أصابني كثير من هذا أول عهدي بالقائمين على مؤسسات العرض بأوروبا، و الحق أقول : في البداية فاجأني الامتحان وأحبطني و أحزنني أيما حزن، سيّما و انني وفدت لشمالي المتوسط متفائلا بفرصة وضع حد لغبن الدياسبورا الأفريقية التي خبرتها في ذلك الوطن المحزون الجاف المتلاف.لكن المثل الصيني يقول(و دي ما ينفع فيها الا مثل صيني): السم الذي لا يقتلك يزيدك مناعة، و الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.فقد نفعتني سنوات الاستبعاد من مؤسسات العرض الأوروبية في التفرغ لمراقبتها من مسافة نقدية ساعدتني على فهم ما يجري وراء الكواليس. و حقيقة فأنت لا تحتاج لذكاء خارق لتفهم أن ما يجري في كواليس الفنأفريقانية الأوروبية ما هو الا انعكاس مباشر لواقع العلاقة السياسية بين أوروبا و أفريقيا.وان كان لـ" كلير " فضيلة على "مارتان" فهي في صراحته التي تلخص العلاقة مع غير الأوروبيين، و ضمنهم الأفارقة، في عبارة الاستبعاد الفظ الغليظ و بضيق شنيع في الأفق السياسي و الانساني.و ربما وجد ذلك الامر تفسيره بقرب
" كلير " من دوائر اليمين السياسي المحافظ التي لم تهضم بعد نهاية الاستعمار في أفريقيا.و على الطرف النقيض يقف مارتان، المحسوب على اليسار الاشتراكي الفرنسي،كنموذج ناجح للبهلوان الذي يلعب على كل الحبال.و لا جناح، فالفنأفريقانية التي يرفع رايتها" مارتان" هي في الحقيقة تعبير ثقافي عن السياسة الأفريقانية النيوكولونيالية التي صانتها حكومات اليسار الاشتراكي على تعاقب الأنظمة في فرنسا(و للاستزادة من معرفة سياسات الاشتراكيين الفرنسيين في أفريقيا يمكن الرجوع لكتابات ف. اكس. فيرشاف و بالذات كتابه " لافرانسأفريك"( و يمكن ترجمتها بـ" فرنسا أفريقيا" ـ على نحو المضاف اليه ـ اذا تجاوزنا عن التسطيح الذي يخيم على العبارة العربية).
(F.X. Verschave, La France Afrique, Paris ,Stock,1999)
و" مارتان" يلعب دور الجمركي الذكي الذي يصنف الفنانين الوافدين من الخارج ـ من خارج أوروبا و من خارج الغرب و من خارج الحداثةـ و ينتقي منهم من ينفع في تدعيم النسخة الأوروبية لما يعتبره صرح الفن الغربي.
و قد كان هذا، على الاقل، حالي حين رمت بي الأقدار في طريق "مارتان" الذي اتصل بي مرة، في مارس 1999، بوصفي فنان أفريقي(؟) معاصر،و عرض علي الاشتراك في معرض " قسمة الاكزوتية". في رسالته( المؤرخة بتاريخ 8 مارس 99) لم ينس "مارتان" أن يضيف التحذير المعهود الذي تعود المنظمون الاوروبيون لمعارض الفن غير الاوروبي أن يوجهونه للفنانين غير الاوروبيين حول مخاطر فقدان العذرية الثقافية من جراء الانجراف وراء اغراءات الحداثة الغربية الخ.و هاكم عينة من هذا الادب الابوي الرفيع:
"ان تبني الحداثة يمكن أن يعتبر موقفا تقدميا ضد الظلامية السلفية القديمة مثلما يمكن أن يعتبر فقدانا للهوية و خضوعا للهيمنات الثقافية والسياسية و الاقتصادية للغرب". حين قرأت كلمات " مارتان" لم اصدق عيني.و تقاطرت الاسئلة في خاطري:
عن أي هوية يتكلم؟عن أي حداثة؟ و عن أي غرب؟و هل يمكن للشخص أن يفقد هويته كما يفقد طاقيته أو خاتمه مثلا؟و ما مصير من فقد هويته؟هل يموت غمّا أم يبقى سابحا في الفضاء كما شخوص لوحات "شاغال" الشهيرة أم أنه يرسى على هوية غيره و" يكفّنها" كما الميتة في بلاغة الأهالي.ثم كيف يمكن الهرب من قدر الحداثة؟و في النهاية ما أصل هذا الشيطان الاكبرالمسمى بـ " الغرب" و الذي يحرص الجميع على تذكيري بمخاطره حتى اصون نفسي عن غواياته المهلكة؟
كل هذه التساؤلات حفّزتني على الكتابة لهذا الساحرالاكبر الذي يهيمن على مشهد الفنأفريقانية، لأشرح له كم الاشتباهات المركبة المقيمة في موقفي كفنان غربي غير أوروبي لا تسعه التصانيف الجمالية و السياسية المبذولة للمنتفعين بالفن المعاصر.
وقد كانت حيلتي في شرح الامر لـ " مارتان" غاية في البساطة.يعني بالعربي كده: يا زول انت آلتك دي، بتاعة الحوار بين الثقافات، آلة مريبة في أصلها.ثم أن صفتك الوظيفية كممثل لسلطات المؤسسة الثقافية الرسمية لا تؤهلك لتمثيل الحضارة الغربية.ناهيك عن كوني شخصيا زاهد تماما في تمثيل أي حضارة كانت، مثلما أنا زاهد في تمثيل اي "آخر" غربي كان أو شرقي.باختصار، أنت و أنا و آخرين، لسنا سوى شركاء في نفس الـ "اسكوات"( ترجموا:" سكن غير قانوني" و قيل " عشوائي")
Squat
الذي بذلته لنا حضارة السوق المتعولم.لكن ان كنت أنت تستنكف حضوري بجانبك تحت سقف نفس الـ"اسكوات" فما ذلك الا لأنك ترى في حضوري خطر "المساواة في الحقوق" التي أطالب بها. ومطالبتي بـ "المساواة في الحقوق" يمكن أن تجر عليك و على أمثالك فقدان أغلب الامتيازات المادية و الرمزية التي راكمتموها منذ فجر عهد السيطرة الاستعمارية.و سواء كنت أنا أفريقيا أو أسيويا أو هندأمريكي أو كنت من آبوريجين أوستراليا، فان الهوية الوحيدة التي تتيحها لي شروط ثقافة السوق الرأسمالي هي هوية المستبعد الغربي غير الأوروبي. و هذه الوضعية تعني أنه ان كان ثمة مشروع لتأسيس هوية ثقافية لشخص مثلي، فان هذه هذه الهوية الثقافية لا يمكن أن تتأسس الا على معطيات واقع الاستبعاد الذي كتب علي أن اكابده في موطني الأصلي كما في أوروبا في آن واحد.ومعطيات واقع الاستبعاد هي بلا شك قاعدة أكثر ثباتا من كل ركام الفولكلور العرقي البائد، الذي يلبّك خواطر المتكلمين في الهويولوجيا بالوكالة الجائرةعن جموع المستبعدين .لقد فقد الغرب حدوده الأوروبية منذ أن انتشر واستشرى على الأرض كلها.وبفضل الشبكة الواسعة لمراكز نفوذ مؤسسات السوق الرأسمالي العالمي و المتعولم، فأن الغرب كمفهوم غادر حدوده الأوروبية و تمدد على مجمل مساحة المعمورة.صار الغرب اليوم بلا حدود.انه كل مكان طالته آلة السوق.هذا الواقع الجديد نسبيا الذي كشفته تطورات العولمة الليبيرالية بشكل حاسم يلغي فكرة الغرب كمرادف لفكرة أوروبا و يطرح مفهوم الغرب بصيغة الجمع. يعني "كلنا في الهم غرب"، بس المسألة بقت خشوم بيوت، و لكم غربكم و لنا غرب مثلما لكم حداثتكم و لنا حداثة ، و"الحسّاس" يملا شبكته.هذا الغرب الجديد الممسوخ صار يروّع الأوروبيين و يزعزعهم كلما اكتشفوا أنه صار يستعصي على قدرة الأدوات الرمزية و السياسية و التقنية التي كانوا يتحكمون بها على مصائر العباد في زمن الغرب الاستعماري السالف.الغرب الجديد "لحمة راس"الأوروبيون فيه لا يمثلون الا جزء من كل يشمل الأسيويين مثلما يشمل الجنوب أمريكيين لغاية الأفارقة(كراع الفروة).هذا الغرب الممسوخ صاريفسد على الأوروبيين بهجة الثقافة منذ أن اكتشفوا أن قوانين" منظمة التجارة العالمية" تفتح سوق الثقافة أمام رأس المال المتعولم.و الفرنسيون مثلا، لم يكفوا عن حرب الـ "قاتس"(الاتفاقيةالعامةلتجارة الخدمات)،
General Agreement on Trade in Service (GATS)
من أجل معاملة استثنائية تحمي سوق الثقافة القومي من تغول التجارة الثقافية الكبيرة(ترجم "التجارة الثقافيةالأمريكية").فعلى مبادئ الـ "قاتس" سيصبح من المتعذر على فرنسا مثلا دعم الانتاج السينمائي الفرنسي أو دعم دور النشر الفرنسي دون أن تقع تحت طائلة قانون منظمة التجارة الدولية بدعوى تزييف التنافس التجاري الحر.ان الغرب الممسوخ الجديد لا يبالي بالاستثناءات الثقافية لهذا البلد أو ذاك الا بالقدر الذي تؤثر فيه هذه الاستثناءات على سّلم القيم في بورصة المال.
و اذا رجعنا للخواجة "مارتان"في "اسكوات" السوق الغربي أقول:
شوف يا خواجة،بقبولي المشاركة في معرضك، رغم تحفظاتي على نواياه الاكزوتية المكشوفة،فأنا انما أراهن على ذكاء الجمهور المستنير ،الذي أثق في قدرته على الوصول لمعاني تصاويري، و لو خاض في دروب هذه المتاهة الطويلة،الممتدة لأربعة كيلومترات من الفخاخ الاكزوتية.و حقيقة فقد راهنت، من طرف خفي، على ذكاء هذا الساحر الأكبر الذي كان قد كتب لي في رسالته:" ان عملك الفني يهمني بقوة". هذه العبارة السحرية عشّمتني في قدرة الرجل على تهريب عملي الفني من وراء ظهر ضباط جمارك الجمالية العرقية و حرس الحدود بين الثقافات الذين سهروا على تنفيذ القسمة الاكزوتية.لكن المهرّباتي المنتظَر لم يفهم مرامي رهاني.
بعدها بسنة اتصل بي " تيري راسباي" بصفته " قوميسير" المعرض و كشف لي أنهم في لجنة المعرض، و" بعد مناقشة مستفيضة"، توصلوا لقرار أن لا يعرضوا أعمالي الفنية في " قسمة الاكزوتية"، و لكنهم في نفس الوقت يرغبون في نشر رسالتي لـ " مارتان" في مقدمة كتالوغ المعرض، و ذلك" لأنها تلمس اشكالية الاكزوتية مثلما تؤشّر لحدود مشروع مبذول كمبحث سوسيو انثروبولوجي"(أنظر مقدمة كتالوغ "قسمة الاكزوتية"، ص 15.حين شرح لي " تيري راسباي" ذلك فهمت أنني كسبت رهانا لم يخطر على بالي قط.ذلك هو رهان المداهنة الدبلوماسية، رهان الـ " بوليتيكلي كوريكت" الذي هو روح الشاغل المعارضي لدى معظم القائمين على أمر الفن غير الأوروبي.
مناورتي البسيطة لم تعط أُكُلُها ولم تؤثر على "مارتان" الذي أشاح عن تصاويري و لم ينس رسالتي. و قد بدا لي تفسير الأمر في كون هذا الخبيرالمحترف المختص بالفن غير الأوروبي كان قد قرر،وعن سبق القصد، أن يتجاهل تصاويري التي لا تطاق، كونها على صورة حداثتي كفنان غربي من أفريقيا. لكنه في نفس الوقت لا يستطيع تجاهل ملاحظاتي النقدية في صدد اشكالية المشروع الفنأفريقاني.و مغزى هذه الحكاية يتلخص في ان الفن المعاصرغيرالاوروبي كما يفهمه الاوروبيون هو فن لا يطيق النقد.
و فيما وراء تجربتي الشخصية فان معرض " قسمة الاكزوتية " يتكشّف، وبمنهجية ميوزيوغرافية بريئة في ظاهرها، عن جملة من الالتباسات المفهومية المقصودة التي لم يعد يستغني عنها أي منظم معارض يعمل في منطقة الفن غير الاوروبي.
فمعرض الفن غير الاوروبي ينطرح اليوم، تحت ادّعاء اعتباطي، بكونه نوع معارضي جديد مستقل بذاته، و قيل فتح ميوزيوغرافي بحاله.و بسبيل تدعيم هذا الـ" نوع" على المسرح الثقافي فان أصحاب معرض الفن غير الاوروبي يراكمون جملة من التحديدات و الأعراف و اللوائح عند تقاطع الفن و الاثنولوجيا.و ضمن منظور و مرجع معرض " سحرة الأرض" فان معرض " قسمة الاكزوتية" ينطرح كـ "محطة تقوية" للقيم و المعايير التي سبق أن بثّتها محطة الارسال الأولى:" سحرة الارض".
و أول الاعراض تظهر على شخص قوميسير المعرض نفسه.فصاحبنا يتقمّص " الدور" الذي عهدوا به اليه بدون تردد.و أنا استخدم عبارة "الدور" في معنى اللعب المسرحي الكلاسيكي.فمعظم القوميسيريين الأوروبيين من منظمي معارض الفن غير الأوروبي ينتهون الى قبول دور " ممثل الغرب" أو الناطق الرسمي باسم الثقافة الغربية.و من موقع الحظوة الثقافية الغربية ينعمون على من يرغب في المشاركة في " حوار الثقافات" بلقب ممثل الثقافات " الأخرى".
وبعد استقراره في موضع المشرف على علاقات الحوار و التبادل الثقافي بين الغرب و الآخرين فان قوميسير المعرض يفصح عن نيته في استيعاب و دمج كافة الثقافات الاخرى ضمن منظور ثقافة انسانية كونية.ثقافة جامعة تتأسس على قاسم مشترك أعظم قوامه مفهوم غامض اسمه" الروح الانساني". هذا " الروح الانساني" بفترض أن البشر يلتقون عند مثل انسانية سابقة على مصالحهم الطبقية،و هو بلا شك مفهوم جميل زهيد الثمن لا يرغب أحد في التشكيك في مصداقيته، بالذات في مثل هذا الموقف المتفائل الذي يبشّر بيوتوبيا السلام و الوفاق التام بين الأعراق و الثقافات.بيد أن مشروع اندماج كافة الثقافات في ثقافة كونية انسانية الذي يبذله الأوروبيون في محافل الوئام العرقي و الثقافي يقتضي من القوم التخفيف من غلواء الأنانية المركزية التي طبعت تاريخ الثقافة الأوروبية في علاقتها مع ثقافات غير الأوروبيين.فلكي تتمكن ثقافة الأوروبيين من انجاز مشروعها الانساني فهي مضطرة لأن تفسح مكانا لثقافات الآخرين.و قد يبلغ الأمر بالمحتفلين بالثقافات غير الأوروبية أن يطلبوا من التقليد الثقافي الأوروبي أن يعتّم من ألقه أو أن يتظاهر بالموت بسبيل استدراج المتشككين و الـ "أرأيتيين"و الذين لُدغوا من جحر اليوتوبيا الأوروبية أكثر من مرتين.و حين لا يرغب الغرب الأوروبي في لعب لعبة المتماوت، فهناك أشخاص مثل " تيري ايهرمان" قمينون باعلان " موت الغرب" حتة واحدة..و حذارى لمن لا يعرفون " تيري ايهرمان"، رجل الأعمال الناجح الذي يدير شركة "آرت برايس".و هي شركة خاصة تنشط في بيع و شراء الأعمال الفنية و تفاخر بكونها " في طليعة المؤسسات التجارية العاملة في بورصة سوق الآثار الفنية على مليوني صفقة بيع تخص 172000 أثرا فنيا لفنانين يتوزعون في الفترة التاريخية الممتدة من القرن الخامس حتى اليوم"(آرتبرايس.كوم)

و بالنسبة لـ "ايهرمان" الذي يعتبر من الشركاء الذين يقدمون الدعم المالي لـ " بينالي ليون للفن المعاصر" فان معرض " قسمة الاكزوتية" يؤشر لنهاية الجمالية الغربية و يفتح الباب واسعا للجمالية العالمية"(تقرأ: العولمية).و الفرنسيون قوم مولعون بفكرة "نهاية" العالم. و هي ظاهرة لا بد أن لها علاقة بتكوينهم النفسي و الرمزي المطبوع بالتراث الكاثوليكي الذي لا يستغني عن فكرة " قيامة" العالم.فقبلها بعام انتهز" باكو رابان"، مصمم الأزياء الفرنسي الشهير الفرصة ليعلن نهاية العالم في سنة ألفين. و قد شغلت نبوءة " باكو رابان" الاعلام الشعبي لفترة و نفعته في عمل دعاية تجارية مجزية لم تكلفه أي شيء.لكن ان كان " رابان" لا يتورع عن علان " نهاية العالم" لكي يتمكن من بيع بعض تصميماته ـ الرائعة في مشهد النحت رغم كل شيء ـ ، فان " ايهرمان" يبدو أكثر تواضعا،انه يكتفي باعلان "نهاية" الجمالية الغربية لا غير.
كون الفن غير الأوروبي لا يصبح موضوعا للمشاهدة الا تحت شرط العرقنة ، فذلك الواقع يحفز المسؤولين من " قسمة الاكزوتية" على عرقنة الفن الأوروبي حتى يتم تأسيس المساواة بين الثقافات.لكن هذه المساواة الفادحة لا تمنع حراس الجمالية العرقية من أن يحفظوا للفن الأوروبي المعرقن حظوة المرجع المركزي بالنسبة لفنون الثقافات الأخرى.و الاعتراف بمركزية المرجع الفني الأوروبي و تعاليه يتم دائما بصوت خفيض تحت صدى التصريحات الرنانة حول المساواة بين الثقافات ، أو كما قال "مارتان" في تصريحه لمحرر "لوموند"(25 يونيو 2000 ):
" ان معرض "قسمة الاكزوتية" يقتضي قسمة نتمناها عادلة بشكل مثالي. و في الواقع فنحن كلنا نعرف في أي جانب تكمن السلطة و أين تكون الهيمنة.في جانب الغرب طبعا".و يتابع حواريو "مارتان" أفكاره وقع الحافر على الحافر حين يقرون بفساد القسمة الاكزوتية.ففي مقدمتهما لكتالوغ معرض " قسمة الاكزوتية" يكتب " تيري راسباي" و " تيري برات" ـ على نهج " جان كلير"ـ و بصفاتهم كـ " ذكور بيض و مسيحيين" (كذا) بأن " القسمة الاكزوتية غير عادلة لأنها تندرج ضمن سياق فني تأسس و تطور منذ البداية على يد الغرب".
ان طموح ارضاء الجمهور العريض يدفع القائمين على عرض أعمال الفنانين غير الأوروبيين الى تبسيط و طمس الاشكالية المركبة لهذا الفن المعاصر الذي يتم انتاجه خارج أوروبا.و هو موقف يتم تارة لأن الرعاة الاوروبيون يجهلون الجسور والأنفاق السرية و العلنية التي تربط فن غير الاوروبيين بفن الأوروبيين، مثلما هو يتم طورا لأن الرعاة الاوروبيون يتجاهلون،و عن سبق القصد و الترصّد، طبيعة العلاقات القوية المركبة بين فنون غير الاوروبيين و فنون الأوروبيين.و ليس غرضي هنا تصنيف "مارتان" و حوارييه في فئة الجاهلين أو في فئة المتجاهلين.غرضي هو اثبات هذه الصفة العجيبة من صفات مناهجية( ميتودولوجيا) الصناعة المعارضية المعنية بعرض فنون غير الاوروبيين للجمهور الاوروبي.و هي الصفة التي تتلخص في استبدال المقاربة النقدية للظاهرة الفنية غير الاوروبية بما يمكن أن نسميه بـ "المقاربة السحرية" العزيزة على " مارتان".فما كان " مارتان" يسميه" سحر الاشياء" يكتسب، عند حوارييه" برات" و" راسباي"، اسما جديدا هو " الفكر البصري". يشرح الرجلان كيفية الانتفاع بمفهوم "الفكر البصري" حسب تجربتهما في معرض " بينالي ليون الثاني للفن المعاصر"، 1993 :
" حين تستعصي التصانيف الشكليةعلى توقعات النظرة التاريخانية النقدية " يستخدم العارضان مفهوم " الفكر البصري".."الذي يعتمد على قيمة التناظر الشكلي( ايزوتوبي)
Isotopie
المتفرّد للأعمال الفنية. و هو مفهوم لا علاقة له بالجمالية الخطابية المقعّدة."(مقدمة كاتالوغ" قسمة الاكزوتية" ص 8). و " الجمالية الخطابية المقعّدة" التي يعنيها " برات " و "راسباي" تتحدد ـ بعد عبارة " بشكل عام" المريبة بقدر ما هي ايجازية و تبسيطيةـ
كجمالية" الفلاسفة و مؤرخي الفن و من لف لفهم من التراجمة"( نفسه ص9).و لا أحد يعرف ما اذا كان الاثنولوجيون، الذين يمثلون القوة الضاربة للقوميساريا النظرية لمعرض" قسمة الاكزوتية"، ضالعين في فئة" التراجمة" اياها، لكن " برات" و"راسباي" و من وراءهما " مارتان" قرروا الاستغناءعن الفلسفة و عن تاريخ الفن لتأسيس البنية النظرية للمعرض على مساهمات عدد معتبر من نجوم الدراسات الاثنولوجية في فرنسا.و لكن ، اذا وضعنا في الاعتبار تصريح " برات"و "راسباي" بكون" البينالي في فرنسا، بحكم أن تمويله يأتي من المال العام، فهو أيضا خدمة عامة للمواطنين" ، فان جمهور المواطنين الفرنسيين سيجدون صعوبة كبيرة في قبول جمالية يعرّفها موظفو الخدمة المدنية الذين يستبعدون، باسم "الفكرالبصري"، مجمل ميراث الفلسفة و تاريخ الفن.و رغم كل دعاوى الاستقلالية بالنسبة لميراث الفلسفة الجمالية و مراجع تاريخ الفن فان "برات" و "راسباي" يظلان وفيّان لضميرهما المهني كموظفي خدمة عامة، لأنهما لا يقدمان معرضهما على مرجع"الفكر البصري" وحده، بل يدعمانه بمرجع تاريخي مهم هو" معرض سحرة الارض" الذي يثمّنانه كمرجع فني ناجح و" مضمون"، بل و" مبرّأ " ميّة في الميّة" من شبهات المداهنة السياسية و الروحية والتقنية"(ص9).
و هكذا، حين يصير التنكر للمداهنة السياسية همّا يرعاه أفندية الخدمة العامة الذين عهدت اليهم الدولة برعاية مؤسسات الثقافة، فمعنى ذلك أن"الرماد" قد" كال حمّاد" قبلها بزمن طويل.و في تحليل نهائي ما، فان الصراحة ـ و قيل الوقاحة ـ المبرمجةلموظفي الخدمة العامة تملك أن تصبح بضاعة مطلوبة بقدر ما يلبي موقف الزهد في المداهنة طلب الجمهور العريض.
و لو عدنا لمفهوم " الفكر البصري" الذي يتأسس عليه الفهم المعارضي لكل من " برات" و "راسباي"، فثمة مثال طيب عن حالة من حالات التناظر الشكلي الفريد( ايزوتوبي) يبذله لنا عمل الفنان السويسري المعاصر المعروف " توماس هيرشهورن"
Thomas Hirschhorn
و هو تناظر شكلي كما توارد الخواطر بين موقف"هيرشهورن" و موقف رعاته من الواقع الجيوسياسي المعاصر.و عمل "هيرشهورن" المعني يستحق الاهتمام كونه يطرح اشكالية الطريقة التي ينظر بها بعض الفنانين الأوروبيين و رعاتهم لما يحدث في المجتمعات غبر الأوروبية.ففي عمله المعنون:" الامم المتحدة ، نموذج مصغّر" ، الذي يعتمد أسلوب التأثيث (انستاليشان)
(Installation)
و هو عمل صمم خصيصا لمعرض " قسمة الاكزوتية"، يقدم " هيرشهورن" للزوار مسارا مسهّما داخل ماكيت من الأطلال المصغّرة لحاضرة ضخمة مكونة من عدّة مدن معروفة دمّرتها الحروب التي تدخلت فيها قوات الامم المتحدة.و نص كتالوغ البينالي الذي يقدم لعمل "هيرشهورن" يدعم النبرة النقدية لعمل الفنان تجاه مواقف منظمة الأمم المتحدة بقوله:" ان تدخل الامم المتحدة يتم تمثيله هنا بحضورعدد كبير من الدبابات و طائرات الهيليكوبتر البيضاء على طول مسارح العمليات الحربية.و ذلك بأسلوب تكراري دون أن نعرف على وجه التحديد ما اذا كان غرض حضورقوات الأمم المتحدة هو اطفاء نار النزاعات أم تأجيجها.و عند كل منعطف من منعطفات مسرح العمليات يبذل الفنان للزائر مجموعة من الوثائق المطبوعة التي توثق للنزاعات التي جرت أو تجري في البلدان التالية:لبنان، سيراليون، فلسطين،رواندا،الكنغو زائير سابقا،الشيشاني، البوسنه،تيمور، شياباس،كوسوفو.". أثناء المعرض لفت بعض الزوار نظر المنظمين الى أن قوات الامم المتحدة لم تتدخل أبدا في اقليم "شياباس" أبدا.لكن المنظمون الكرام لم يحركوا ساكنا لتصحيح المعلومة المغلوطةبعد افتتاح المعرض. فقد رفع الأقلام و جفت الصحف.ويبدو ان تدخل قوات الامم المتحدة أو عدم تدخلها في اقليم" شياباس" لم يكن يهم القوم كثيرا، فقد كانت أولويتهم القصوى تتلخص في دعم قضية الهنود العادلة و لو أدى بهم الامرلتزييف وقائع التاريخ المعاصر.و يبدو أن بعد نزاع اقليم " شياباس" من دائرة اهتمام الجمهور العريض في أوروبا ، بجانب الرغبة المسيحية المشروعة في التضامن مع قضية الهنود العادلة ضد سياسات الحكومة المكسيكية، قد لعبا دورا في تسويغ المسلك غير المسؤول لمنظمي معرض " قسمة الاكزوتية".و ربما كانت المسألة في جملتها،في خاطر الفنان كما في خاطر منظمي المعرض،لا تخرج عن نطاق التناظر الشكلي(ايزوتوبي) الذي يُفترض أن كل مسارح النزاعات الـ "عرقية" في العالم تتقاسمه بما يجعل تدخل قوات الامم المتحدة أمرا محتوما. و في تحليل القوم النهائي خلاصة سياسية عرقية تقول بأنه في ظلام القارات غير الاوروبية فكل القطط بالضرورة سوداء.
و بما أن خبراء الفن الاكزوتي عموما ـ و الفن الافريقاني على وجه الخصوص ـ هؤلاء القوم الذين يوصفون ذواتهم طوعا بكونهم " ذكور" و "بيض"،بما أنهم يتمركزون ،عمدا في الزاوية العمياء للفكرالبصري الايزوتوبي(و ترجمتها:"الفكر الاعتباطي") ، فهم ينتهون بالضرورة الى حالة عمى البصيرة التي لا ينفع معها اي بصر وان حدّ.
والبصيرة التي تعمى عن رؤية الطبيعة التناحرية لعلاقات القوى الاجتماعية ذات المصالح الطبقية المتناقضة، هي بالضرورة بصيرة طبقية،و عماها المزعوم هو حيلة أصيلة من حيل مدبّري الصراع المستفيدين من شرط العمى، عمى المقهورين و المستبعدين.و خلاصة الأمر، أمر القائمين على عرض فنون غير الاوروبيين، يمكن أن توجز في كون هؤلاء القوم زاهدون، ظاهر و باطن، في أي رؤية اجتماعية للمسألة الفنية. بل أن الرؤية الاجتماعية للمسألة الفنية صارت أمرا يصنّف في باب عدم اللياقة و الـ "بوليتيكلي انكوريكت" في أوساط العاملين في مؤسسات الفن المعاصر. و في هذا المشهد تصبح الرؤية الاجتماعية لأمور الفن الافريقي المعاصر وزرا في جسامة التابو السياسي المريع الذي يفسد بهجة الفنأفريقانية السعيدة على كافة الضالعين في مهرجان الاستبعاد الاجتماعي المتذرّع بذرائع الابداع.أن قدَر أدنى محاولة لطرح رؤية اجتماعية طبقية لواقع حركة الخلق في البلدان الافريقية ـ مثلا ـ هو أن تزلزل نظام المسلّمات الرمزية و السياسية الذي تأسس عليه تقليد فن الاستبعاد ضمن التقليد الأوروبي.ففي المرآة الاجتماعية لواقع حركة الخلق الأفريقية يخاطر الاوروبيون ـ و الفرنسيون على وجه الخصوص ـ يخاطرون برؤية صورة مخجلة لوجههم النيوكولونيالي المظلم في مركزالبؤس المادي و الرمزي المطبق على واقع حركة الخلق في أفريقيا.هذه الصورة التابو المنصوبة في مركز تناقضات النسخة النصرانية لثقافة رأس المال المتعولم، و التي لا يدركها بصر بغير بصيرة النقد الاجتماعي، أقول: هذه الصورة العجيبة مهمّة لأنها تقيم في قلب النسخة المعاصرة لأقدم شقاقات التقليد الثقافي اليهودي النصراني: شقاق التصاوير، شقاق التناقض التراجيدي بين صورة الحقيقة و حقيقة الصورة.
أن صورة بؤس العالم الثالث مبذولة اليوم عبر وسائط تكنولوجيا الاعلام ، و لكن مجرد بذل الصورة أمام العيان لا يعني أن الناظر اليها يشاهدها. فالمشاهدة تعليم، و أنا أستخدم عبارة الـ "تعليم" في معناها المزدوج: التعليم في معنى التأشير المادي على الصورة بوضع علامة تميزها بين فوضى التصاوير التي تزحم حقل البصر ، و التعليم في معنى تأسيس منهج نقدي في تربية البصيرة. يعني بدون تعليم لا يكون بصر و لا بصيرة. فهل يعني ذلك أن الاوروبيين ينقصهم التعليم حتى يتمكنوا من احسان مشاهدة
الوجود الذي نقاسمهم اياه؟لا، ثم لا و ألف لا،الاوروبيون على بصر حديد و بصيرة أحد لكنهم يشيحون بناظرهم عن صورتنا التي لا تطاق: صورة سوء التنمية الافريقي المزمن الذي يمثل الوجه المظلم القبيح لتنمية السوق الرأسمالي التي تحفظ للقوم مواقع الحظوة و الرفاه وتنفي الأفارقة لهاوية الافقار و التخلف.فعلا صورتنا لا تطاق ، بل أن من يتجاسر بالنظر ناحيتها يخاطر بأن ينمسخ تمثالا من الملح لأبد الآبدين كما تقول اسطورة افريقية (من اختراعي طبعا).لهذا يتفنن خبراء التصاوير الأفريقانية من ساكني اليوتوبيا الاوروبية في اختراع صورة أخرى لأفريقيا، صورة يمكن مشاهدتها بغير مخاطرة، صورة لأفريقيا خارج التاريخ ومنزّهة عن دنس السياسة والمال و غير ذلك من تناقضات حضارة السوق.بيد أن تناقضات حضارة السوق ليست قدرا أفريقيا يمتنع على غيرهم. فـ "التسوّي كريت في القرض .." لا بد و أن تجده في جلدها،و سيأتي اليوم الذي تبدأ فيه آلة الجمالية العرقية في اختراع فرنسيين يمكن مشاهدتهم بلا مخاطرة لو اقتضت ضرورات السوق المتعولم .و من يدري فقد يتاح للأفارقة في حينها أن يسدوا النصح للفرنسيين من واقع خبرتهم التاريخية، و أهلنا يقولون : أسأل مجرّب و لا تسأل حكيم. يومئذ يتحقق حوار الحضارة الحقيقي بين ضحايا حضارة رأس المال.

من إخترع الأفارقة ؟ 6

من اخترع الأفارقة؟

الحلقة السادسة
"سحرة الارض" و أرض السحرة

كثيرون هم المنتفعون بلقيات الاثنولوجيا المـُعـَرقـَنة على نهج " ميشيل ليريس"المتأنسن. وعددهم لا يقتصر على منظمي التظاهرات الفنية فحسب، فهم يقيمون في أقاليم السياسة العالمثالثية مثلما هم في أقاليم الأدب و الموسيقى و الفلسفات أو حتى في أقاليم علم النفس"الاثني" الذي يحاول الأوروبيون أن يعالجوا به أدواء نفوس"الآخرين" مما لا تطيقه تدابير علم النفس الأوروبي المطبوع بتراث الثقافة المتوسطية اليهودينصرانية.
و ضمن هذا المنظور، منظور استثمار لقيات الاثنولوجيا المعرقنة، أعالج معرض " سحرة الأرض"
Les Magiciens de la Terre, 1989
الذي نظمه " جان هيبير مارتان" [قبل عام من وفاة "ميشيل ليريس"]. و هو المعرض الذي اصبح مرجعا و نموذجا لسلسلة من المعارض اللاحقة خلال سنوات التسعينات.
و في معرض " سحرة الأرض " نجد مفهوم عـَرقـَنة العالم يعمل بكامل طاقته على مبدأ المساواة بين الثقافات الذي طرحه "ميشيل ليريس".فـ "جان هيبير مارتان" يعرض أعمال الفنانين غير الأوروبيين، كما يقول:"على قدم المساواة مع أعمال طليعتنا الفنية". و لكن ، خلافا لـ "ميشيل ليريس"، الأستاذ الجامعي الذي يخاطب جمهورا من الباحثين والمطـّلعين، فان " جان هيبير مارتان" يخاطب الجمهور العريض من زوارالمعارض.و هو،في الغالب ، جمهور غير ذي دراية بتراكب اشتباهات الشأن الاثنولوجي مع اشتباهات الشأن الفني.و بالنسبة لـ "مارتان" فالجمهور العريض من زوار المعارض الكبيرة يمثل مركز قوته مثلما يمثل نقطة ضعفه على صورة "كعب آخيل"،ذلك أن الرجل أمام نوع من قياس أقرن حدّه الأول حار و حده الثاني لا يُنكوى به.فمن جهة الحد الأول ـ و لنسمه حد الفنانين ـ ينطرح خطر قصورالجمهورالعريض غيرالمدرّب عن استيعاب الاشتباهات الجمالية الغالية الكامنة في أعمال الفنانين المعاصرين،مما يرمي بـ " مارتان " تحت طائلة قولة عيسى بن مريم المشهودة :"لا تنثروا الدرأمام الخنازير".ومن جهة الحد الثاني ـ و لنسمه حد الجمهور العريض ـ ينطرح خطر تبسيط الآثار الفنية و قصقصتها لتناسب طاقة الجمهورالعريض على الاستيعاب. و كل هذا يردنا لحكاية الشاعر العربي القديم الذي سأله رجل من العامة: "لم لا تقول ما يفهم؟" فرد الشاعر:"و لم لا تفهم ما يقال؟".و"مارتان" في هذا المشهد يقف موقفا فريدا كونه من جهة ينمسخ رهينة في يد جمهوره العريض الذي لا يفهم ما يقوله الفنانون، مثلما هو يمسخ جمهوره رهينة في اطار الحد الفكري و الجمالي الذي رسمه هو، و الذي تصور أن فهم الجمهور غير قادر على تجاوزه.طبعا أمر معرض " سحرة الأرض" يملك أن يتكشّف عن ملابسات أكثر تعقيدا من شرحي المبسـّط المجحف في حق الرجل.لكن "جان هيبير مارتان" بطبعه البيروقراطي كموظف في خدمة الدولة، و قل كـ "أفندي" قح من أفندية الجمهورية الفرنسية، فهو مشغول بقيمة الكفاءة في أداء الخدمة العامة و هي قيمة يسندها تقليد عريق في الصنعة البيروقراطية الجمهورية.و بغريزة الأفندي فالرجل ينحاز بعفوية تامة للجمهور العريض و " معليش " للفنانين.
و بين اشتباهات الاثنولوجيا واشتباهات الفن يقعّد "مارتان" آلته الحربية على منصّة السحر.والرجل لا يتناول السحروفق المفهوم الـ "علمي"للممارسة البدائية في توصيف الاثنولوجيين لها،و انما يتناوله حسب الاستخدام الدارج عند الجمهورالعريض المنبهربمايتجاوزطاقته على عقلنة الظواهر.وهكذا يتحلل"مارتان" من مقتضيات الترابط المنهجي التي يمكن أن تضايق حرية حركته وهو يدبر شؤون الصناعة المعارضية بين الفن والاثنولوجيا.ومن علياء منصة"السحر"، يتمتع"مارتان" بمطلق الحرية في"توجيه" الباحثين الاثنولوجيين الذين قد لا يقاسمونه قناعاته الفنية مثلما يتمتع بنفس القدرمن الحرية في"توجيه"الفنانين الذين قد لا يقاسمونه قناعاته الاثنولوجية.وهذه الوضعية تسوّغ للرجل أن يقول قولا في جور كلمته الغليظة المشهودة اياها:
"ان التأثير غير المفهوم البالغ الحساسية الذي يحدثه فينا الفن يمكن تشخيصه بعبارة
"السحر""
J.H.Martin,Préface du catalogue Magiciens de la Terre, pp.8,20
وفي شعاب المنهج السحري يمسخ"مارتان" مجمل المفاهيم والتصانيف التي تأسس عليها تقليد النقد الجمالي الأوروبي،العزيزة على"جان كلير"،يمسخهاالىضرب من ضروب الممارسةالسحرية"الشامانية"[الكجورية]،بيد أن هذا الموقف لا يمنعه من الاعلان عن توافقه مع"الأحكام الجمالية المتجذرةوالمؤصّلةفي تربة أوروبا الراهنة،"و التي يراها"مارتان" قابلة للاندماج في عالم الجماليةالمعرقنة.وعليه فالرجل لا يمانع في تجنّب مفهوم"الفنان" من اللحظة التي يصبح فيها هذا المفهوم عقبة أمام تصنيف فئات المشاركين في معرض"سحرة الأرض".وهذا الموقف يسوّغ لـ"مارتان" أن يكتب في مقدمة كاتالوغ المعرض كلمة هي مفتاح كل نظرية الصناعة المعارضية التي سيتبعها الفنأفريقانيون من بعده:
"من الحكمة أن نتجنّب ذكر كلمة"فن" في عنوان المعرض كونهاستجرنا الى اللبس اذا استخدمناها لتصنيف أنواع الابداع الوافدة من مجتمعات لم تخبر مفهوم الفن".
و"الكلام ليك ياالمُـنطّط عينيك"،فـ "المجتمعات التي لم تخبر مفهوم الفن" ديل أنحنا
زاتنا..لكن مافي داعي للزعل،فـ"مارتان"في صفنا.و بما أنه يرى تعذّرتعميم صفة"الفن"
علىنتاج الممارسات الفنية الوافدة من خارج أوروبا فهو يسحب صفة الفن من الجميع و يطبّق بدلا منها صفة"السحر"على كافة الممارسات التي يحتفي بنتاجها معرض"سحرة الأرض".و لا جناح على "مارتان" و لا يحزن الفنانون الأوروبيون الذين هم بالسحر فرحون منذ أن طلع عليهم الالماني " جوزيف بويس" بمفهوم الفن كممارسة شامانية.و بجاه " جوزيف بويس" صارت صفة الفنان الشامان أو" الكجور" مرتبة لا يدركها سوى الراسخون في الصنعة الشامانية.لكن ضلال " مارتان " لا ينتهي عند مقايضة الفن بالسحر فحسب، فصاحبنا يفسّر منطق سوق الفن و ظاهرة التضخّم المالي على صعيد حركة البيع و الشراء " بالسحرالكامن وراء هذه الممارسات ذات المظهر المغالي في ماديته أحيانا"( مقدمة كاتالوغ سحرة الأرض ،ص 21-22).و اذا كان " مارتان" الخبير الدولي المحترف، و الذي يعرف تماما أن سوق الفن أبعد ما يكون عن سوق السحرة و الشامانيين، لا يتورّع عن تفسير قانون السوق بالسحر فذلك يعني أن هذا النوع من التفسير يجد أذنا صاغية في أوساط الجمهور العريض الذي يتمنى من صميم قلبه، و من عمق ذاكرته الرومانسية أن يبقى الفن بمنأى عن السوق ، و لو كان ذلك المنأى في علياء السحر.و مارتان يعرف ـ أو على الاقل يستشعرـ روع جمهور الفن من بأس السوق في المجتمع الرأسمالي المعاصر. ذلك أن الفن بوصفه آخر المعتقدات الجمعية الكبيرة يجب أ لا يقع في قبضة سادة السوق، فالفن في حكمة الشعب " لا يقدّر بثمن".و حين يقرر "مارتان" كل هذا فهو يستعين بسحر مضمون المفعول، هو سحر اللبس المتكنّز في تلافيف الكلام التقريبي الذي " يدّي الحلة روراية و يدي الدلّوكة عصا" كما تعبر بلاغة الغبش.و خيار التقريب كمنهج في مخاطبة الجمهور انما يرتهن بواقع الوعي الراهن الحاصل وسط الجمهور العريض(.وأستخدم عبارة "الوعي" في الكلام عن " الجمهور العريض" لأن الوعي الفني ـ بصرف النظر عن نوعيته ـ حاصل بالقوة بحكم أن الجمهور العريض، من واقع تعرضه العفوي لوسائل الاعلام و من واقع تعليمه النظامي و غير النظامي معرّض لحركة الوعي السائد. لكن حاصل الوعي العفوي لا يؤدّي ما لم يتم تعهده بالصقل و المراس الناقد القاصد الراصد و الذي، حتى ان لم يبلغ حد التخصص، فهو يهيء المتلقي لمحاورة المبدع بندية فكرية، كون الصقل و المراس النقدي يوجهان بصيرة المتلقي لما هو جوهري في فعل الابداع).أقفل قوس الاستطراد و أقول ان الوعي التقريبي للجمهور بالظواهر الفنية في سياق انتاجها الجمالي و الاثنولوجي يسوّغ لـ "مارتان" التقرير بـ " ان المقاربة الحسية الحدسية للعمل الفني تغلب على المقاربة العالمة المتثاقفة"، و هذا ضرب من تحصيل الحاصل ، اذ لا أحد يغالط في كون المقاربة الابتدائية للأثر الفني انما تكون حسية حدسية قبل أن تكون معرفية. لكن هذا التقرير لا يمنع هذه المقاربة الحدسية من أن تنبني على خبرة و على معرفة مسبّقة بالقوانين و الشروط العامة التي يتعرف عليها منهج مقاربة الأثر الفني.هذه " المعرفة المسبّقة" في خاطر الجمهور هي ما اصطلح على تسميته بالثقافة الشعبية. و هي المعرفة التي تتخلّق وسط الأحكام المسبّقة السائدة التي تعطي أفراد الجمهور العريض الانطباع بأنهم يتقاسمون نفس الرصيد الرمزي و تقوي عندهم الاعتقاد بالانتماء لنفس الثقافة.
و على قاعدة ثقافة الحدس هذي يبذل " مارتان" معرض " سحرة الارض" كذريعة للتأمين على منظومة الأحكام الجمالية و العرقيةو ادّعاءات الأنسنة النصرانية لجمهور الطبقة الوسطى الفرنسية الذي لا يداخله شك في كونه يمثل مستودع القيم الانسانية الكونية و ملاذها الوحيد.و لا عجب فمن جهة نجد منفعة كل المعارض الجماهيرية الكبيرة انما تكون في قدرتها على التأمين على الأحكام المسبّقة في خاطر الجمهور العريض.و من الجهة الأخرى فالجمهور العريض لا يؤم سوى المعارض التي يجد فيها ما يتملق عواطفه و يدعم مسلماته العامة.
و ضمن هذا المنظور يمكن أن نتساءل :ما هي المنافع التي يتوقعها الجمهور الفرنسي العريض في معرض مثل معرض " سحرة الأرض" ؟
تقول حكمة البسطاء:" سيد الرّايحة يفتح خشم البقرة"، و قد تقاطرت جماهير الطبقة الوسطى الفرنسية بمئات الآلاف لتشهد معرض " سحرة الأرض" في حماس غير مسبوق،لترى و تلمس تجسدات منظومة القيم الجميلة للمجتمع الذي اخترع" حقوق الانسان" و جعل من معاني " المساواة و الحرية و الأخاء" شعارا لدولة الجمهورية الفرنسية.و هي معان تتصدر معرض " سحرة الأرض" ضمن اخراج (ميزانسين) مسرحي ألمعي يبلغ الغاية في تجويد الصناعة المعارضية.و رغم أن معرض " سحرة الأرض" يضم عددا كبيرا من الفنانين المعاصرين الوافدين من خارج التقليد الفني الأوروبي الا أن خطاب العرض لا يتوجه لغير الأوروبيين ليعبر لهم عن أن الفرنسيين يكنون لهم أسمى المشاعر الانسانية، لا، خطاب " سحرة الأرض" الأساسي يتوجه للفرنسيين لتذكيرهم و تطمينهم بأنهم ما زالوا أفضل حماة "حقوق الانسان" ، و أنهم ما زالوا ابطال قضايا المساواة و الحرية و الأخاء ، على الأقل على المستوى الثقافي، حيث أن حماية قيم حقوق الانسان على المستوى السياسي أو الاقتصادي صارت تستشكل على القائمين على أمور السياسة و الاقتصاد و تفسد عليهم أمور ميراثهم الانسانوي، بل أن مجرد النطق بعبارة" حقوق الانسان" في ساحة السياسة الفرنسيةصار يعادل النطق بعبارة" افتح يا سمسم" الشهيرة التي تفتح مغاليق المغارات الاكزوتية السحرية ، بيد أن عبارة " حقوق الانسان"، في مشهد السياسة الأفريقية لفرنسا، صارت تفتح للقوم " طيز وزّة" في سعة القارة المظلمة اياها، و ذلك حين يسمعون رئيس وزراء ديغولي من وزن
" جاك شيراك" يصرح أثناء زيارة رسمية لغرب أفريقيا، و في حضرة " صديقه" الجنرال " اياديما"، ديكتاتور"توجو" السابق ووالد ديكتاتورها الحالي ، يصرّح معزّيا كل الطغاة الأفارقة المذعورين من تقدم الحركة الديموقراطية بـ " ان الديموقراطية الغربية لا تتناسب مع الثقافة الأفريقية ". أو حين يسمعون رئيس وزراء اشتراكي من وزن" ميشيل روكار"، الذي يعد من أميز أيديولوجيي الحزب الاشتراكي،يطلق التصريحات العدائية ضد المهاجرين الوافدين من مستعمرات فرنسا السابقة و يقول القولة المشهودة التي عادت عليه بخسائر سياسية مهمة:" ان فرنسا لا تستطيع أن تتحمّل كل بؤس العالم" .و أمثال هذه العبارات القاتلة كثيرة، بل هي نوع أدبي بحاله يلجأ اليه عدد كبير من ساسة فرنسا من أقصى اليمين ليمين اليسار، و ذلك حين يتنافس المتنافسون أثناء المعارك الانتخابية على كسب ود الناخبين على حساب المهاجرين من بلدان المستعمرات الفرنسية السابقة.
و اذا كان فرنسيو نهاية الثمانينات في حاجة لمن يؤكّد لهم نبل قيم مجتمعهم، و التي هي، من حيث المبدأ،لا تحتاج لتأكيد باعتبارها ، افتراضا، من ثوابت الذاكرة الجمعية، فما ذلك الا لأن هذه القيم النبيلة قد تعرضت ، في مكان ما من الوعي الجمعي، لزلزلة عميقة من جراء الأزمة التاريخية المركّبة التي أدركت البنى الاقتصادية مثلما أدركت القناعات الاخلاقية لمجتمع نصراني اشتراكي المزاج لكنه حريص ـ اليوم أكثر من الأمس ـ على رقابة مناطق نفوذه النيوكولونيالي في الارض الافريقية.أرض السحر و المواد الخام التي بدونها تصبح صيانة المستوى المعيشي لليوتوبيا الجمهورية أمرا مكلفا لا يطيقه المواطنون الأحرار.
جاء في الأثر:" اذا لم تستح فاصنع ما شئت".و ذلك هو حال هؤلاء المواطنين الأبرار الأحرار الذين يصنعون ما يشاءون بالذات حينما يتعلق الأمر بالقارة المظلمة.هؤلاء المواطنون الأحرار من بناة أوروبا لم يترددوا في تنظيم قمّة أوروبية أفريقية في عام ألفين بغرض التفاكر مع زعماء افريقيا حول أنجع الوسائل لمواجهة العولمة..يالنبي نوح، و منذ متى كانت المفاكرة في العولمة تتناسب مع الثقافة الأفريقية؟؟ثم ما هو هذا الوباء الجديد الموصوف بالعولمة ان لم يكن يمثل العاقبة المنطقية لسياق دمج البنى الاجتماعية و الاقتصادية في منطق السوق العالمي؟و هو سياق ذاق مرّه الافارقة منذ أجيال و دفعوا ثمنه، و مازالوا يدفعون، بعملة سوء التنمية و الديون الجائرة و الحروب المزعومة عرقية و المجاعات الاصطناعية و الحقيقية.. الخ.لقد حفر الأوروبيون حفرة سوء اسمها الاستعمار، و ما خطر ببالهم أن ظروف السوق قد تضطرّهم للانحشار فيها مع بقية المستبعدين فلم يوسعوا فيها مراقدا تسعهم مع المغلوبين،أو كما جاء في قولة( من اختراعي) للشيخ فرح ود تكتوك: يا حافر حفرة "السوق" وسّع مراقدك فيها..
و الأوروبيون، في مواجهة شروط السوق المتعولم، في حال يرثى لها من الروع من الحضور التجاري القوي لبعض مجتمعات العالم الثالث كالصين التي كانت قبيل عقود تحت الهيمنة الاستعمارية مثلما يروعهم موقف حليفهم التاريخي الأمريكي الذي لا يخفي أطماعه في الاستحواذ على نصيب أوروبا في مناطق نفوذها التاريخية ، في أوروبا ما بعد الاتحاد السوفييتي، أو في العالم الثالث. و رغم ذلك فكل ما خلص اليه القوم من درس العولمة المريع هو التفاكر مع"زعماء" مزعومين لأفريقيا لاقناعهم بالحفاظ على قيودهم الاوروبية الصنع بدلا من استبدالها بالقيود الجديدة التي يعدهم بها الامريكان.طبعا لا أحد في أوروبا يفكر في تشريك شعوب أفريقيا في البحث عن أفضل المخارج نحو تنمية حقيقية و عادلة لأفريقيا و لأوروبا معا.ربما لأن الأوروبيون ـ على نهج "شيراك" مقتنعين بأن الشراكة في تنمية العالم لا تناسب الثقافة الأفريقية.و ربما لأن القوم ـ على نهج "روكار" يتوجسون من أن يغمرهم بؤس العالم لو خاطروا بتشريك الأفارقة ( وغير الأفارقة) في مشروع تنمية يليق بفداحة الأسئلة التي يطرحها واقع العولمة على الناس هنا و هناك.

القسمة الضيزى :
و مع ذلك فـ " الحذر واجب" على حد عبارة "مارتان" الذي ينبهنا الى ضرورة " الحذر من التبطيق التبسيطي الذي يملك أن يطمس التعقيد و التركيب اللاحق ببعض الوضعيات المحلية"، بيد أن " الجمل
، كما يعبر أدب الغبش، ضارب طناش و ما شايف عوجة رقبته" ، لأن "الحذر" لا ينفع مع صاحبنا. فبعد مرور احدى عشر سنة على معرض "سحرة الارض"، يعود"مارتان" ـ عودة حليمة لقديمه ـ لموضوعه المفضّل: عرقنة العالم.عالم مسكون ، حسب رأيه،بأعراق أوروبية و أعراق غير أوروبية تتبادل النظر فيما وراء الميراث الاستعماري و الواقع النيوكولونيالي.عالم تكون فيه " كل ثقافة اكزوتية بالنسبة للثقافة الأخرى". و هكذا ففي مقابلة صحفية أجراها معه محرر " لوموند" بمناسبة معرض " قسمة الاكزوتية" الذي دبره "مارتان" لـ "بينالي ليون" للفن المعاصر
Le Monde,25/6/2000
يصرّح "مارتان"بـ " ان كل الثقافات تتساوى في قيمتها، و هي بذلك تملك القدرة على تبادل النظر ضمن علاقة ندية تكون فيها كل ثقافة في نظر الأخرى أجنبية و غريبة و اكزوتية".و في كتالوغ معرض " قسمة الاكزوتية"
ِ « Partage d’ Exotisme »,Catalogue d’ exposition, 5e Biennale d’ Art Contemporain, Lyon/Paris RMN,2000
يتمتع "مارتان" بلقب "قومسير ضيف"
« commissaire invité »
بلا شك لأنه استجاب لدعوة منظمي بينالي مدينة" ليون": " تيري برات" و "تيري راسباى" و هما يتوليان أمر متحف الفن المعاصر بليون.و " برات " و "راسباي" يعتبران نفسيهما من حواريي " مارتان" الذي يبجلانه كعَلـَم و كعالم رائد في الصناعة المتاحفية للفن المعاصر(الميوزيوغرافيا).و في الحقيقة فان صفة رائد "ميوزيوغرافيا"(يالها من عبارة) الفن المعاصر التي جاد بها "راسباي" و "برات" على معلّمهما لا تجانب الصحة تماما. و ذلك لأن " مارتان" من جهة يعد بين القلائل من منظمي المعارض ممن تجاسروا على خلخلة تقاليد الصناعة المعارضية الأوروبية. و من الجهة الأخرى فان " ميزيوغرافيا" الفن المعاصر تنطرح اليوم كمعرفة حرفية ، و قيل كـ" علم" يتخلّق عفو الخواطر و المساهمات المتفرقة على تناقض المصالح و المطالح و تحت شروط اللبس المقصود و غيرالمقصود الذي يطبع مشهد الفن المعاصر. و بعبارة ، فان الصناعة المتاحفية للفن المعاصر صارت تلتبس ـ وعن عمد غالبا ـ مع موضوعها نفسه.بل أن" الميوزيوغرافيا" تجور في بعض الحالات على موضوعها لتبذل نفسها فنا بدلا عن الفن نفسه.و هذا جور يشهد عنه ذلك النفر من مشاهير منظمي المعارض المعاصرين الذين يتصرفون مثل" أم العروس" التي تتغوّل على محل العروس و تستولي عليه و تصبح عروسا بدلها.و "مارتان"و آخرين، من "منظماتية" المعارض العولمية ،هم اليوم في مقام الآلهة في مشهد العلاقة بين الفنانين و الرعاة.و العلاقة بين الفنانين المعاصرين و الرعاة من اهل" الميوزيوغرافيا" باب يستحق المزيدمن التأنّي و سأحاول أن اتفرّغ له ضمن براح آخر.
قلت أن"مارتان" في معرض " قسمة الاكزوتية" ينتفع بلقب" القوميسير الضيف"، ضيف الشرف الذي يستدعي الى الخاطر بدعة "النجم الضيف"
« Guest Star »
الواردة من تقليد سينما النجوم الهوليودية. و هو لقب منحه اياه أثنان من حوارييه المخلصين تعبيرا عن التبجيل الذي لا يخفيانه لـ "المعلم"، رائد سحرة الميوزيوغرافيا المعاصرة.و في مقدمتهما لكتالوغ معرض البينالي يعبر الرجلان عن اجلالهم باستعادة اطروحات مارتان الرئيسية في ميوزيوغرافيا الفن المُعَـرقـَن.
واذا حاولنا تجنّب طمس الاشتباهات المركبة اللاحقة بالوضعية المحلية لهذا المعرض، فمن الأولى التعامل مع معرض " قسمة الاكزوتية" بوصفه شهادة نجاح لمعرض "سحرة الأرض"، مثلما هو في الوقت نفسه شهادة وفاة لهذا النوع الوليد من أنواع الصناعة المعارضية المعنية بفنون غير الأوروبيين.أقول: المعرض شهادة نجاح لمعرض "سحرة الأرض" لأنه يستعيد الأفكارالرئيسية لمعرض"سحرة الأرض" و يبعث فيها الحياة بعد أكثر من عشر سنوات.و في نفس الوقت فمعرض "قسمة الاكزوتية" شهادة وفاة لمعرض "سحرة الأرض"، لأنه يحنّط مفاهيم "سحرة الأرض" في شكل تمرين أكاديمي مغلق على نفسه بشكل لا مجال فيه لأي اعادة نظر نقدية.و تجفيف مغامرة معرض "سحرة الأرض" انما يتم باسم النوايا الطيبة التي تمسخ احترام الحواريين لشيخهم الى نوع من التوثين العصابي الجائر الذي يجعل الحواريين يعانقون شيخهم بقوة فيكتمون أنفاسه حتى الموت. و من يدري؟ فربما انطوى اعجاب "راسباي" و "برات" المفرط بـ " مارتان"على شكل ملتوي من أشكال "قتل الأب"، و"كل شي في الحيا جايز"(رمضان زايد).أقول : لكي نتجنّب التبسيط المجحف الذي يملك أن يطمس الاشتباهات المركبة لموقف "مارتان" فيجدر بنا الاقرار بكون هذا النوع من المعارض انما يعيد النظر في ثوابت التقليد المعارضي الأوروبي الذي يعتبر الفن كممارسة ثقافية شأن يخص الأوروبيين دون غيرهم. و في هذا المنظور يمكن قبول فكرة أن الثغرة التي فتحها "مارتان" أمام الفنانين غير الأوروبيين تروّع حراس التقليد الثقافي الأوروبي أيّما روع.بل هي يمكن أن تعتبر محاولة رائدة لـ " ترحيل"( في معنى:
Délocalisation)
لمركز المبادرة الفنية المعاصرة الى خارج الحدود التاريخية/الجغرافية للتقليد الثقافي الأوروبي.أو كما عبّر "مارتان" في نفس مقابلة "لوموند" معترفا بالصعوبات التي تعترض فكرة عرض أعمال الفنانين غير الأوروبيين مع أعمال الأوروبيين على قدم المساواة:
"انها، بالضرورة، فكرة غير مقبولة هنا في أوروبا أو في أي مكان آخر". ذلك لأن فكرة ترحيل مركز المبادرة الفنية لا تزعزع حراس اليوتوبيا الاستبعادية من شاكلة "جان كلير" فحسب، و انما تتعدّاهم لتزعزع قطاعا معينا من غير الأوروبيين على صورة " بعض النقاد الصينيين " الذين روّعتهم فكرة "مارتان" لأنها تخلخل القناعات الجمالية النهائية و المريحة التي خلّقوها و صلّدوها بشكل لا رجعة فيه على المراجع و التصانيف الايديولوجية و الجمالية التي أورثهم اياها التقليد الثقافي الأوروبي.
و اذا كان هناك نفر بين الفنانين و النقاد الأوروبيين قادر على قبول فكرة الغاء مفهوم الفن و تبديله بمفهوم السحر، فما ذلك الا لأن المسألة في تحليلهم النهائي "كلها فن في فن".و هو موقف لا يصدر الا من طرف قوم فكرة الفن متأصلة و ثابتة في خاطرهم كـ "دوغما" دينية لا غنى عنها و كقدر لا فكاك منه.يعني فن أو سحر "كله عند الغرب صابون" و " زيتهم في بيتهم".المشكلة هي أن غير الأوروبيين من شاكلتنا، نحن الذين ورثنا التقليد الثقافي الأوروبي تحت شروط الهيمنة الكولونيالية و النيوكولونيالية بلا زيت أو بيت، لا نملك الا أن نرتاب بالمبادرات التي يبذلها الأوروبيون بسبيل اعادة النظر في مفاهيم هذا التقليد الذي صار تقليدنا بالتبنّي، كوننا بذلنا جهدا كبيرا في استيعابه و تمثيله و تملّكه ، و في زمن قياسي نسبيا.(و خير مثال يحضرني على الفارق الكبير بين الشروط التي استوعب فيها الأوروبيون مفاهيم الحداثة و الشروط التي استوعبنا فيها نحن نفس المفاهيم هو مثال المساواة في الحقوق السياسية بين الرجال و النساء.فالفرنسيون الذين يتفاخرون بكونهم أنجزوا " اعلان حقوق الانسان و حقوق المواطن" قبل قرنين من الزمان ، انتظروا قرن و نصف قبل أن يمنحوا النساء حق الاقتراع في منتصف اربعينات القرن العشرين.أقفل قوس الاستطراد في حقوق الانسان المؤنث هنا) و اعود للنقاد الصينيين الذين اعترضوا على فكرة " قسمة الاكزوتية". فهؤلاء " النقاد" هم أفضل قطعة في لغز" بزل"
Puzzle
التواء الحداثة المعاصرة كونهم في مركز وسط بين قطعة "مارتان" و قطعة "كلير". فهم يستنكفون الدخول من الثغرة التي يفتحها لهم" مارتان" لكن استنكافهم يمسخهم بالضرورة الى حلفاء ممتازين غير متوقعين لـ "كلير" الذي يرفضهم بالكلية.
و مع ذلك فان الشيء المثير للحيرة في أمر "مارتان" هو أن "الثغرة" التي فتحها في جدار التقليد المعارضي الأوروبي لا تتسع لتصبح بوابة مفتوحة نحو الحوار المزعوم بين الثقافات المتساوية اياها.و ربما وجد هذا الامر تفسيره في كون "مارتان" ـ بخلاف " ميشيل ليريس"ـ أراد لهذه "الثغرة" أن لا تتجاوز سعة " صمام الامام" الذي يمكن الأوروبيين من تجنّب الاختناق في سجن تقليدهم الجمالي المغلق عليهم بلا نوافذ أو مسارب للهواء.و هو تقليد منفعته الأخيرة تتلخص في تبرير امتيازات القلّة الأوروبية المترفة التي تهيمن على خيرات العالم المادية و الروحية و تقهر المستبعدين باسم امتياز وهمي اعتباطي أسّسوه على خصوصية حضارية بائدة تواطأوا على تسميتها بـ "الغرب".لا يا سادتي، لم يعد هناك غرب أو شرق تعولون عليه في استبعادنا، فنحن الغرب و الشرق و الشمال و الجنوب و الداخل و الخارج و الأعلى و الأسفل و الأبيض و الأسود و الحلو و المر و القوة و الضعف و الموت و الحياة معا، و انتم كذلك، شئتم أم ابيتم. و لو غاب علي بصائركم فهم واقع بهذه البداهة ـ و هيهات ـ فما ذلك الا لأن عواقب فهم هذا الواقع تعود بالضررعلى مصالحكم و امتيازاتكم .بل أن مجرد ورود خاطر الشراكة بيننا و بينكم في خيرات العالم الراهن المادية و الروحية صار خطرا يزلزل أمنكم الرمزي زلزلة تتصورون
معها قيامة العالم، في حين أن الأمر في الواقع لا يتجاوز قيامة عالم الامتيازات المذنبة الذي بنيتموه من بؤس المستضعفين في الأرض.

من إخترع الأفارقة ؟5

من اخترع الأفارقة؟
الحلقة الخامسة
صلاح الاثنولوجيا في اصلاح الآيدولوجيا

ان ساغ لي أن أعارض " جان كلير" بـ " جان هيبير مارتان " ـ رغم قناعتي بأن كلاهما خرجا " من
معطف " ميشيل ليريس، الأب الروحي للأثنولوجيا التقدمية في فرنسا، فذلك لأن معارضة الواحد بالآخر تتيح لي رسم خارطة اللبس المفهومي الذي يربط فن الأفارقة بما اصطلح الأوروبيون على تسميته بـ " الفن".
أقول " الأوروبيون" و أنا أتحدث عن شخصيتين فرنسيتين لأن الصورة السائدة لهذا " الفن الأفريقي المعاصر" تدين بالكثير لمؤسسات الرعاية الفرنسية الرسمية و شبه الرسمية و ذلك منذ عهد الاستعمار.
طبعا الأمر أكثر تشعبا و تركيبا من تبسيطي البائن.لكن الفن الأفريقي المعاصر عبر تشعبه و تركيب علائقه يطرح ـ بوصفه اختراعا أوروبياـ خصوصية مـُنغـّصة كونه أيضا أداة استبعاد تسحر المستبعَـد ين قبل المستبعدين .فمن جهة " جان كلير" ،الذي يلعب دور حارس الهوية الأوروبية للفن ، فالأمور تبدو بسيطة لمن يرغب في تبسيطها.يعني غير الأوروبيين ناس مختلفين و غرباء على مفهومنا للجمال و ليس في مقدورهم فهم ما نحن بصدده منذ قرون.أذا سمحنا لهم بالولوج في حرم ثقافتنا الأوروبية فقد يلحقون بنا الضرر مثلما قد يلحقون الضرربخصوصيتهم الثقافية.و بالتالي علينا أن ندعم حصوننا و استحكاماتنا و لنكثر من اجراءات الضبط و التمحيص على الحدود الثقافية بين عالمنا و عالمهم.
وضمن هذا المشهد لا يكتفي " ج . كلير" باسداء النصح أزاء ما يجب اتخاذه من اجراءات ، بل هو ينخرط بحمية في الجدال الدائر حول موضوع الهوية الثقافية.و هو جدال يواجه فيه " ج . كلير" خصم حميم من وزنه هو " جان هيبير مارتان" الذي يقف "كراع" في الاثنولوجيا و "كراع" في الصناعة المعارضية .و " مارتان" يطرح نفسه في الحلبة كـ" نقيض /مكّمّل" مستديم لـ " كلير ". و جدير بالذكر أن كلاهما موجود في الساحة الثقافية الفرنسية بشكل مستديم خلال العقدين الأخيرين على الأقل. " ج . كلير " كناقد فني و متحفي، و " ج .هـ . مارتان " كمتحفي مختص بالفنون غير الأوروبية.
في مقدمة كاتالوغ معرض " سحرة الأرض" يعرّف " مارتان" حدود المناقشة ـ لعناية " كلير" غالبا ـ بوصفها مناقشة حول هوية فن أوروبي غايته استيعاب فنون المجتمعات غير الأوروبية. و في أسلوب المناظر المطبوع بنبرة الناطق الرسمي الثقافي يطمئن " مارتان " السلطات السياسية التي خوّلته ليتولى عنها مشقة تدبير اشتباهات الشأن الفني المعاصر بين اشكاليات السياسة و علم الجمال.
يكتب " مارتان " في مقدمة كتالوغ معرض " سحرة الأرض "
".. ان الادّعاء الرائج بعدم وجود الابداع التشكيلي الا في العالم الغربي أو في المجتمعات المتأثرة جدا بالغرب ليس سوى أثر باق من النزعة الاستعلائية لثقافتنا.ناهيك عن أولئك الذين يعتقدون حتى اليوم بأن امتلاكنا للتكنولوجيا يجعل ثقافتنا أفضل من غيرها من الثقافات. و حتى أولئك الذين يصرحون بلا مواربة بأن لا مجال للمفاضلة بين الثقافات فهم يجدون صعوبة كبيرة في قبول فكرة أن أعمال فنية من العالم الثالث يمكن أن توضع على قدم المساواة مع الأعمال الفنية لحركاتنا الطليعيات.هذا الموقف يدل على أن المقاومة في مجال التشكيل أقوى منها في مجالات ثقافية أخرى كالموسيقى و المسرح و الفنون الاستعراضية أو الأدب. "
Jean-Hubert Martin, Magiciens de la Terre , Paris, Ed. Ce,tre Georges Pompidou, 1989, p.8
و ضمن تكاملهما النقدي يبذل كل من " كلير " و " مارتان " ـ كل بطريقته ـ يبذلان لقراءهما صورة لأوروبا باعتبارها طبق الغرب، ثم يسعى كل منهما ـ كل بطريقته ـ لترميم الحدود بين الثقافة الأوروبية و الثقافات غير الأوروبية ، و لو شئت قل بين المجتمعات النامية [ سمّها المتحضرة] و المجتمعات المتخلفة [ و سمّها البربرية ] .فمن جهته يقوم " ج . كلير "ـ في دور الأوروبي مالك الكون ـ يقوم بصيانة الحدود السياسية القائمة و يسقطها على واقع حركة الثقافة المعاصرة ،ليقوم بعد ذلك بنفي ثلثي الانسانية خارج التقليد الثقافي الأوروبي.لكن نفي غير الأوروبيين خارج التقليد الثقافي الأوروبي ما عاد ممكنا في العالم المعاصر الذي يتميز بكون التقليد الثقافي الأوروبي النصراني فيه قد تمكن ، ضمن منطق اقتصاد السوق، تمكن من أن يفرض مراجعه و أحكامه على أزمنة و أمكنة كل الضالعين في ثقافة السوق، يعني علينا كلنا على اطلاق العبارة. و سواء كنا أفارقة أو آسيويين أو أوروبيين أو أمريكيين فنحن نتغذى كلنا من نفس التقليد الثقافي، تقليد ثقافة السوق الرأسمالي و على ضروراته ندبر أمور ديننا و دنيانا. بلا شك فـ " جان كلير " أدرى بكون معاصريه ، أفغانا كانوا أو جزائريين ،غير قابلين للنفي خارج التقليد الثقافي المعاصر الذي يدعي الأوروبيون ملكيته.و بالتالي لا يبقى أمامه الا العمل على ترميم و صيانة الهوية الجمالية الأوروبية في بعدها الذي لا تطاله يد غير الأوروبيين، بعد" الماضي المجيد" لثقافة أوروبية سابقة على عهد التماس و التمازج مع المجتمعات غير الأوروبية. ان ثقافة أوروبا قبل الرأسمالية تصبح عند" جان كلير" مساحة ذات حظوة خاصة تسوّغ له أن يسقط عليها تمّيز الهوية الثقافية الأوروبية بالتعارض مع غيرها.و هي المساحة الوحيدة التي يمكن عليها رسم حدود ثقافية بين أوروبا و غير أوروبا، و لو شئت قل بين الحضارة و البربرية.ففي الزمان و المكان قبل الرأسماليين ، قبل اكتشاف " الدنيا الجديدة " ، قبل الثورة الصناعية ، قبل الاستعمار، قبل التجارة الكبيرة العابرة للقارات، كان في وسع أوروبا أن ترى نفسها في مرآة الآخرين ككيان غربي متميّز و كامل بلا قسمة أو نزاع في المواريث و الغنائم.كان بوسع الأوروبيين أن يعبروا ببراءة حقيقية عن دهشتهم الكبيرة أمام" الآخر " على نحو التساؤل الشهير" كيف يمكن للمرء أن لا يكون أوروبيا ؟". و في هذا المشهد يمكن لـ " جان كلير " أن ينتقد ـ و عن حق ـ عواقب الضلال النيوكولونيالي على ثقافات ما قبل رأس المال في المجتمعات غير الأوروبية ، و في نفس الوقت ينتهز فرصة هذا الالتباس النيوكولونيالي ليتمركز ـ و عن باطل ـ كأفضل حراس الثقافة الغربية في وجه البرابرة الوافدين من العالم الثالث.
و اذا كان " جان كلير " يسعى لبناء الأسوار العالية لتحصين الثقافة الأوروبية و فصلها عن الثقافات الأخرى ، فان " جان هيبير مارتان" يتبع أسلوبا مغايرا فحواه صيانة حدود الآخرين على مزاعم المساواة و التعارض و التساند على حق الاصالة. " جان هيبير مارتان " يرى غير الأوروبيين كأنداد قابلين للمقارنة و للمعارضة مع الأوروبيين. بل هم قمينون برد النظرة التي يلقيها عليهم الأوروبيون بنظرة ندية معاكسة.و فكرة " رد " النظرة الأوروبيةفي نظري[ الضعيف ]، ليست منزّهة تماما من شبهات العرقية ، بالذات حين يحاول الأفارقة رد النظرة الأوروبية العرقية بنظرة افريقية عرقية معاكسة.و قد وجدت هذه الفكرة الغريبة بعض الصدى في شعار" عكس البخار" أو" رد البخار "
« Renverser la vapeur » « reversing the steam «
الذي رفعه منظموا معرض أول بينالي في جنوب أفريقيا ما بعد الأبارتايد فكأنهم يبشرون العالم بأبارتايد معاكس.
ان منطق " مارتان " ـ و الذي لا يقل تعقيدا عن منطق " كلير " ـ انما يعتمد على فكرة " عرقنة " الثقافة الأوروبية مثلها مثل غيرها من الثقافات غير الأوروبية التي لا يراها الأوروبيون الا " مـُعَـرقنة" . و أنا أستخدم عبارة " عرقنة الثقافة " في معنى اختزالها الى أصل عرقي " اثني"
Ethniciser
و فكرة " عرقنة " الثقافة الأوروبية تسوّغ لـ " مارتان"تأسيس مفهوم المساواة بين كافة الثقافات بلا استثناء على طموح انساني نبيل فحواه تحقيق وحدة الأعراق و الثقافات المتعددة سعيا الى اليوتوبيا العالمية [ و قيل " العولمية"].وفي هذا الأفق تكتسب كل ثقافة مشروعيتها من رغبتها في الاندغام في اليوتوبيا الأوروبية ، تحت رعاية أوروبا ، التي، باسم حظوتها التاريخية الموروثة من عهد الاستعمار، ترى نفسها بشكل طبيعي كصاحبة المبادرة[ اقرأ" مالكة المبادرة" ] و من ثمّ فهي تعطي نفسها حق احتكار ادارة المشروع الطوباويي و تعريف الشروط التي يتحقق على هديها.
و عرقنة أوروبا بذريعة النظر المعكوس الصادر من طرف غير الأوروبيين هي فكرة قديمة عزيزة على " ميشيل ليريس "، الأب غير الشرعي للفن الأفريقي المعاصر. و كان" ليريس" قد أطلق ما يمكن أن نطلق عليه مفهوم" النظر الراجع" لمعالجة الوضعية المذنبة للباحث الاثنولوجي المبعوث الى المستعمرات من قبل مؤسسات السوق الرأسمالي.و في خصوص علاقة الباحث الاثنولوجي بالدولة الاستعمارية يقول " ليريس "في كتابه" خمس دراسات في الاثنولوجيا"
" مهمتنا الاثنولوجية ما هي الا تكليف من طرف الدولة.و نحن آخر من يتبرّأ من عواقب السياسات التي تمارسها الدولة و ممثلوها على هذه المجتمعات التي اخترناها نحن كموضوع للدراسة ".
Michel Leiris, Cinq Etudes d’ Ethnologie, Paris ,Denoël/Gonthier, 1969,p.87
و رغم ذلك فـ " جان هيبير مارتان ـ كما سنرى ـ " لا يتّبع خطى الأب الروحي للفنأفريقانية الفرنسية باخلاص" الحافر على الحافر".ان فكرة " ميشيل ليريس " ـ اذا صرفنا النظر مؤقتا عن طموحها الانساني الطوباوي ـ تبدو ، من منظورعلاقة الاثنوغرافيا و الاستعمار ،فكرة ثورية " مخرّبة" بقدر ما هي فكرة مغرقة في الغشامة السياسية. و لا عجب فمن غير " ميشيل ليريس " ـ الاثنولوجي و الشاعر السوريالي ـ من غيره قمين باطلاق مثل هذه الفكرة السوريالية التي تطعن في مبدأ الاثنوغرافيا كمبحث استعماري و تجعل الرجل يبدو كمجنون على شجرة مشغول بقطع الفرع الذي يجلس عليه.
يقول " ليريس "
" اذا نظرنا للاثنوغرافيا كأحد العلوم التي ينبغي أن تساهم في تأسيس فكرة انسانية حقيقية ، فنحن ، بلا شك ،نصاب بالحسرة على كون هذا العلم الاثنوغرافي يبقى آحادي الجانب .أعني أنه اذا كانت هناك اثنوغرافيا غربية تدرس ثقافات الشعوب الأخرى فان العكس غير موجود ".."و من وجهة نظر معرفية فهناك نوع من اختلال في التوازن يزيّـف منظور البحث ويؤمّن على ميلنا الاستعلائي.و هكذا تجد حضارتنا نفسها بعيدا عن متناول الفحص و الدراسة الذين يمكن أن تباشرهما تجاهها هذه المجتمعات التي نجعل منها موضوعا لبحثنا".
و هكذا يبدو أمر " ليريس " في حقيقته أمر اصلاح طموح، اصلاح مزدوج يستهدف صيانة الكفاءة المنهجية للعلم الاثنولوجي مثلما يستهدف صيانة الكرامة الانسانية لطرفي الظاهرة الاثنولوجية.و في هذا المشهد يطرح " ليريس " مفهوم " قسمة العلم الاثنوغرافي " بالتساوي بين الفرقاء.وذلك في مطلع الخمسينات كما يشهد بذلك خطابه أمام " جمعية العاملين العلميين، قسم العلوم الانسانية" و المعنون " الاثنوغرافيا أمام الاستعمار".
و فكرة " القسمة" العادلة في مشهد " ليريس" تقوم على " أن يتم تدريب باحثين اثنوغرافيين في البلدان المستعمـَرة و اتاحة الفرصة لهم كي يبعثوا عندنا في أوروبا ليدرسوا و يبحثوا في أساليب حيواتنا ".لكن "ليريس" الشاعر الألمعي و المناضل التقدمي المعادي للاستعمار [الـ " واقع من السما سبع مرات"]، أدرى بأن الأمر، أمر القسمة العادلة ، ليس بالبساطة التي يبدو عليها ، كون مجمل العلائق بين المستعمـِرين و المستعمَرين تبقى ملغومة بواقع الهيمنة و أحكامه.و لذلك فهو يقول مستدركا
"المشكلة هي أن هؤلاء البحّاث سيعملون وفق المناهج التي علمناهم اياها و أن الاثنوغرافيا التي سينتجونها تبقى أسيرة نظرتنا و مناهجنا "
Leiris pp. 106-111
ما العمل ؟
ترى هل يستقيم هجران الاثنولوجيا لانقاذ الأفارقة ؟
" كـُـس أم" الاثنولوجيا ان كانت صيانتها تمدّد من واقع قهر العباد في أفريقيا أو في واق الواق..
[ و عبارتي لا بد ستخد ش حياء الأخ الدكتور محمد عبد الرحمن أبوسبيب الباحث العاكف على فن الأفارقة في بلاد تموت من البرد حيتانها . لكن انت حياءك دا يا زول، هو الفنأفريقانية بتاعتك خلّت فيه حاجة يخدشوها؟؟] ، طبعا دا رأيي أنا ، لكن رأي " ليريس" شنو؟
" ليريس " أكبر طموحا مني، فهو ينوي انقاذ الأفارقة بالاثنولوجيا . ربما لأن الرجل على يقين من كون وجود الأفارقة نفسه يستحيل في خاطر الأوروبيين خارج المبرر الاثنولوجي.فالأوروبيون لا يرون الأفارقة الا داخل اطار النظر الاثنولوجي.و عليه ففكرة هجران الاثنولوجيا تروّع الخواطر الأفريقانية في أوروبا و في أفريقيا معا.فمن جهة أولى ، هي تروّع خاطر باحثي الاثنولوجيا الأوروبيين والسلطات الأوروبية التي بعثتهم و خوّلتهم تفسير أقوام القارة ، كون هجران اطار النظر الاثنولوجي يموضع القوم أمام صورة لا تطاق لقارة تخلّقت و تتخلّق كل يوم في ظلام الفشل الانساني للنسخة الأوروبية المسيحية لحداثة رأس المال .و من الجهة الثانية ففكرة هجران الاثنولوجيا تروّع خواطر كل الأفارقة الذين تعلموا أن ينظروا لقارتهم بمنظار اثنولوجي أوروبي.و بما أن لا أحد يرغب في هجران صورة افريقيا الاثنية" المعرقنة" ذات المنافع الأنية العديدة ، لا يبقى أمام " ميشيل ليريس " ، بصفته كاثنولوجي انساني تقدمي و معاد للاستعمار، لا يبقى أمامه سوى أن يتولى مهمّة مداواة الاثنولوجيا من مرض الاستعمار.هذه" المهمة المستحيلة" ستشغل " ليريس " لغاية نهاية حياته الحافلة.و الحق يقال ، فقد حاول " ليريس " مخارجة هذه الهدية المفخّخة المسمّاةبـ " علم الاثنولوجيا" و التي عهدت بها اليه السلطات الاستعمارية ، حاول مخارجتها من حقل ألغام الشرط الاستعماري ،متجنبا المزالق و الفخاخ الكثيرة الأخلاقية و المنهجية و السياسية، التي تتربّص بهؤلاء و أولئك من الرجال و النساء المقيمين على طرفيي ممارسة متحقّقة في مشهد المجتمع الطبقي المعاصر.أن الاثنولوجيا غير الأوروبيةـ و الاثنولوجيا بطبعها غير أوروبيةـ ليست سوى مرآة أوروبية اخترعتها أوروبا لتتأمل على أبعادها الأفريقية أو الأسيوية الخ، أحوال صورتها و صيرورتها بين تناقضات الوهم و الحقيقة.لكن هذه المرآة العجيبة تتميز بكونها ذات وجهين ، و على وجهها المعاكس يمكن لغير الأوروبيين مشاهدة صورة أوروبا و صيرورتها من زاوية نظر مخالفة مثلما يمكنهم رؤية صورتهم و صيرورتهم هم أنفسهم في هذه المرآة التي يبذلها لهم الأوربيون لأسباب بعيدة عن البر المسيحي اياه.و حين أقول أننا نملك فرصة مشاهدة صورة أوروبا و صيرورتها في نفس الوقت الذي نملك فيه فرصة مشاهدة صورتنا و صيرورتنا في مرآة الاثنولوجيا الأوروبية فهذا لا يعني أن الأوروبيين محرومين من مشاهدة الصورتين و الصيرورتين في آن معا.لكن النظر يبقى رهين المصلحة . و قد تعود الأوروبيون على فكرة أن لا مصلحة لهم في النظر نحو الآخرين و هي بلا شك " عوجة كبيرة " عواقبها لا تخص الأوروبيين وحدهم.و في هذا الأفق تبقى مهمة " انقاذ " الاثنولوجيا من عقابيل الثقافة الاستعمارية أصعب المهام التي تصدى لها الرجل.فـ" ليريس " يفترض " أن تدريب عدد كاف من الاثنولوجيين من أهل المستعمرات ".." يمكن أن يكون نافعا على أساس أن هؤلاء البحّاث الخارجين من المجتمع المستعمَر، بقدر ما ينسلخون عن عاداتهم ـ و هم فاعلون لا محالة ـ فهم قمينون ، على الأقل، بحفظ شيء أكثر حياة من ثقافة ذويهم في الذاكرة و ذلك لكونهم يشاركون الناس موضوع بحثهم نفس التجربة المعاشة ".و هكذا يخلص " ليريس " الى نتيجة متواضعة و بعيدة عن طموح " القسمة" الطوباوية الأولى.و مع استحالة توفر الأثنولوجيين الوافدين من المستعمرات ليدرسوا المجتمع الأوروبي على شرط المساواة في النظرالاثنولوجي، فان " ليريس " ينصح بأن يتولى الاثنولوجيون المحليون من رعايا المستعمرات أمور البحث الاثنولوجي وسط ذويهم من" السكان الأصليين" ، يعني " من دقـنـُه و افتل لـُه "، و لا يهم كثيرا ما اذا كان هؤلاء البحاث الـ " أصليون " سيطبقون على مجتمعات ذويهم المناهج الاثنولوجية التي درّسها لهم الأوروبيون.هذا المنطق يردنا ـ رغما عن أنف أنسانية " ليريس " ورغما عن معاداته للاستعمارو تقدميته ـ الى شعار " فرز المويات " العزيز على الجنرال " ديغول " و " جان كلير " و من لف لفهم من العنصريين على تباين الألوان.و من الآن فصاعدا سيتمكن الاثنولوجيون الأوروبيون من أن يواصلوا طبخاتهم الأوروبية فيما بينهم دون أن يتطفل عليهم اثنولوجي من بلدان العالم الثالث. و على كل حال فالبحاث الأثنولوجيون من أهل العالم الثالث سيكونون في شغل شاغل عن ما يحدث في اثنولوجيا الأوروبيين بحكم انقطاعهم المفترض لتدبير اثنولوجيا ذويهم.
و هكذا ينمسخ " ميشيل ليريس " بقدرة قادر الى نفق سريّ يستطيع" جان كلير" التوسل به ـ تحت أرض التناقضات الظاهرة ـ للقاء غريمه الحميم " جان هيبير مارتان " و بالعكس. يصبح " ميشيل ليريس " مناسبة للقاء الأخوة الأعداء كلما شعرت أوروبا بأن هناك خطر يتهددها من الخارج ، و بالذات من جهة الثقافات غير الأوروبية. ذلك أنه حين يتطلّب الأمر التعاطف مع المعذبين في الأرض فليس هناك أفضل من التلويح براية " القسمة " الطوباوية مع " سحرة الأرض" من كل الألوان.و هذه الصنعة يحذقها " جان هيبير مارتان" أكثر من غيره في فرنسا المعاصرة التي لا يغمض لها جفن عن مراقبة مصالحها في العالم الثالث الأفريقي، في هذا الوقت الذي بدأ الخصوم الأمريكان يتحسسون فيه موضع قدم لهم في القارة المظلمة، و بالذات في بعض مناطق النفوذ الفرنسي.[ ساحل العاج، الكونغو..]. أما حين يتعلق الأمر بترميم الهوية الأوروبية في بلد كايطاليا التي لم يعد عندها ما تخشى فقدانه في المستعمرات السابقة أو في أي مكان من العالم الثالث، فان السلطات الايطالية تجد في شخص الفرنسي " جان كلير "ـ أول مدير غير ايطالي لمعرض بينالي البندقية ـ خير مدافع عن هوية ثقافية أوروبية عمادها الماضي الفني المجيد لايطاليا، بالذات في هذه اللحظة التاريخية الراهنة التي انمسخت فيها شعوب العالم الثالث الى جحافل بربرية تهدد بتدمير كنوز الحضارة الأوروبية كما دمّر الطالبان الأفغان آثار الحضارة الآسيوية في حادثة تماثيل " بوذا باميان " و كما يدمر المتعصبون الاسلاميون مظاهر الحضارة الأوروبية كوجه في الجهاد ضد البدع و الضلالات .
و اليوم ،انقضى أكثر من نصف قرن من الزمان منذ أن أطلق " ليريس " قولته المشهودة بضرورة القسمة العادلة للنظر الأثنولوجي.لكن لا أحد يفهم لماذا لا يزال جل الاثنولوجيين الأفارقة عاجزين عن انتاج اثنولوجيا تعانق أولويات الواقع الأفريقي؟ لماذا لم يفلح الأفارقة في تأسيس اثنولوجيا فاعلة وجهة التنمية الاجتماعية والاستقلال الاقتصادي و السياسي ؟هذا سؤال الاجابة عليه تتجاوز سعة هذه الورقة المتفائلة.لكن يبقى أن الممارسة الاثنولوجية في تحليل نهائي ما، هي شكل من أشكال التعبير عن علاقة الهيمنة المادية على أزمنة و أمكنة الآخرين. و صاحب المبادرة الاثنولوجية انما يتخذها وسيلة لاحكام هيمنته على الآخرين مثلما يتخذ منها دليلا على واقع هذه الهيمنة.أقول ربما كان تقاعس الأفارقة عن انتاج اثنولوجيا أفريقية يتفسر بكون الممارسة الاثنولوجية تظل غير واردة خارج اطارالصراع بين مصالح السوق الرأسمالي الذي ليس للأفارقة فيه ناقة و لا جمل.
" مصالح السوق " هذه العبارة السحرية التي تفتح مغاليق الاشكالية الفنأفريقانية على هاوية سوء التنمية كانت ضمن متاع " ليريس " النقدي منذ زمن طويل.كان " ليريس " على يقين من أن الاثنولوجيا لا تفلت من قانون مصالح السوق.و كان يعرف أن أحتمال تخلّق اثنولوجيا انسانية تحت شرط السوق هو أمر مستحيل مثلما كان يعرف أن مساعي الخلاص الفردي للبحاث الاثنولوجيين تنطوي على مخاطر التهلكة الأكاديمية. نعم كان " ليريس " يعرف
" ..ان الباحث الاثنولوجي الذي يجاهر بتضامنه التام مع الناس موضوع بحثه ".." انما يعرض نفسه ببساطة لخطر أن تسحب منه السلطات التخويل الذي منحته له كباحث..". و في مواجهة هذا النوع من المخاطر تنمسخ أرض البحث الاثنولوجي الى ساحة حرب طبقية لا يطيقها سوى البحّاث من أهل المراس أو من ذوي الروح الاستشهادي.و رغم يقيننا بأن " ميشيل ليريس" ليس " شي غيفارا" الاثنولوجيا الا أننا نظلم الرجل لو اختزلناه لمجرد " نفق سرّي " لمنفعة عملاء السلطات التجارية و السياسية، و ذلك لأن الرجل بفطنته وبرهافة حسه الشعري و السياسي و بتاريخه الشخصي الحافل بالمواقف المشرفة في النضال ضد الاستعمار ، دون أن ننسى مواقفه الأثنولوجية الأفريقانية التي لا تنجو من اللبس المفهومي العرقي، أقول أن " ليريس " بكل ما يمثله انما ينطرح كنصب لسوء الفهم في مسار الحوار المستحيل بين الأوروبيين و "أفارقتهم" الذين اخترعوهم اختراعا من وحي مصالحهم . بل أن الرجل لينفع أيضا كنصب لسوء الفهم المستديم في حوار " بعض " الأفارقة" المتأوربين" و ذويهم من " السكان الأصليين ".
ميشيل ليريس كان على يقين من كون الأفارقة قد تحولوا عن الميراث الثقافي للأسلاف ـ و لو شئت قل " انمسخوا " ـ بشكل حاسم لا رجعة فيه ، و ذلك تحت ضغوط حضارة السوق الرأسمالي الغربي التي استوعبتهم في هامشها الاثنولوجي المتحفي الذي يسع كل أهل الحضارات البائدة بدون فرز.و في كتابه " أفريقيا الشبحية" الذي يحكي وقائع " حملة داكار/جيبوتي" ، سجل" ليريس" أبلغ الشهادات عن البذاءات العرقية البالغة العنف التي لجأت لها الدولة الاستعمارية بسبيل اخضاع أهل القارة و تربيتهم على قبول نظام الهيمنة .
و فيما وراء التعقيد و التركيب اللاحق بمواقف " ليريس " الأفريقاني فان هناك سؤال يبقى بلا اجابة حول دوافع " ليريس " الشاعر المتمرد الذي تفتح في قلب الحركة السوريالية أيام عزّها الفني و السياسي.ما الذي يجعل هذا الشاعرالعارف بالأدب و موسيقى الجاز و الناقد الفني الذي كان بين أصدقاءه نفر من سدنة الحداثة الفنية في القرن العشرين، ماالذي يجعل صديق " ماكس جاكوب " و " جان دوبوفييه " و "أندريه ماسون " و " خوان ميرو " و" تريستان تزارا " و بابلو بيكاسو" ، ما الذي يجعله ينخرط في مغامرة الاثنولوجيا الأفريقانية في رفقة الفسالة من موظفي الادارة الاستعمارية ؟
و حتى بعد عودته من حملة " داكار /جيبوتي" ، في مطلع الثلاثينات، فهو يسجل نفسه كدارس في " معهد الاثنولوجيا بجامعة باريس ". و من حينها سيكرّس " ليريس" جل جهده لمشروع اصلاح الاثنولوجيا و انسنتها حتى و لو أدّى به الأمرلتأييد مبدأ الكفاح المسلح لتحرير الشعوب المستعمرة و هو موقف نادر في أوساط الاثنولوجيين الفرنسيين و حتى في أوساط المثقفين عامة في تلك الأيام.يكتب " ليريس" في " خمس دراسات في الاثنولوجيا": " ان كان للباحث الاثنوغرافي أن ينشط في دعم أهل المجتمعات المستعمَرة فان الخدمة التي يمكن أن يؤديها، سواء من خلال التعبير بصراحة عن معاداته للاستعمار ،أو من خلال تقديم علمه و خبرته للمناضلين من أجل الحرية،ليست بذات بال في مشهد المستعمَر.و ذلك لأن التحرر المادي ـ الذي هو شرط أساسي لمواصلة كل دعاوى المشروع التحرري ـ لا يتحقق الا عن طريق وسائل أكثر عنفا و أشد نجزا من ما هو في متناول يد البحّاث و العلماء".
و لعل أكثر جوانب شخصية " ليريس" اثارة للاعجاب ـ وللعجب ـ هو قدرته على التطور و تجاوزحظ النفس التي تربت في شعاب الأنانية العرقية الأوروبيةو امتيازات الاستعمار. اذ بين اللحظة التي كان الاثنولوجي الأفريقاني يكيل فيها الصفعات لخادمه السوداني " ماكان"، أثناء مرور حملة " داكار/جيبوتي" بجنوب السودان في مطلع الثلاثينات[أنظر" مرآة أفريقيا" ] ،و اللحظة التي يعلن فيها موت الاثنولوجيا أمام الاستعمار في مطلع الخمسينات ، فان " ليريس " يكمل دورة كاملة من التحولات الفكرية و السياسية و النفسية جعلته يكتب ـ في مطلع الستينات أبان حرب الجزائرـ مدافعا عن حق الباحث الاثنولوجي في التمركز " كمحام طبيعي " للشعوب المستعمرة. و مواقف " ليريس " التقدمية أدت به للوقوف أمام "مجلس تأديب اداري" عقده " المجلس الوطني للبحث العلمي "[ سي. ان .ار. اس]. كان المجلس، الذي يعتبر أهم مؤسسة بحثية رسمية في فرنسا يأخذ على " ليريس" توقيعه لوثيقة سياسية معارضة لسياسة فرنسا الاستعمارية اشتهرت بـ " بيان المئة و واحد و عشرين " و فحواها حث الشباب الفرنسي من مجندي الخدمة العسكرية الالزامية على العصيان ومعارضة الحرب الاستعمارية في الجزائر.[" مرآة أفريقيا " ].
و على الرغم من موقفه الناقد للاثنولوجيا فان " ليريس " لم يفكر لحظة في هجران الاثنولوجيا. و ربما يتفسر هذا الموقف بكون الرجل الذي اكتشف العالم غير الأوروبي كما اكتشف الاثنولوجيا ، معا ضمن ملابسات الاستعمار، كان يرى في اصلاح الاثنولوجيا و أنسنتها فرصة للتمركز بعدل ضمن الزمان و المكان الذين يتقاسمهما مع" الآخرين" .و أظن أن المنطق الذي أسس عليه الرجل موقفه من العالم يمكن أن يحال لتجربته الفنية كسوريالي و تجربته الاثنولوجية الشخصية كأفريقاني، و هي تجربة ساعدته على تجاوز أغلب رفاقه من الفنانين السورياليين الذين وقف اهتمامهم بالعالم عند تخوم العصيان الفني الطليعوي ضمن التقليد الأوروبي.ذلك ان كانت العلاقة مع أهل العالم غيرممكنة خارج الاثنولوجيا فمن باب أولى اختراع اثنولوجيا جديدة تسع فداحة المشروع الثوري الطوباوي الذي يقوم في مشهد " ليريس " على مصالحة ـ و قيل تهجين ـ الثقافة التقليدية مع التكنولوجيا الحديثة.و بين حدب الباحث الاثنولوجي على الثقافة التقليدية و توجس الفنان السوريالي من التكنولوجيا الحديثة يورّثنا " ليريس" مشروعه الطوباوي في شكل هدية مسمومة سيتلقفها بفرح كبير رهط الفنأفريقانيين الفرنسيين من نوع " جان هيبير مارتان" ليبنوا عليها الاطار الآيديولوجي للصناعة المعارضية المتخصصة في الفن المعاصر غير الأوروبي.

من إخترع الافارقة؟4

من اخترع الأفارقة؟

الحلقة الرابعة

جيوبوليتيك الفنأفريقانية

حسن موسى


اذا كانت بضاعة الفن الأفريقي المعاصر بائرة في سوق الفن العالمي فهي ذات رواج بيّن في مؤسسات الجمالية العرقية من شاكلة متاحف الاثنوغرافيا و مراكز الدراسات الأفريقانية و التظاهرات الدورية و المهرجانات المكرسة للفن الأفريقي في الحواضر الأوروبية. و اليوم لا يستغني اي بلد أوروبي عن هذه الألات الحربية ذات الكفاءة العالية في حروب الحضارات وحوارات الثقافات العرقية الموسمية التي يشنها الأوروبيون على " البرابرة " من أهل الثقافات غير الأوروبية. ذلك أن هذه الأجهزة انما تموّه تحت غشاءها الثقافي كفاءتها في صيانة ترسانة المواصفات العرقية القديمة التي يصنّف البشر على أساسها بين لانهايتي البربري و المتحضّر. و من هنا نطعن في مشروعية الموقف الاثنوغرافي الأوروبي الذي انبنى على تقصّد و ترصّد " الآخر" و اكتشافه و فهمه و تفسيره للجمهور الأوروبي.كون هذا الموقف البريء في ظاهره لا يحصل أبدا تحت شرط الحيدة العلمية التي يدّعيها الاثنوغرافيون الأوروبيون عادة.و انما تتخلّق العلاقة بين الاثنولوجي وموضوع بحثه بين " السكان الاصليين " تحت شروط علاقة القوى غير المتعادلة بين الأقوياء و الضعفاء. بين المستعمرين و المستعمَرين.و لعل أول منافع هذا الاختلال ـ لصالح الأقوياء ـ هي دمج الضعفاء الخارجين من بنى مجتمع بدائي قبل رأسمالي ، في بنى السوق الرأسمالي التوحيدية بشكل نهائي. و رغم ذلك فنحن لا ندين الاثنولوجيا الأفريقانية كمبحث من حيث المبدأ لمجرد أن عملاء النيوكولونيالية ـ بيضا كانوا أوسودا ـ يستفيدون من لقياتها في قهر الشعوب الأفريقية، ناهيك عن الاجحاف المنهجي الذي قد تنطوي عليه ادانة مبحث جديد يتخلق و يتطور كل يوم بفضل جهود البحاث الاثنولوجيين المستنيرين الذين يتعاملون مع الناس موضوع بحثهم كشركاء راشدين و مسؤولين.و سياتي يوم ينتفع فيه الأفارقة بلقيات الاثنولوجيا في الخروج من شروط سوء التنمية و بناء مجتمعات العدل و الرفاه و الديموقراطية.لكن غرضنا من هذه التعريجة النقدية هو تسليط بعض الضوء على الوجه المظلم للأثنولوجيا الأفريقانية و هو وجه يتخفّى في غضونه نفر من أهل الفنأفريقانية الأوروبية ممن يعيثون فسادا على مشهد الفن العالمي المعاصرو هم مسلحون بعض اللقيّات المقدسة للاثنولوجيا الأفريقانية البائدة. هؤلاء القوم الذين يبذلون كل جهدهم لاستبعاد سكان القارة عن دائرة الحداثةـ على علاتها النيوكولونيالية ـ[ أنا كان رضيت بالهم ما يرضي بي همّي] ،أقول ، هؤلاء القوم قمينون ـ حين يقتضي الأمر ـ بانتقاد النخب الأفريقية ، بل و شتمها جهارا بجريرة خيانة الاصالة الأفريقية و قد يبلغ بهم الفجور الآيديولوجي تحميل الأفارقة المتعلمين مسؤولية سوء التنمية لانهم هجروا تقاليد الاسلاف الخ . و أعني بـ " الحداثة النيوكولونيالية ذات العلاّت" هذه الحداثة المتخلّقة تحت شروط سوء التنمية وشروط الديون و شروط المجاعات و شروط الحروب المزعومة " قبلية " [ بين كبريات القبائل البترولية كقبيلة توتال ـ الف و قبيلة شل أو موبيل على سبيل المثال لا الحصر] لغاية شروط الفنأفريقانية ذاتها . و أنا استخدم عبارة " الفنأفريقانية" لتوصيف وجه بعينه من وجوه التعبير الفني المعاصر مما ينتجه الفنانون الأفارقة أو الفنانون من أصل أفريقي من أهل الدياسبورا بنت الغول و العنقاء و بئس المصير.أقول ان الفنأفريقانية آلة حربية فبركتها مؤسسات الرعاية الأوروبية[ من مافيش] لتنتفع بها في التدخل في مسارات حركة الثقافة المعاصرة في أفريقيا و لتوجيهها لخدمة المصالح السياسية و الاستراتيجية للامبريالية. و رغم التناقض البائن في المصالح بين الامبرياليات الأوروبية و الشمال أميريكية الا أن الجميع يجدون في الفنأفريقانية أكفأ وسيلة لفرض هيمنتهم الثقافية على الأفارقة.و ربما كان لخيار الفنأفريقانية علاقة بأن وسيلة المشروع الثقافي الفني تتميز بكون عائدها السياسي مضمون بغير مخاطرة لأنها وسيلة جذابةو ظاهرة اعلاميا و لا تكلف الكثير على الصعيد المادي ـ مقارنة مع غيرها من مشاريع التنمية الاجتماعية الأخرى الأقل جاذبية و التي هي غالبا بلا مردود اعلامي ظاهر، ناهيك عن اعتبارات عامل الوقت حيث أن تنظيم معرض أو بينالي في العواصم الأوروبية اليوم هو مشروع يمكن انجازه في عدة أسابيع بينما يتطلب تأسيس وحدة انتاجية تعاونية وسط المزارعين أو الرعاة في وسط ريفي زمنا طويلا و تحضيرات كثيرة و معرفة سوسيولوجية و سياسية و تقنية ينبغي بناءها ببطء. و اذا اضفت لكل هذه الصعوبات ضآلة العائد الأعلامي لمشروع تنمية اجتماعية في أصقاع القارة المنسية فيمكن أن تتصور مدى البؤس الأخلاقي الذي يستبطن خيارات الأوروبيين الذين ينظرون برأفة مسيحية وجهة أفريقيا من وقت لأخر.و في تحليلهم النهائي فالفن أفريقانية استثمار مريح يجنبهم مشقة التورط في أسئلة سوء التنمية و الشراكة العادلة و حقوق الانسان و الديون و هي أسئلة سياسية محرجة لا يطيقها القوم.و في تحليلنا غير النهائي فنجاحات الفنأفريقانية السياسية لا تقتصر على الأوروبيين وحدهم ، ذلك أن الفنأفريقانية نجحت في استمالة جزء كبير من السلطات السياسية الأفريقية التي وجدت في التحالف ـ اقرأ " التواطوء " ـ الأيديولوجيي مع ممثلي الامبرياليات منافع سياسية مجزية دولية و محلية. و على الصعيد المحلي لنا في التجربة السودانية" المايوية " دروس و عبر بالنسبة للاستخدام السياسي للمشروع الثقافي . و هذا باب للريح " السودانوية" سنفتحه في مقام آخر و سنكتفي هنا بالاشارة السريعة لاستغلال النظام السياسي المايوي لـ " الصناعة المعارضية " ذات المردود الأعلامي المجزي سياسيا.ففي نهاية السبعينات تكشف للجميع الفشل الكبير الذي لحق بخطط التنمية الاقتصادية و مشاريعها الطموحة التي أطلقها النظام في السودان. لكن ذلك الواقع لم يمنع النظام من تنظيم المعارض الكبيرة في العاصمة حول انجازات مشاريع التنمية التي كان الجمهور العاصمي يراها في الصور و المطبوعات الأفلام الدعائية في حين كان الواقع الميداني يكذب ادعاءات اعلام النظام.في تلك المعارض الجماهيرية الكبيرة، و التي كانت لها قيمة ترفيهية بالنسبة لجمهور العاصمة، كانت صورة التنمية تقف بديلا عن التنمية الفعلية. و قد برع المايويون في هذه" الصنعة المعارضية"، التي ورثوها من التراث المعارضي للبروباغاندا السوفييتية ، حتى أنهم انتهوا الى تصديق الكذبة التي أطلقوها في البداية لـ " تصبير" الناس حتى تأتي التنمية أكلها. ثم جاءت أيام صار المشير الامام جعفر النميري فيها يعد العربان بأن السودان سيصبح " سلة غذاء العالم العربي " . في تلك الأيام كان بعض السودانيين من ضحايا المجاعات قد بدأوا يزحمون فراندات" السوق الأفرنجي" أمام مكاتب وكالة السودان للأنباء [ سونا ] في الخرطوم .

و مثلما يتمخض الجبل ليلد فأرا تمخضت الفنأفريقانية الأوروبية، خلال عقدين أو ثلاثة ، لتلد مسخا عجيبا يسمي نفسه" الفن الأفريقي المعاصر " و يعيث فسادا في مشهد الثقافات الأفريقية المعاصرة، و كل ذلك بفضل بضعة مئات من اختصاصيي التسويق الثقافي العرقي المنظـَّـمين ضمن شبكات متداخلة بين دوائر السلطات السياسية و التجارية بين حواضر أوروبا و أمريكا. و اليوم حين يتحدث الواحد من هؤلاء الاختصاصيين عن هذا "الفن الأفريقي المعاصر" مع الفنانين الأفارقة المعاصرين فهو
يخاطبهم غالبا من موقع الخبير الذي يعرف خبايا الفن الأفريقي المعاصر أكثر منهم.
لقد ساهمت الدينامية المادية و الأدبية للفنأفريقانية، ساهمت ـ بفضل ادعاءها الانساني ـ في تطوير خطاب جمالي عرقي قابل للتكييف بسهولة مع كل تنويعات الفن غير الأوروبي.و من خلال أدبيات الفنأفريقــانية يمكن للمراقب أن يلمس ملامح بنية فكرية متخــلّقة على طراز الـــ " كولاج "[ تقنية التكوين عن طريق القص و اللصق في رطانة التشكيليين ]، و هي بنية فكرية انتقائية في أصلها أمشاج من تراث البر المسيحي و شيء من دوغمائيات الأثنولوجيا الأوروبية في صدد الهوية الثقافية الثابتة المستعلية على قوانين التاريخ و الجغرافيا معا .
ان معظم الجهود المبذولة لتأسيس اطار نظري لحركة الجمالية العرقية ظلت تلبي ، بطريقة أو بأخرى،الطلب المستعجل من مؤسسات السلطة السياسية على مستوى الدولة أوـ و مؤسسات السلطة الاقتصادية على مستوى السوق.وهكذا يلمس المراقب أن معظم التظاهرات التأسيسية للفن الأفريقي المعاصر انما قامت في أصلها بفضل دعم الدول الأوروبية و الأميريكية الضالعة، بشكل مباشر أو غير مباشر، في النسخة الأفريقية لنزاعات الحرب الباردة.و الأمثلة كثيرة على مؤسسات الفن الأفريقي المعاصر التاريخية التي ما كان لها أن توجد و تستمر بدون جهود الرعاة الدوليين لمنظومة دول حلف الناتو.فـ" مراكز الفن الأفريقي" التي أنشأها الرسام الهاوي البلجيكي" بيير لودس" لحساب فرنسا في " برازافيل " و في " داكار " في
1961
انما قامت بفضل دعم " المعهد الفرنسي لأفريقيا السوداء " [ ايفان]
L’ Institut Français d’ Afrique Noire ( IFAN)
و قد أنشأ الـ " ايفان " أيضا " متحف الفن الأفريقي " في أبيدجان. وبالتوازي مع " ب. لودس" البلجيكي العامل في خدمة فرنسا، كان هناك " فرانك ماك أوين " في أفريقيا السوداء الناطقة بالأنجليزية .و " ماك أوين" هو جامع آثار فنية و اداري استعماري كان يشغل منصب مدير ال" ناشونال غاليري" في روديسيا من منتصف الخمسينات لمنتصف السبعينات. و بمناسبة المعرض الافتتاحي لـ "الناشونال غاليري" الذي شرفته ملكة بريطانيا بحضورها قام " ماك أوين " باستقدام أعمال فنية أوروبية " من رامبراندت لبيكاسو " كما قام ـ في جزء من المعرض ـ بتعليق بعض أعمال الفنانين الأوروبيين المعاصرين جنبا الى جنب مع منحوتات أفريقية. و خلال الستينات تم انشاء مراكز فنية عديدة و فتحها للجمهور على نمط مراكز " مباري كلوب" في " ابادان " و " لاغوس " و مدن نيجيرية أخرى. و معظم هذه المراكز الفنية كانت تعمل بتمويل من الولايات المتحدة و قيل من مكتب وكالة المخابرات المركزية الأمريكية الـ " سي آي ايه" .
( E. Court in Seven Stories about modern Art in Africa,Whitechapel Art Gallery, London 1995)
و في نفس الوقت فان الفن الأفريقي المعاصربتعبيراته القطرية لم ينج من تأثيرات الحرب الباردة على العلاقات بين البلدان الأفريقية من نوع ما جرى بين السنغاليين و النيجيريين أبان مهرجان الثقافة الأفريقية و السوداء العالمي " فيستاك " في لاغوس في منتصف السبعينات.و هو نزاع ظاهره ثقافي بين نيجيريا و السنغال و باطنه سياسي بين فرنسا و خصومها الأنغلوساكسون في أفريقيا أثناء حرب بيافرا.[ أنظر فيرشاف " لافرانسآفريك]
F. Verschave, La France Afrique,Paris , Stock , 1999
و اليوم سواء تم الأمر في أوروبا أو في أمريكا أو في أفريقيا فكل التظاهرات الفنية الأفريقانية كالمعارض و المهرجانات و البيناليات لا تستغني عن الدعم المالي و الأعلامي المكثف لدول حلف شمال الأطلنطي.
وضمن هذه الملابسات الجيوسياسية انتهى منظموا التظاهرات الأفريقانية الى انجاز نسختهم الخاصة من الفن الأفريقي المعاصر التي نسميها بـ " الفنأفريقانية " من باب الفرز بالنسبة لبعض أنواع فن الأفارقة التي تتطور ضمن أفاق مغايرة و هي ـ و الحق يقال ـ نادرة . وذلك ببساطة لأن الفنأفريقانية تشكل بالنسبة لعدد كبير من الفنانين الأفارقة فرصة نادرة لعرض أعمالهم خارج القارة.و النتاج الفني الفنأفريقاني يدين بالكثير ـ و قيل بكل شيء ـ للرعاة الأوروبيين المهمومين بصيانه أصالة الهوية الثقافية الأفريقية.و كانت حصيلة كل هذا أن أصبح رعاة الفنأفريقانية الأوروبيون سجناء القناعات الآيديولوجية العالية التي بنوها حول أنفسهم من واقع رؤية مجانبة لواقع القارة الأفريقية.و في هذه الوضعية فهم لا يبالون بنتاج الفنان الأفريقي الذي يطرح احتمالا مخالفا للمنظور الفنأفريقاني مثلما هم قمينون بالانتباه لكل فنان أسود يطرح خطابا فنأفريقانيا. و في الحالتين فان النوعية الجمالية لعمل الفنان لا تهمهم الا بالنسبة لعواقبها على صعيد النظرية الفنأفريقانية.طبعا المشكلة مع الرعاة الأوروبيين للفنأفريقانية هي كونهم ضالعين بعمق في المؤسسات السياسية أو في مؤسسات السوق بحيث يجردهم هذا الواقع من أي حيدة محتملة في تلك اللحظات التي يتولون فيها مهمة التحكيم و الاختيار حتى بين الفنانين الأفارقة الذين لا ينازعونهم في مشروعية الفكرة الفنأفريقانية نفسها.و على كل حال فان هم " الحيدة " لم يكن أبدا بين هموم الرعاة الأوروبيين للفنأفريقانية ذلك أن القوم على عجلة كبيرة لا يجوز معها عندهم التأني عند أمور الفن المشتبهات. حيدة شنو يازول؟ ان هم " الحيدة " في مسائل الثقافة الأفريقية انطرح بشكل استثنائي في لحظة وجيزة من تطور الاثنولوجيا الأوروبية، و ذلك على يد بعض الباحثين البواسل الذين حاولوا تآسيس محتوى أخلاقي للاثنولوجيا الأوروبية في زمن الاستعمار .لكن منطق السوق لا يأبه لبسالة البحاث الاثنولوجيين و بالذات حين تكون المصالح المطروحة في جسامة المصالح المادية و الاستراتيجية التي تغذي النزاعات الدولية و الأقليمية في أفريقيا .و في تحليل نهائي ما فلا شيء يمنع سادة زماننا المتعولم من أن يخترعوا لفائدتهم اثنولوجيا خاصة بهم مثلما اخترعوا لأنفسهم فنا أفريقيا يوافق مصالحهم، اثنولوجيا تجارية أخلاقيتها مفصلة على مقاس مشاريعهم الأفريقانية، و ذلك من اللحظة التي يستشعرون فيها أن الاثنولوجيا المهمومة بالأخلاق قد تفسد عليهم تجارتهم. و في نفس التحليل النهائي اياه يجدر التساؤل " ما الذي يجعل الاثنولوجيين الأفريقانيين أقدر من رصفاءهم الفنأفريقيين على مقاومة ضغوط مخدميهم من سادة السوق الرأسمالي؟".
و اذا كان الأوروبيون غير راغبين أو غير قادرين على مغادرة الأطر المفهومية المذنبةـ لكن المربحة ـ التي يتخلق فيها الـ " علم " الأفربقاني فكيف المخرج ؟و ما العمل لكي يتمكن الأفارقة من عقلنة الفن ضمن علاقة عضوية مع واقعهم كشركاء في العالم المعاصر؟
ان الاجابة على مثل هذه الأسئلة هي أدخل في اشكالية الجيوبوليتيك الأفريقية منها في أرض الفن. و على كل حال فهي أمور تتجاوز أفق الفنأفريقانية التي تنطرح في هذا المشهد كجزء من المشكلة كونها ـ الفنأفريقانية ـ ليست سوى آلة بين آلات الحرب العرقية التي ورثها عملاء النيوكولونيالية المتعولمين من ميراث القهر العرقي الاستعماري.و اذا كان هناك قطاع من الفنانين الأفارقة منخرط بكليته في فنأفريقانية الأوروبيين فان عواقب هذا الانخراط بالنسبة للمشروع الاجتماعي الأفريقي تظل سطحية و بدون فاعلية في دمج حركة الثقافة و الابداع و تجذيرها ضمن الطموحات التنموية لأهل القارة. لكن انخراط الفنانين الأفارقة في المشروع الفنأفريقاني للآوروبيين لا ينفي صفة " الأفريقية " عن نتاجهم الفني, و ذلك مهما كان رأينا في نوعية هذا النتاج، فالمثل الفرنسي يقول " كل الأذواق موجودة في الطبيعة"[ الأفريقية] ، و ترجمته في بلاغة الأهالي" حب الناس مذاهب".
و رغم كل شيء فواقع الثقافة في أفريقيا يشهد عن حقيقة الفنأفريقانية بصدق قاس.فالأفارقة ينظرون لتظاهرات الفنأفريقانية كشأن يخص الأوروبيين. وحقيقة فمراكز الرعاية الفنأفريقانية الأكثر كفاءة انما توجد في أوروبا و التظاهرات الفنية المهمة انما تحدث في أوروبا بجانب أن الأدبيات المطبوعة و المسموعة و المرئية و جل المناقشات انما تتوجه للجمهور الأوروبي.و لا تنس أن " نجوم " الفنأفريقانية بنوا شهرتهم في البلدان الأوروبية بينما هم شبه مجهولين في بلدانهم.لكن كل هؤلاء الفنانين الأفارقة الـ " مشهورين" انما يتم استقبالهم في المشهد الأوروبي باعتبارهم كائنات زنجية نورها الأسود يضيء صالات الجمالية العرقية من شاكلة " المعهد الأمريكي الأفريقي بنيويورك" أو الـ " ناشونال ميوزيوم للفن الأفريقي بواشنطن" أو" معهد الكومونولث في لندن" أوغاليري " ايوالوا هاوس " في يايرويت" أو " دار ثقافات العالم في برلين" و هلمجرا..
و المرور السريع على برامج المعارض التي تنظم في هذه المؤسسات المهتمة بالثقافة الأفريقية في خلال العقدين الأخيرين يمكن أن يؤمّن على أولوية التوجه العرقي الزنوجي لهذه الأمكنة التي تعمل كما الـ " معابد " للديانة الفنأفريقانية.و في خلال العقدين الماضيين استشرت حمى الاحتفال بالفنأفريقانية الأوروبية كما الوباء ، بل و فاضت عن سعة الأمكنة الأثنولوجية المألوفة في المتاحف المتخصصة وأقسام الدراسات الأفريقية في الجامعات لتصل أمكنة أكثر تنوعا و أوسع شعبية.و اذا أخذنا فرنسا كمثال فسنلاحظ بسهولة أن هناك عدد متنام من الحواضر الفرنسية المتوسطة صار يكرس الجهد و المال للاحتفال الدوري بالفن الأفريقي من خلال شكل المهرجان الذي يستمر لأيام أو لآسابيع بحالها.و متحف كبير كـ " متحف الانسان " خوّل صلاحياته الاثنولوجية منذ سنوات لعملاء الفنأفريقانية في مؤسسات حديثة اكثر مرونة و أكثر كفاءة من نوع " آفريك أون كرياسيون" [أفريقيا الابداع] و " الجمعية الفرنسية للحركة الفنية" [ آفا] التابعة لوزارة الخارجية الفرنسية، أو " المتحف القومي لفنون أفريقيا وسكان المحيطات" و هو المتحف الذي كان مخصصا لأشياء المستعمرات في السابق و كان " جان هيبير مارتان" ، أشهر مديريه، قد نظّم فيه عدة تظاهرات فنية ناجحة تركز على فنون المجتمعات غير الأوروبية.[و هو نفس " ج.هـ. مارتان" الذي سيشتهر في عالم الفن غير الأوروبي بسبب تنظيمه للمعرض الأكثر أهمية في تاريخ الفن المعاصر غير الأوروبي ، معرض " سحرة الأرض " في أخر الثمانينات ، و هو معرض " مفتاح" سنتأنّى عنده بتفصيل لاحقا].
كل هذه المؤسسات الثقافية ـ و لو شئت قل " هذه الآلات الحربية" ـ صارت تعمل بكفاءة و بخبرة طويلة تؤهلها اليوم لعمل التظاهرات الفنية الكبيرة كالبيناليات و المهرجانات ، ليس في فرنسا وحدها، و انما في أي بقعة من بقاع العالم [ الثالث] حيث يحتاج القوم لخدماتها.
و هكذا تمت دعوة " شيري سامبا "، الفنان الكنغولي الـ " شعبي"[ و أضع العبارة بين الأقواس تحسبا] ليعرض لوحاته التي يصنفها القوم عادة في باب الفن " الساذج" أو الفن " الفطري " أو الفن " البدائي" ، كون الرجل فنان عصامي تعود أن يرسم لأهل الحواضر في الكونغو على نهج العصاميين السودانيين و اسلوبه أقرب لأسلوب حسن البطل أو أبو الحسن مدني. وجه" المتحف القومي لفنون أفريقيا وسكان المحيطات" الدعوة ل" سامبا" كي يعرض أعماله للجمهور الباريسي الذي يعرفه منذ معرض " سحرة الأرض ". و في اجابة ملهمة على سؤال لمحرر جريدة " لوموند" استطاع " سامبا" ،بأسلوبه المزعوم " ساذجا"، استطاع أن يلمس موضع الضلال العرقي في سياسة ال" آبارتايد" الثقافي الذي تمارسه مؤسسات الرعاية الفنأفريقانية تجاه الفنانين الأفارقة. قال "سامبا" " طبعا هو شيء محمود أن تعرض أعمالي في " المتحف القومي لفنون أفريقيا و سكان المحيطات"، لكني أتساءل لماذا لم توجه لي الدعوة لعرض لوحاتي في " متحف الفن الحديث " ؟هل " متحف الفن الحديث " متحف عنصري؟" .
Le Monde 10/8/1997
لا شك أن عبارة " سامبا" قد أضحكت بعض محبي الفنأفريقانية ممن وجدوا فيها دليلا سهلا على سذاجة " سامبا"، لكن في ما وراء ضحك الضاحكين، فان عبارة " سامبا " الجبارة تلخص كل تعقيد الضلال الفنأفريقاني المعاصر.
وعبارة "عنصري" في توصيف مؤسسة متحفية كـ " متحف الفن الحديث " تبدو" مشاترة" لحد الفكاهة لكن " الشتارة " الحقيقية تبقى في منطق التصنيف المتحفي نفسه.ذلك أن " متحف الفن الحديث " عنصري مثله مثل غيره من المتاحف ـ بما فيها متاحف الفنون الأفريقية و متاحف فنون سكان المحيطات و التي ـ بحكم منطق التصنيف العرقي ـ تستغني عن أعمال الفنانين الأوروبيين بيض البشرة . بيد أن وقاحة " شيري سامبا " الساذجة تجعل منه نوع من قنطرة فاضحة بين متناقضات النسخة الفرنسية للفنأفريقانية المعاصرة.فمن جهة هناك " جان كلير" في دور الحارس اليقظ الساهر على مدخل اليوتوبيا الأوروبية المتهالكة و المفخخة بالشقاقات البائدة للتصاوير المقدسة، و من الجهة الأخرى يقف خصمه الحميم " جان هيبير مارتان" في دورالقبطان" نوح" المهموم ـ قبيل الفيضان الرأسمالي المتعولم ـ بانقاذ كافة الثقافات في سفينة الغرب القمينة بتجسيد حلم يوتوبيا بلا حدود.يوتوبيا انسانية هي فردوس الهويات الثقافيات بدون فرز.

من إخترع الأفارقة؟3

من اخترع الأفارقة ؟ حسن موسى
الحلقة الثالثة


هَواهي الهوية الأفريقانية

لا يبقى أمام الفنانين الأفارقة الذين فهموا مطالب رعاة الفنأفريقانية الأوروبيين، لا يبقى أمامهم الا أن ينكبوا على العمل بهمة و نشاط ـ و قيل برشاقة ـ لانتاج " أشياء زنجية" جديدة
« Néo - objets Négres »
وفق قاعدة الفنأفريقانية الأوروبية البعيدة عن كل مخاطرة. بيد أن هذا الفن الأفريقاني يبقى رهين شرطه القاسي، شرط الاستبعاد من سوق الفن الحقيقي.ذلك أن الفن الأفريقاني غير وارد اطلاقا في المشهد الفكري الآوروبي لأن سلم القيم و المواصفات الذي تصنف على أساسه فئات الفنانين في مؤسسات السوق الفني العالمي هو في الحقيقةخيار أوروبي محافظ انبنى ضمن منظور الأنانية الأوروبية العرقية الذي لا يطيق التعدد الثقافي ويرتاع لفكرة احتمال رؤية جمالية مخالفة ، كون الفكرة الجمالية المخالفة تنطوي بالضرورة على رؤية اجتماعية مخالفة تملك أن تجر على القوم عواقب سياسية و اجتماعية لايطيقونها . و ما مثال " جان كلير " سوى الطرف الظاهر من"آيسبيرغ "الهلع الأوروبي الكبير.و هكذا يبقى الدخول في سوق الفن العالمي امتيازا يخص الفنانين الأوروبيين دون غيرهم. و كل فنان أوروبي داخل السوق انما يحتل موقعه في السوق ضمن تقليد طويل في تعريف القيم الجمالية و الرمزية و التجارية و السياسية حسب العواقب السياسية المترتبة على حركة الاستجابة الجماهيرية للعمل الفني.
و تقليد تقعيد الفنان في السوق تتضامن على صيانته شبكة متكاملة من الأوروبيين القائمين على مؤسسات التدريب و الرعاية و البيع والمتحفة و النقد و التوثيق.و حتى داخل النادي الأوروبي فالقوم ـ بين نيويورك و لندن و برلين وأمستردام و باريس ـ يتنازعون بلا رحمة من أجل الاستحواذ على مواقع الحظوة في سوق الفن العالمي و يبذلون في سبيل تلك الحظوة كل ما يملكون من مال و من نفوذ سياسي. و قد عالج الباحث السوسيولوجي الفرنسي " آلان كيمان" في تقرير شيق تفاصيل الحرب السرية المستعرة بين الأمم الأوروبية من أجل السيطرة على مقاليد سوق الفن العالمي تحت شرط العولمة الثقافية.و خلاصة الأمر هي أن كل بلد يغني لليلاه و يتوجس من الأخرين.[ آ. كيمان الفن العالمي المعاصر بين مؤسسات الرعاية و السوق، ج. شامبون و آربرايس ].
Alain Quemin, L’ Art contemporain international : entre les institutions et le marché,(le rapport disparu), Ed. J. Chambon ,Artprice 2002

و اذا كان القوم داخل المزاعم الثقافية الأوروبية يرتابون ببعضهم البعض فما بالك بهم حين نهلّ عليهم نحن ـ من ضواحي الدنيا و من قاراتها المظلمات ـ بمزاعم الحداثة ومطالب الشراكة و المساواة ؟
ما بالك بالقوم حين يكتشفون أننا انما جئنا نطالب بحقنا في الغنيمة رغم أننا في نظرهم قد خسرنا الحرب التي خاضوها ضدنا باسم حداثة رأس المال التعيسة التي لم يكن منها مناص لنا مثلما لم يكن لهم منها قبلنا مناص؟
أولاد الغلفاء [كمان]على يقين من استحالة قفل الابواب و طردنا خارج الحدود ، فلم تعد هناك حدود يعوّل على قفلها و لم يعد ممكنا تجاهلنا فنحن هنا و هناك في آن واحد.و فرصتهم الوحيدة التي يمكن أن يروا فيها مخرجا من قدر الشراكة الذي يتربص بنا جميعا هو أن يعلنوا علينا " حرب الحضارات"آخر لقيات أيديولوجيي الحداثة الملتوية و أكثرها ختلا.حرب الغرب و الشرق.و ترجمتها أن اغنياء المجتمعات الصناعية في أوروبا هم الغرب و بقية العباد هم الشرق. تلك هي حيلة جورج بوش و حليفه الآيديولوجي الشرقي أسامة بن لادن و الغرب غرب و الشرق شرق الخ.و فيما وراء الفجاجة الفكرية لحرب الغرب و الشرق البائرة يخجل الأذكياء منهم و يخرجون علينا ببضاعة أفضل اسمها " حوار الحضارات". و رغم جاذبية فكرة الحوار الذي ينطوي على بعد الندية الا أن القوم يفترضون أننا كـ " شرقيين" غرباء على الحداثة الغربية و لا نفهم فيها كوعنا من بوعنا و بالتالي يجدر بنا أن نبقى في حدود شرقنا و نتركهم في حال غربهم و نواصل الحوار اياه.هذا الحوار ينفع بالذات في التأكيد علىتعارض الغرب و الشرق و تكريس كل متحاور كممثل نهائي اما للغرب أو للشرق . و لرهط الناطقين الرسميين باسم الحضارات ـ شرقية كانت أو غربية ـ منافع لا تحصى رمزية و سياسية و اقتصادية.

ليست هناك أي مصادفة كون الفنانين غير الأوروبيين، سواء كانوا أفارقة أو غير أفارقة، يبقون منفيين خارج دائرة التصنيف التجاري لسوق الفن العالمي ،ولا هو تدبير بريء من شبهة الاستبعاد كون أكثر الفنانين المعاصرين من غير الأوروبيين يبقون مجهولين بالنسبة لدوائر البحث و التوثيق و دوائر العرض في زمن الثورة الاعلامية و المعلوماتية المعاصرة.
الفنانون الأفارقة ما زالوا مجهولين من مؤسسات الرعاية التي تحكم عالم الفن المعاصر و التي ـ بما تملك من امكانات رصد هائلة ـ لا تغيب عليها واردة أو شاردة ثقافية في أي مكان من العالم مهما قل شأنها.و الوثائق و المعلومات القليلة حول الفنانين الأفارقة ان توفرت فهي لا تتوفر الا بشكل ملتوي، كون تقديم الفنان القادم من أفريقيا انما يتم بوصفه يمثل فئة بعينها هي الفئة الأفريقانية التي اخترعها الخيال الأوروبي الاستبعادي و ليس بوصفه مبدع فرد منخرط في المشروع الفني الحداثي مثله مثل غيره من الأفراد المبدعين الذين يتقاسمون عواقب قدر الحداثة في عالمنا المعاصر. ويفترض في الفنان الأفريقي المصنّف كـ " أفريقاني " أن يتصرف وفق" اللائحة" الجمالية الأفريقانية التي يعرّفها رعاة الفنأفريقانية الأوروبيون و كل خروج عليها تترتب عليه عواقب وخيمة بالنسبة لموقع الفنان المعني على مشهد الفنأفريقانية العالمي.و في تحليل نهائي ما فهناك جهد مفاهيمي و توثيقي ضخم ينتظرنا كلنا قبل أن يتاح للفنانين غير الأوربيين عموما وللفنانين الأفارقة على وجه الخصوص دخول سوق الفن المعاصر.
لكن ان كان الأفارقة غائبين عن فترينات سوق الفن العالمي فكيف نفهم الثقل الاعلامي العالمي الذي يتمتع به بضعة عشرات، على الأقل ، من الفنانين الأفارقة المعاصرين في مشهد الفن الأوروبي الراهن؟
أظن ـ وبعض الظن اثم و ما باليد حيلة أخرى ـ أظن أن استدعاء بعض الفنانين الأفارقة على خشبة المسرح الأعلامي الأوروبي انما يتم من طرف القائمين على مؤسسات الرعاية الأوروبية تلبية لضرورة ثقافية و نفسية أوروبية لا علاقة لها بالنوعية الجمالية للفن الأفريقي المعاصر.فاوروبا انما استدعت الفنانين الأفارقة في اطار اشكالية الهوية الثقافية الأوروبية بوصفهم شهود نافعين على صعيد المناقشة الجارية منذ عقدين من الزمان تقريبا في مصير الهوية الثقافية للأوروبيين.لكن لماذا يحتاج الأوروبيون للفنانين الأفارقة كشهود أو كمسند معملي لمعالجة اشكالية الهوية الثقافية الأوروبية؟مالذي يدفع الأوربيين ،بين نهاية القرن العشرين و بداية القرن الواحد و عشرين ، ما الذي يدفعهم لارتداء قناع الفن الأفريقي حتى ينظروا لهويتهم في مرآة أفريقيا؟و ما هي التحولات الهويوية التي لم يعد النظر الأوروبي يطيق رؤيتها مباشرة فيحتال ويتوسل اليها بواسطة التحولات الهويوية الأفريقية؟
و كيف نفهم ظاهرةاشفاق الأوروبيين و قلقهم المستديم ـ قلق أهل ركن القهوة السودانية ـ على أصالة الهوية الثقافية الأفريقية بما يتجاوز قلق الأفارقة أ نفسهم على أصالة هويتهم الثقافية الأفريقية؟
ان قلق الأوروبيين على أصالة الثقافة الأفريقية يحتل مساحة مهمة في وسائل الاعلام الأوروبي ، بل هو في الغالب يتجاوز في حجمه الاعلامي قدر الاهتمام الواجب تجاه مشاكل البقاء ذات الأولوية الحقيقية ، و التي يكابدها أهل قارة ترزح تحت نير سوء التنمية و الحروب و الديون و المجاعات و الكوارث الطبيعية و السياسية . هذا الاختلال في المعالجة الأعلامية الأوروبية لأولويات الأفارقة ليس بريئا تماما كونه يؤشر من طرف خفي الى أن المشكلة أصلا مشكلة أوروبية و أن الهوية الثقافية للأفارقة ليست سوى حيلة بائسة لقوم ضاقت بهم.
ان الثقافة الأوروبية لم تكشف أبدا عبر تاريخها الطويل عن مثل هذا الاهتمام الراهن الذي يبلغ حد الهوس باشكالية الهوية الثقافية .و ربما كمن تفسير ظاهرة الهاجس الهويولوجي الأوروبي في كون القوم على وعي من كونهم يعيشون اليوم ـ تحت شروط العولمة المتسارعة ـانهيار الثوابت الماديةو الثقافية التي أسست عليها أوروبا أسباب بأسها الثقافي التاريخي منذ العصور الوسطى.فالسوق الرأسمالي المتعولم يفرض على بلدان أوروبا التخلي عن الحدود السياسية القديمة و السيادة القومية لصالح كيان قاري اقتصادي و سياسي أكبر و أكثر كفاءة[ لمواجهة الأمريكان و الأسيويين] لكن هذا الخيار يروّع القوم أكثر من أن يطمئنهم كونهم مطالبين بالتخلي عن امتيازات و مكاسب تاريخية لصالح مشروع الوحدة الأوروبية الذي لا يملكون أية ضمانات حقيقية حول امكانية نجاحه .و في نفس الوقت فهناك شروط الواقع الاقتصادي العالمي التي تفرضها مؤسسات لا يسيطر عليها الأوروبيون[ مثل البنك الدولي و مؤسسة التجارة العالمية] و ما ترتب عليها من اتفاقات جديدة أولويتها فتح الطريق أمام السوق في كافة المجالات ، تجعل الأوروبيين يحسون بالقلق على الضمانات الاجتماعية و السياسية التي تعودوا عليها لأجيال.و من جهة أخرى فأوروبا التي تعودت لقرون أن تتعامل مع المجتمعات غير الأوروبية كمجتمعات مستعمَرة أو تابعة مضطرة اليوم لأن تتعامل بمنطق جديد مع هؤلاء المستعمرين السابقين الذين صاروا ـ بين ليلة و ضحاها ـ خصوم اقتصاديين ذوي بأس .و على الصعيد الرمزي فهناك تحولات عميقة ناتجة عن الواقع السوسيولوجي الجديد للمجتمعات الأوروبية المعاصرة. كون الواقع السوسيولوجي للمجتمع الأوروبي يعيش تحولات مهمة في التكوينات العرقية و الثقافية كنتيجة منطقية لحركة هجرات واندماج المجموعات العرقية و الثقافية الوافدة من خارج القار في جسم المجتمع الأوروبي بحيث يمكن تعريف المجتمعات الأوروبية اليوم بكونها مجتمعات منخرطة بشكل نهائي في منطق التعدد العرقي و الثقافي.
كل هذا ـ و ما خفي أزرط ـ انما يزعزع ثقة الأوروبي التقليدي [ الأبيض المسيحي ] بنفسه , و اذا كان جان كلير يشفق على هوية الثقافة الأوروبية من عواقب فتح الابواب لفناني العالم غير الأوروبي فغيره يشفق على الدين العلماني الأوروبي من فتح الباب أمام المسلمين مثلما يشفق آخرون على التجارة الأوروبية من فتح الباب أمام الصينيين الخ...
و اذا تفحصنا محتوى التظاهرات الفنية الكبيرة من معارض و مهرجانات و بيناليات، مما نظمه رعاة الفن المعاصر الأوروبيين في هذا المشهد، مشهد الزعزعة البديعة التي تعصف بالقوم ـ اللهم لا شماتة ـ للمسنا أن موضوعة الهوية تحتل مركز الحظوة بين الموضوعات التي انتظمت المعارض الأوروبية الكبيرة في العقدين الأخيرين و ان تمت تسميتها بأسماء متنوعة.و القائمة طويلة من " الآخر و الأنا"، " التمازج "أو " الهجنة الثقافية" أو" الحوار بين الثقافات" أو " المواجهة"
و اذا كان جان كلير نفسه، بصفته مدير المعرض المركزي لبينالي البندقية لعام
1995
قد قدم معرضه الاوروبي الخالص على موضوعة الهوية تحت عنوان" الهوية والاخروية، تاريخ موجز للجسد الانساني عبر القرن"
« Identità e Alterità »,(Identité et Alterité : une brève histoire du corps humain à travers le siècle),
فذلك ، من جهة ، لأن أرض الفن قد صارت الملاذ الأخير الذي ما زال بامكان الأوروبيين فيه أن يتساءلوا حول صلاحية هوية أوروبية مشتركة. و من الجهة الأخرى، يبدو موضوع معرض جان كلير ـ المنزّه عن حضور فناني العالم الثالث ـ مندرجا بالضرورة في مدار القلق الهويوي الأوروبي المسقط على الأفارقة ، ذلك أننا ان تفحّصنا محتوى المعارض و التظاهرات الفنية التي يكرسها الأوروبيون اليوم لأفريقيا لوجدنا أغلبها ـ و قيل كلها بلا استثناء ـ يعتمد بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر على موضوعة الهوية.
و هكذا، تحت شرط الأزمة الهويوية الأوروبية التي تمخضت عنها التحولات الوجودية لمجتمع السوق،فقد صار قدر الأفارقة أن يحملوا " عبء الرجل الأبيض" على أكتافهم السوداء المنهكة.والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.
ان الهوية الأوروبية بسبيل تأمين بقاءها فهي تبادر الى استدعاء" آخرها" ، و قيل " طبقها الآخر" لو جازمفهومي في تسويغ النقائض ـ [و كل شي في الحيا جايز على حد تعبير أغنية رمضان زايد ]ـ أقول ان الهوية الأوروبية حين تستشعر الخطرفهي تستدعي طبقها الآخر أو نقيضها المطابق المتمثل في الهوية الأفريقية ، و هو نوع من " فرانكنشتاين " فبركته من وحي أوهام الأنانيةالعرقيةالتاريخية.هذه الرؤية الأوروبية لـ " الآخر "و التي يبدو الفنانون السود بمثابة مسندها الطبيعي،تفرض نفسها بقدر ما يستشعر الأوروبيون انمحاق الحدود التي كانت قائمة بينهم و بين الآخرين في الماضي ، و بقدر ما يحسون أن هويتهم الأوروبية لم يعد لها وجود الا في الخيال المتاحفي ،و بقدرما يعون أن هذه الحظوة القديمة ، حظوة توصيف غيرهم بصفة " الآخر" ،قد زالت في العالم المعاصر الذي لا يكون الفرد فيه الا كـ " آخر " لـ " آخر"خلافه.
ان مفهوم " الآخر "كما يطرحه الفنأفريقانيون الأوروبيون انما ينطوي على لبس مفهومي يسمح للأوروبيين أن يمارسوا وجودهم ضمن حداثة الحاضرة الصناعية الأوروبية ـ و في نفس الوقت ـ يعيشون تقليد القرية الأفريقية البدائية. انهم يحتلون موقع ذواتهم و موقع ذوات الآخرين في آن و يكون الواحد منهم آخرا في مكان" الآخر".و يبدو أن هذا اللبس المفهومي هو ، في نهاية المحصلة ، الاجابة الوحيدة التي قدمتها ثقافة مجتمع رأس المال الأوروبي لسؤال الفن و الثقافة الأفريقية.و هي اجابة خاطئة لأنها ، من جهة ،تمنع الأوروبيين من رؤية الأفارقة ضمن شرطهم الواقعي بوصفهم ضالعين في تركيب العالم و تعقيده، و من الجهة الأخرى فهي تمنح الأوروبيين مرآة أفريقية مشوهة تعكس للأوروبيين الذين ينظرون اليها صورة اوروبية كاذبة.و في تحليل نهائي ما، فأظن أن مصلحتنا ـ كأفارقة، و قيل كـمستبعدين ـ تستوجب أن تكون نظرة حلفاءنا بين الأوروبيين لنا ـ و لنا بين القوم حلفاء يعتد بهم و الحمد لله على كل شيء ـ أقول مصلحتنا كبيرة في أن تكون نظرة حلفاءنا لنا نظرة نقدية واعية بتركيب واقعنا و خالية من الأوهام و الخزعبلات التي تعكرالرؤية، مثلما مصلحتنا كبيرة في أن تكون نظرة الأوروبيين لأنفسهم نظرة نقدية و واعية بتركيب واقعهم كشركاء يتحملون نصيبهم من المسؤولية التاريخية في مشروع اصلاح الحداثة.ان سداد النظر، نظرنا و نظرهم هو الخطوة الأولى نحو بناء الأحلاف الضرورية لتنظيم البقاء، بقاءنا و بقاءهم، على شرط الحرية و سداد النظر مشروع و كفاح مركب ومتحول على الدوام . و الانتباه للكيفية التي نرى بها الأصدقاء و الأعداء أولوية قصوى ان أردنا تجنب عكر الرؤيا و سوء الفهم.


من إخترع الأفارقة ؟2

من اخترع الأفارقة؟
الحلقة الثانية

خُـفَـراء اليوتوبيا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حسن موسى
أثناء التظاهرة الأفريقانية اللندنية المسماة " آفـــريــكا 1995
التي التقى عندها رهط الباحثين و الفنانين من الأفارقةالأفريقانيين و غير الأفريقانيين لم يكن هناك من يقوى على تجنب الجدال حول موضوع تعريف الفن الأفريقي المعاصر،و بالذات في " سمنارالفنانون الأفارقة، المدرسة و الاستوديو و المجتمع"الذي نظمته مدرسة الدراسات الشرقية و الآفريقية بجامعة لندن.و أذكر مناقشة حامية انفتحت بين بعض
المشاركين حول تصريح للفرنسي" جان كلير" كانت قد نشرته " ذا آرت نيوزبايبر"
Jean Clair, in The Art News Paper, Jun. 95
و جان كلير ناقد فرنسي معروف و مدير متحف بيكاسو في باريس , وقد أجمع الحضور على فهم كلام جان كلير كتعبير عن مقاومة أوروبية بعينها لمشروعية مفهوم الفن الأفريقي المعاصر. و أصل الحكاية أن جان كلير ، أبان فترة رئاسته لبينالي البندقية في ذلك العام، قال لمحررالصحيفة المذكورة الذي سأله عن موقفه ـ كمدير للبينالي ـ من اشتراك فنانين من العالم الثالث في معرض بينالي البندقية." أجد هذا الأمر شاذا و بعيدا عن العقل ففكرتنا نحن عن الفن أو عن النشاط الفني فكرة لصيقة بالواقع الغربي و كل النوايا التي تزعم الشهامة بفتح متاحفنا و صالاتنا الفنية و بينالياتنا لـ " فناني " العالم الثالث انما تمثل في اعتقادي اللمسة النهائية للضلال النيوكولونيالي ".."و عليه فلن يشتمل البينالي على فنانين من العالم الثالث.ذلك أن تشريك فناني العالم الثالث في البينالي سيكون بمثابةتجاوز مجحف لسلطة تنظيم البينالي مثلما هو تجاوز مجحف لسعة اللغة، بل وسيوقعنا ذلك في الخلط بين أمورمتناقضة تماما.
و من جهة أخرى فاستبعاد فناني العالم الثالث سيمكننا من طرح المشكلة الرئيسية بين مشاكل نهاية هذا القرن، مشكلة الثقافات الغريبة على الثقافة الغربية، الثقافات التي تملك مفهوما للصورة، لسلطان الصورة و لوضعياتها مختلف لحد كبير عن مفهومنا نحن لها. و حاليا فان هذه الثقافات تتنامى في حالة غزو للعالم بشكل يجعلنا نشك في قدرة المتاحف الكبيرة التي نفتتحها اليوم على البقاء خلال السنوات القليلةالقادمة. حين نتبصر في ما يحدث الآن في الجزائر فان كل ما نعتبره ثابتا اليوم بل و مجمل النظام الثقافي القائم على اجلال الصورة يمكن أن يتقوّض خلال عقدين أو ثلاثة. و ليست هذه رؤية متشائمة للأمور. فأنا أقول هذا الكلام بتمالك تام. أعتقد أن الحضارات تتطور و تختفي."
ماذا نفعل بمثل هذا الكلام؟
ان أدنّاه باسم المساواة بين الثقافات أجحفنا في حق رجل في حكمة وعلم جان كلير، سيّما و أن حديث الرجل انطوى على بعد" تنبؤي"يكتسب مذاق الفجيعة حين نقرأه بعد تدمير تماثيل بوذا باميان على يد مهووسي نظام الطالبان في أفغانستان.
طبعا حديث جان كليريستلهم قولة رودياردكيبلنغ الشهيرة التي تعتبر من أكفأ الأيقونات الأدبية لحرب الحضارات..
“ Oh,East is East,and West is West,
And Never the twain shal meet,
Till Earth and Sky stand presently
At God’s great Judgment Seat”
لكن ان كان كيبلنغ في " سياحته" بين الشرق و الغرب يعرض صلف الغازي الاستعماري، فان جان كلير في العبارة التي تشبه " السفروق" ـ والسفروق كلمة كردفانية تدل على السلاح المقذوف الذي يسافر و يلتف حول الطريدة أو يرتد الى صاحبه[ كما بومرانغ الآبوريجين الأستراليين ]أو كما يرتد الكيد الى صاحبه و الله أعلم ـأقول أن عبارة جان كلير عامرة بأكثر من معانيها الظاهرة. فهي تعبّر عن قلقه الأوروبي ـ قلق ركن القهوة السودانية في ميريديان الخرطوم ـو الرجل قلق من تأثيرات الضلال النيوكولونيالي علي أصالة ثقافات أهل العالم الثالث.لكن اذا تمعّنّا في الموضع الذي يتكلم منه حين يقول " نحن" فان حديثه يفتح باب مشروع ثقافي طموح غايته مزدوجة من حيث كونه يريد صيانة الأصالة الثقافية و النقاء الثقافي لثقافات أهل العالم الثالث مثلما يريد صيانة الأصالة و النقاء الثقافي لآهل الغرب الأوروبي. و هكذا يبقى كل واحد في محله فلا يكون خلط ولا تعكير.يعني على حد عبارة أمي " كل قرد يلزم شدرته" و السلام.هذه الفكرة ، فكرة " فرز المويات " ليست مستحدثة في السياسة الثقافية لفرنسا، فبعض مؤرخي السياسة الفرنسية يردونها للجنرال ديغول و يفسرون بها موقفه من استقلال الجزائر في مطلع الستينات.فمن المعروف أن الجنرال ديغول كان مع استقلال الجزائر ضد رأي أغلبية الطبقة السياسية الفرنسية التي لم يكن يداخلها الشك في كون الجزائر كانت و ستبقى فرنسية و أن الجزائريين فرنسيين مسلمين ليس الا .
و يحكي السياسي الفرنسي الديغولي " ألان بيرفيت" في كتابه عن " الجنرال" أن الرجل قال مفسرا موقفه من استقلال الجزائرما معناه أن الجزائريون بقابليتهم الديموغرافية العالية قمينون بأن يصبحوا أغلبية في فرنسا و أردف أنا لا أرغب في أن أرى قريتي " كولومبي ذات الكنيستين" تغير اسمها ذات يوم لتصبح " كولومبي ذات المسجدين" , هذا الخطاب الديغولي هو اليوم سلاح ذو كفاءة سياسية عالية في يد اليمين المتطرف الفرنسي المتعنصر ضد الجالية العربية . و قد نسمع خطابا مشابها في بريطانيا ضد الباكستانيين أو في ألمانيا ضد الأتراك.و الخوف من النمو السكاني غير الأوروبي كان و مازال لازمة ثابتة في السياسات الدفاعية للمجموعات العرقية الأوروبية. و هو الموقف الذي غذى مشاريع الابادة العرقية الجماعية للهنود الحمر و للأبوريجين الأوستراليين بقدر ما يغذي مشروع الـ " ترانسفير" أو" النقل الجماعي" الذي يتوعد به اليمين الاسرائيلي عرب اسرائيل نحو الأردن أو نحو الدولة الفلسطينية المحتملة حتى تؤمّن اسرائيل نقاء المجتمع من كل شائبة عرقية و ثقافية غير يهودية.كل هذا يردنا لخلاصة محزنةهي أن جان كلير لا يرى أفضل من الـ " أبارتايد الثقافي" كمخرج من الخراب العظيم الذي يتربص بمنجزات الحضارة الأوروبية.
لكن يبدو أن رغبة جان كلير في صيانة نقاء الفن الأوروبي عن التدنيس المحتمل الذي يتهدده من طرف أهل العالم الثالث تصل متأخرةنوعا، ذلك أن الفنانون الأوروبيون، و منذ وقت طويل، سافروا كثيرا خارج حدود العالم الغربي و فقدوا نقاءهم العرقي و براءتهم الجمالية عن قصد أو عن غير قصد، فهم بشكل أو بآخرتبعوا حركة التاريخ الكولونيالي و النيوكولونيالي و سافر بعضهم مع حملات الفتح العسكرية كما هيمن بعضهم على " السكان الأصليين" بجاه الادارات الاستعمارية
و امتص بعضهم دماء رعايا بلدان العالم الثالث بفضل التواطوء الآيديولوجي مع سلطات النيوكولونيالية الدولية و الاقليمية و اليوم هم يمارسون الهجنة الثقافية بذريعة "حوار/حرب" الحضارات مع كل " آخر" متوفرفي متناول اليد بمباركة آلة العولمة الغاشمة.
من يرميهم بحجر كل هؤلاءالناس الطيبين الذين لم يتوانواـ رغم كل شيء ـ عن دفع حركة الفن على درب الحداثة الوعر؟أنا بطبيعة الحال،أنا أرميهم بأكثر من حجر و ذلك بطبيعة حال رعايا بلدان العالم الثالث طبعا.حالي أنا كابن غير شرعي لسفاح النيوكولونيالية التراجيدي على فراش حلم التنوير الانساني المفقود.أنا أرميهم بأكثر من حجر لكونهم فجروا و جاروا باسم هذه الحظوة التاريخية المذنبة، حظوة النجاة من قدر الضحية في عالم يتقاسمه الضحايا و الجلادون.أولاد الغلفاء لن يكفيهم حجر واحد و ستلزمني محجرة بحالها و جيش من رماة المقاليع حتى أفش غبني المقيم و هيهات.لكن " فش الغبينة" ليس في قمة أولوياتي الراهنة. و سأمسك عنهم حجارتي و حجارة غيري لأني أحتاجهم لتعريف أسس تحالف حضاري قمين باعادة تأهيل الحداثة و انقاذ اليوتوبيا من مخاطر السوق المتعولمة.ان النضال ضد الاستبعاد و الاستعباد، النضال من أجل القسمة العادلة لخيرات عالمنا الروحية و المادية يحتاج لحلفاء في ذكاء و في مكر هؤلاء الأفذاذ من ورثة السحرة و العلماء الذين نسميهم الفنانين. أما كيف سننجز مشروعنا الفادح ؟فهذا علمه عند ربي ، لكن السؤال نفسه طرف في المشروع اياه و الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.

و لو عدنا لجان كلير، خفير اليوتوبيا ، فان السعي لقفل أبواب المتاحف الغربية و صالات العرض و البينالي في وجه الفنانين القادمين من العالم الثالث لا يؤدّي و لا يجدي ، كون فناني العالم الثالث موجودين في هذه الأمكنة منذ عهد طويل.و حاليا ليست هناك حاضرة غربية أوروبية مهمة تستغني عن منافع المحافل و المتاحف المخصصة لفنون أهل العالم غير الأوروبي.و في النهاية فان حديث جان كلير لا ينفع الا في اثارة غضب الفنانين الذين يعتبرون أنفسهم فناني عالم ثالث و رعاتهم و حماتهم الأوروبيين.و لكن فيما وراء غضبة هؤلاء و أولئك فان حديث جان كلير يثير اشكالية مؤسسات الرعاية الغربية و شهامتها الحضارية المزعومة تجاه الفنانين المعاصرين الوافدين من خارج العالم الأوروبي.
في هذا المشهد فان شبهة التجاوز الأخلاقي النيوكولونيالي التي يرفعها جان كلير في وجه المؤسسات الأوروبية لرعاية الفن غير الأوروبي تبدو مشروعة.و في الواقع فان كلام جان كلير يثير التساؤل حول الدور المبهم الغميس للمؤسسات الأوروبية المتخصصة في رعاية الفن المعاصر غير الأوروبي.و جل هؤلاء الرعاة الذين يزعمون " التخصص" في تقديم هذه الفئة أو تلك من فئات الفن غير الأوروبي سرعان ما يخلصون ـ و في خلال سنوات، بل في خلال شهور ،الى اعلان أنفسهم كـ " خبراء " في الفن غير الأوروبي و ذلك عملا بالمثل المعروف " البلد المافيها تمساح يقد ل فيها الورل".و بحكم الروابط و كفاءة وسائل الاتصال و الاعلام فغالبا ما ينتهي هؤلاء" الخبراء" الى تكوين نوع من شبكة من الأشخاص الذين يتعارفون ويلتقون بانتظام من خلال التظاهرات الفنية التي ينظمونها هنا و هناك، بمساعدة الدول و مؤسسات الرعاية الخاصة ،عبر الحواضر الكبيرة بين قارات أوروبا و أمريكا.
و مع ذلك ، فلو أخذنا ، على سبيل المثال، هذا الفن الأفريقي المعاصر كسبب يبرر وجود هذه الشبكة الواسعة من محترفي الرعاية لوجدنا أن هذا الفن الأفريقي يبقى غريبا، لا بالنسبة للأفارقة فحسب، بل هو غريب أيضا على سوق الفن العالمي.
و غربة الفن الأفريقي على صعيد سوق الفن العالمي تتفسر بكون هذا الفن الأفريقي المعاصرـ بخلاف حال الفن الأوروبي المعاصر ـ لا محل له من الاعراب و غائب تماما و بشكل مريب، كقيمة مالية، ضمن سلم القيم المالية الذي تصنف عليه السلع في ا لبورصة .و رغم أن بعض جامعي الفن الأفريقي المعاصر و بعض منظمي المعارض الفنأفريقانية يتفائلون بالفن الأفريقي المعاصر كـ "أمل البيزنيس الفني" في المستقبل القريب الا أن الفن الأفريقي المعاصر يظل غير وارد على الاطلاق في خاطر الجامعين و المستثمرين الذين قد يضعون مالهم في ميزان سوق الفن المعاصر. ترى هل يعني ذلك أن الفن الأفريقي المعاصر يفلت من قانون السوق ؟ طبعا لا ، لا أحد يفلت من القانون التوحيدي للسوق ، لكن التداخل البالغ التركيب للعلاقات التاريخية بين الأقارقة و الأوروبيين انما يؤثر بطريقة مميّزة على نوع السوق الذي يبذله المجتمع الرأسمالي المعاصر لانتاج الفنانين الافارقة. و حتى الآن فقد واظبت أوروبا على بذل نوع من " سوق رمزي " للفنانين الأفارقة.و أقول سوق رمزي ضمن المنظور غير الواقعي الذي تدبر عليه أوروبا أمور الفن الأفريقي، ذلك أن الفن الأفريقي يبقى في خاطر الأوروبيين مساحة ممتدة لكل أنواع الهواجس و الأوهام العربيدة التي لا تبال بالافارقة في شيء.ففي أرض الفن الأفريقي يبيح الأوروبيون لأنفسهم حرية اعادة تخليق صورة العالم و صورة الأفارقة[ مستودع " الآخر" الأبدي]، و قيل صورة الأوروبيين أنفسهم حسب الأمزجة و الملابسات .
فـ" بيير غوديبير"، المتحفي الفرنسي و الباحث الفنأفريقاني المعروف وسط المهتمين بالفن الأفريقي كان قد نظم ـ في سبتمبر 90
معرضا لأربعة و ستين فنان معاصر من السنغال.و ذلك في قلب باريس في صالة " لارش دو لا ديفنص"
" غوديبير" ينظر للفن الأفريقي كـ " مستودع كبير لقيم القداسة" ويمكن للفنانين الأوروبيين الذين يفتقر عملهم لقيم القداسة " يمكنهم أن ينهلوا من هذا المستودع طاقة القداسة التي يحتاجونها".
لكن الفن الافريقي المعاصر ينطرح في خاطر الأوروبيين كمساحة لأعمال البر الثقافي ينشط فيها نفر من الحادبين على أصالة الثقافات غير الأوروبية و من لفّ لفّهم من أهل الرفق بالـ " حيوان" الفنان الأفريقي [ و لو نظرت معان لفظة "فنان" في المنجد فستجد بينها معنى " الحمار الوحشي و له فنون في العدو" فتأمّل..] من شاكلة جامع الآثار الفنية الألماني، الـ" هـر ـ أيوه هرـ هورست شاوركولر" الذي افتتح غاليري متخصصة في الفن المعاصر الأفريقي و العربي في قلب باريس [ تاني؟] في العام 94
يقول الـ "هر شاور كولر" في المقابلة التي أجرتها معه مجلة " جون آفريك" الفرنسية 13 ـ 3 ـ 94
" لقد سافرت كثيرا في المغرب و في أفريقيا ".." و شاهدت الأعمال الرائعة التي أنجزها فنانو هذه البلدان
، و في نيتي أن أبين للناس أن أعمال هؤلاء الفنانين تضاهي في قيمتها أعمال الفنانين الفرنسيين أو الأوروبيين و الأمريكيين ، بل أن بعضهم يخلق أعمالا أقوى و أشد تشويقا ".." و من ثمّ فأنا أعتقد صادقا أن لهؤلاء الفنانين شيء يقولونه للعالم الغربي.لكن الجمهور الغربي غالبا ما يجهل حتى أسماء الفنانين الأكثر شهرة بين الفنانين العرب و الفنانين الأفارقة ".." و قد بدا لي أن هذا الواقع الذي يعيشه هؤلاء الفنانين ينطوي على شيء من الاجحاف أو على الأقل على شيء من الاختلال.".طبعا لم يعدم الهر شاور كولر حفنة من الفنانين الأفارقة و المغاربة [ فكآن المغاربة يقيمون خارج أفريقيا] لتأثيث صالة عرضه الباريسية بأعمالهم ، من باب " المال تلته و لا كتلته"، مثلما لم يعدم حفنة من الكتاب و الصحفيين الأفارقة و الفنأفريقيين ليصفقوا و يهللوا لمشروعه من باب " ان كان لك حاجة عند الهر قول له يا كلب ".

و هكذا يبدو أن معظم الحادبين على مصير الفن الأفريقي لا يستغنون عن مشروع ما لـ " انقاذ" الفنانين الأفارقة.أنا شخصيا أحبذ مشروع " كاترين م."، هذه الشخصية الروائية العجيبة التي تحكي سيرة عربداتها الطليقة في كتاب " الحياة الجنسية لكاترين م." للكاتبة و الناقدة الفنية الفرنسية" كاترين مييه " و التي تعتبر أحد أعلام حركة النقد الفني المعاصر في فرنسا سيّما وكتابها " الفن المعاصر في فرنسا " يعتبر مرجعا مهما لدارسي الفن المعاصر في فرنسا . تحكي " كاترين م" [ ص اا]
".. حين بلغت العمر الذي يتردد فيه الأطفال على مدرسة التلقين الديني المسيحي، جاء يوم طلبت فيه مقابلة القس لأحاوره في مشكلة لم أجد لها حلا. ذلك أني كنت أريد أن أصبح راهبة " أتزوج الرب" و أغادر في ارسالية تبشيرية لمساعدة الشعوب البائسة التي تتوالد في افريقيا . لكني في نفس الوقت كنت أريد أن أتزوج و أنجب أطفالا و أحيا حياتي. القس الصموت أنهى مشروع حواري بطريقة حاسمة قائلا أن كل هذا الأمر سابق لأوانه ".
خسارة كبيرة كون "كاترين م" لم تتمكن من الحضور لأفريقيا لتنقذنا كما أنقذت" الفن المعاصر في فرنسا" ذلك أن كهنة النيوكولونيالية أرسلوا لنا محترفي الفنأفريقانية الذين ينظرون لآفريقيا كمفرخة للفنانين المستعدين لتقديم الغالي و الرخيص لقاء ربع ساعة" آندي وارهول" على مشهد الفن المعاصر في حواضر أوروبا و أمريكا.
ان وضعية النفي خارج السوق الحقيقي التي يكابدها الفناون الأفارقة المعاصرون تملك أن تكسب بعض الشرعية لاشتباهات جان كلير في صدد دوافع مؤسسات الرعاية التي تكفل الفنانين المعاصرين من العالم غير الأوروبي. فهي في الغالب مؤسسات رعاية تعمل كـ " رزيرف هندي" [ و قيل" كرنتينة"] تحافظ على كل فصيلة عرقية " اثنية" في المحل المخصص لها من فترينة العرض التي تقسم العالم اثنيا. و عند مقتضى الحال فقد تقوم مؤسسات الرعاية اياها باجمال كافة أهل العالم غير الأوروبي في قفص واحد باعتبارهم " آخر " الغرب الأوروبي.
في الـ " ريزيرف الهندي" المخصص للفنانين الأفارقة، فان المبدعين يعرضون أساسا بوصفهم أشخاص سود يتكنّز الروح الزنجي في دواخلهم .و ربما ساعدنا هذا الموقف لفهم الأسباب التي تجعل من تصانيف سياسية استعمارية عبثية من نوع " أفريقيا السوداء" أو " أفريقيا البيضاء" ما زالت رائجة في أوساط متعهدي التظاهرات الفنأفريقانية في أوروبا.
و على طول علاقتهم التاريخية بأفريقيا فقد طوّر الأوروبيون نوعا من تقليد أو " صنعة معارضية" متميزة بحرفية عالية غايتهاعرض منتجات الثقافات الأفريقية للجمهور الأوروبي. هذه الصنعة المعارضية الفنأفريقانية تأسست مناصفة بين جهود رواد الاثنولوجيا الأوروبية و رواد الصنعة المعارضية الحديثة. فمن جهة بادر نفر من الباحثين الاثنولوجيين الى ارتجال صنعة قومسير المعرض ارتجالا من واقع الضرورة العملية التي عرفوها لأنفسهم منذ نهاية القرن التاسع عشر ، ضرورة تفسير أفريقيا للأوروبيين من خلال الآشياء و الأدوات التي غنموها من القارة المظلمة، و هي مبادرة ذات دلالة خاصة كونها تمت في لحظة تاريخية كانت وسيلة المعرض فيها قد تطورت الى نوع ثقافي مستقل بوصفه وسيط اتصال ثقافي جماهيري و تعليمي جديد و كأداة بروباغاندا عالية الكفاءة [ المعارض الدولية في العواصم الأوروبية بدأت مع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في فينا، باريس ، لندن و شيكاغو..].
و من الجهة الأخرى فقد أفرزت هذه الصنعة المعارضية الجديدة في البداية جمهرة من الأشتات بينهم بعض المبدعين من محبي الزنج و الاخصائيين العموميين من جنس الألعبان و الاداريين الاستعماريين و بعض المبشرين و التجارالمغامرين و الرحالة المحترفين و" الحمرتجية" البهلوان و الحلاقين المتكلمين في الأفريقانية.. الخ. كل هؤلاء الناس كانوا يبيحون لآنفسهم رخصة تقديم و شرح " الأشياء الزنجية" للجمهور الأوروبي. و رغم أن جمهرة مفسري أفريقيا قد احسرت لحدود بعض الـ " مختصين " اليوم الا أن الكلام في الشآن الآفريقاني ما زال مباحا لكل من هب و دب فأفريقيا بحر من الظلمات المعرفية و المنهجية و عن البحر فحدّث..نخلص من هذاـ و نحن ما زلنا في " الجهة الأخرى" ـ الى أن نفر من قومسيرات المتاحف و بعض منظمي المعارض الافريقية من هواة الاثنولوجيا استأنفوا الصنعة المعارضية على هدي الأسس التي طرحها رواد الاثنولوجيا الأفريقانية.
و اليوم نلاحظ أن مباحث الاثنولوجيا، التي كانت بمثابة حصان طروادة للمؤسسة الاستعمارية الأوروبية، لم تعد تثير ريب الكثيرين في صدد مراميها السياسية تجاه شعوب العالم غير الأوروبي، كون المباحث الاثنولوجية انمسخت في المشهد الاعلامي الأوروبي الى نوع من أيقونة كفاحية عالمثالثية.
و اذا كان رواد الاثنولوجيا قد ساهموا في عملية تقديم و تثبيت الفن الأفريقي على خشبة المسرح الفني الأوروبي فهم ، في نفس الوقت ، طبعوا هذا الفن الأفريقي بطابع الجمالية الاثنولوجية. و هكذا فان المنظمون الأوروبيون لمعارض الفن الأفريقي ممن اكتشفوا هذا الفن الأفريقي في مشهد الاثنولوجيا نظموا مساحة المعرض بطريقة يستحيل معها تجنب المرجعية الاثنولوجية لموضوع العرض.و عليه صارعرض الفن الوافد من أفريقيا يستدعي بالضرورة تهيئة " ميزانسين" جديد يتبع الموجهات الاثنولوجية المستبطنة في خاطر منظمي المعارض الأوروبيين.
والمتتبع للعلاقة التاريخية بين فن الأفارقة والظاهرة الاثنولوجية يلمس أن القوم في أوروبا قد اختاروا ، و منذ عهد طويل، أن ينظروا لأفريقيا من خلال انعكاسات زجاج فترينات المتاحف الاثنولوجية.و هي حيلة مجزية تماما كون فترينة المتحف توفر للناظر عبرها نوعا من الحماية كما في اسطورة " بيرسي" صاحب الدرع الصقيل كالمرآة الذي مكّنه من رؤية وجه الساحرة " ميدوزا" على صفحته و قتلها دون أن ينظر اليها مباشرة ، لأن من ينظر مباشرة لوجه الميدوزا ينمسخ حال الى تمثال من الحجر حسب الاسطورة.و تحت شرط الراحة الأخلاقية لفترينات المتحف فان الزوار الميامين للمتاحف الأفريقانية الأوروبية تمكنوا من مشاهدة اشنع ميدوزات أفريقيا دون أدنى مخاطرة[.و أعني على سبيل المثال لا الحصر ميدوزات الغزو و الاستعمار و النهب و التقتيل و الابادة و العنصرية و الاستعباد و الاستبعاد و القصف و الحصاروالديون و التجويع] .
و منذ مطلع القرن العشرين استقرت صورة أفريقيا في المشهد الأوروبي بطريقة مجافية لواقع حياة الافارقة و ذلك بفضل الصنعة المعارضية الأفريقانية التي ازدهرت و راجت بذريعة اضاءة القارة المظلمة في الخاطر الأوروبي الاستعماري. و في مركز الصنعة المعارضية الأوروبية نجد عرض أجساد الأفارقة كنوع معارضي تأسس بين المؤسسات العلمية كالمتاحف و المؤسسات الترفيهية كالسيرك و أسواق الملاهي أو حتى في الأمكنة التي تجمع بين أغراض العلم و أغراض الترفيه كحدائق الحيوان.و في هذا المعنى قامت حدائق الحيوان الباريسية في نهاية القرن التاسع عشر 1895
بعرض بعض أسر الأفارقةمن " أشانتي" غانا في أقفاص ليتفرج عليهم الجمهور الباريسي .
و قد سبق عرض الأشانتي بعدة عقود عرض فتاة الـ " بوشمان"، سارتجي باارتمان" المشهورة تحت اسم " فينوس الهوتونتوت" التي عرضت في السيرك و أسواق الملاهي بين لندن و باريس في 1810
و قد تم احضار" سارتجي باارتمان" من لندن لباريس بعد أن باع سادتها البريطانيون" عقد عرضها" لمروض حيوانات متوحشة في سيرك فرنسي. و كان جمهور السيرك يدفع لرؤية المخلوقة التي كان يفترض فيها ان تمثل الحلقة المفقودة بين القرد و الانسان. و كانت فتاة البوشمان تعرض عارية كي يتأمل الجمهور بطريقة" علمية " خصائصها العرقية وبالذات " خصائص" أعضاءها الجنسية التي ألهمت أدبيات التاريخ الطبيعي للعنصرية الأوروبية صفحات مخجلات قلما يجود الزمان بمثلهن. بعد خمس سنوات من وصولها لباريس توفيت سارتجي باارتمان أثر اصابتها بالتهاب رئوي الا أن مسلسل شقاءها لم ينقطع بموتها فقد تكالب عليها " علماء " زمانهم و قطعوا أوصالها باسم الدراسة العلمية و حفظوا مخها و فرجها في قماقم زجاجية ظلت مبذولة لزوار" متحف الانسان" بباريس حتى نهاية القرن العشرين. و بعد انهيار نظام الأبارتايد في جنوب أفريقيا ارتفعت أصوات بضرورة اعادة ما تبقى من جسد فتاة البوشمان لدفنها في موطنها لكن الغريب في الأمر هو أن القماقم الزجاجية التي تحتوي على أوصال سارتجي باارتمان اختفت من المتحف ـ بقدرة قادر ـ و لم يعد هناك من هو قادر على رد غربتها وسط عًهَـد المتاحف و محفوظات الفنأفريقانية المشينة .
لكن التاريخ الطبيعي للبربرية الأوروبية في أفريقيا لم يكشف بعد عن كل فظائعه المتحفية، فقد نقلت وكالة الـ " آسوشيتيد برس" في تقرير لها بتاريخ 30ـ 6ـ2000
أن السلطات الاسبانية قررت أن ترسل الجسد المحنط لرجل أفريقي محفوظ في متحف مدينة " بانيوليس" الكاتالانية، قررت أن ترسله الى" بوتشوانا" لدفنه فيها بوصفها موطنه. كان الجسد معروضا منذ 1916
في متحف المدينة.و أصل الحكاية يبدأ في القرن التاسع عشر في " بتشوانا" حيث قام مغامر فرنسي اسمه "ادوار فيرو" بنيش القبر و سرقة جثة " المحارب الأفريقي" و تحنيطها و بيعها لعالم التاريخ الطبيعي الاسباني " فرانسيسكو داردير" و الذي قام بمنح الجسد لمتحف التاريخ الطبيعي لمدينة " بانيوليس" .
و هكذا لا يفلت عرض أشياء الثقافة الأفريقية من تاريخ العلاقة السوداء الدامية بين أوروبا و أفريقيا.و هي علاقة محورها الموت ، موت الأفارقة . و في المنظور الأوروبي الاستعماري فان الأفريقي الطيب هو الأفريقي المحنّط على نحو العبارة العنصرية التعيسة التي كان المستعمرون البيض يرددونها بلا خجل في أفلام رعاة البقر الهوليودية
« Agood Indian is a dead Indian ! »
و اذا كانت ميزة الكائن المحنّط الأساسية هي ثبات صورته و استعصاءها على التحول الذي يدرك الأحياء فان مساعي الفنأفريقيين الأوروبيين لتثبيت صورة أهل القارة الافريقية على هيئة واحدة لا تتغير انما يكشف عن قناعة مضمرة في الخاطر الأوروبي فحواها موت الأفارقة الأكيد. أي و الله لقد متنا و شبعنا موتا في خاطر سادة زماننا من الأوروبيين الذين سيحسنون اليناايما احسان لو حنطوا جثثنا ليؤثثوا بها متاحفهم و صالاتهم ومنتدياتهم الثقافية فتفهم الأمم ما خفي من أمرثقافاتنا و فنوننا.
في مطلع الثلاثينات نظمت الدولة الفرنسية من خلال متحف" تروكاديرو" حملة اثنوغرافية لجمع عناصر الثقافات المادية و الروحية عبر أفريقيا . كانت تلك الحملة تعرف رسميا بـحملة " داكار جيبوتي". و كانت خطتها عبور القارة من أقصى غربها للأقصى شرقها و جمع و تسجيل كل ما يمكن تسجيله من تجسدات الثقافة الأفريقية. و كان على رأس الحملة البروفسير" مارسيل غريول" من أعلام الاثنوغرافيا الفرنسية تصحبه نخبة من أميز رواد الاثنوغرافيا و يعاونه شاعر سوريالي شاب هو" ميشيل ليريس" الذي سينشر لاحقا يوميات الحملة التي امتدت لعامين في كتابه القيم " أفريقيا الشبحية" .و هو نفس" ميشيل ليريس" الذي سيصبح من أميز نقاد الاثنولوجيا الفرنسية في زمن الاستعمارمثلما هو نفس " ميشيل ليريس" الذي سيصبح من رواد الآيديولوجيا الفنأفريقانية التي تفسد على أهل أفريقيا أمور فنهم اليوم .
للمساهمة في الدعم المالي لحملة " داكار جيبوتي" سعى القائمون على أمرها لتنظيم الحفلات الخيرية في الأوساط الباريسية آنذاك فكان بعض نجوم المجتمع الفني و بعض المشاهيرينظمون حملات التبرعات لصالح " داكار جيبوتي".و قد ساهمت الراقصة الأمريكية السوداء " جوزيفين بيكر" في هذا المجهود بريع بعض استعراضاتها سيما و أنها كانت السوداء الأكثر شهرة في أوروبا كلها آنذاك.و بجانب " جوزيفين بيكر" كان المجتمع الباريسي يحتفي بملاكم أمريكي أسود ، حائز على لقب بطل العالم في الملاكمة، اسمه " آل براون". و في أمسية منتصف شهر أبريل 1931
تم تنظيم ماتش ملاكمة خيري قبل فيه " آل براون" أن يلاكم للحفاظ على لقبه و التبرع بريع الأمسية لدعم حملة " داكار جيبوتي" و ذلك ـ حسب عبارة الباحث " جان جامان" ـ في مقدمته لكتاب " ليريس"، مرآة أفريقيا، " لكي تتحقق معرفة أفضل بأرض أسلافه و لرد الاعتبار لبني جلدته السود.و من خلال مشهد هذا العرض الرياضي " تم عرض الجسد الزنجي في أكثر أبعاده حسية ـ و من باب أولى ـ أكثرها حيوانية،بيد أن القائمين على تهيئة الحلبة في هذه الأمسية لم ينسوا أن يضعوا عند كل ركن من أركان حلبة الملاكمة أحد حراس" متحف تروكاديرو الاثنوغرافي " بكامل بزته الرسمية فكأنما الجسد الأسود
المعروض على الحلبة ، تحت رقابة حراس المتحف، كان يرهص لتعريف مركز" الأشياء الزنجية"
« Objets Négres »
التي ستجلبها حملة " داكار جيبوتي" بعد عامين من أرض أجداد الملاكم الأسود لتعرضها في صالات متحف الاثنوغرافيا تحت رقابة نفس الحراس المنتصبين حول الحلبة". أنظر " مرآة أفريقيا" ص 27.28 Michel Leirie, Miroir d’ Afrique, Paris Gallimard, 1996, pp. 27,28

من إخترع الأفارقة؟ 1

نجاة
كما قلت لكي أنشغل بترجمة نص " من اخترع الأفارقة؟" للغة العربان و نسبة لطول النص و صعوبة الاقتصار على عملية الترجمةفقد رأيت أن من الأنسب مفصلته الى حلقات و هذه هي الأولى و سأوالي في الايام القادمة انتزاع الحلقات الكامنات في لغة الغال لفائدة عزيزنا القاريء الضادي و القدم ليه رافع
سلام

حسن
26/4/05


من اخترع الأفارقة؟
الحلقة الأولى

حسن موسى 2002


دياسبورا؟ أنا؟

اذا رغبت , بصفتك فنان أفريقي ,في المشاركة في واحدة من التظاهرات الموسمية الكبيرة التي تحتفل بالثقافة الأفريقية في العواصم الأوروبية, فيينبغي عليك الوفاء بعدد من الشروط أولها أن تكون من مواليد أفريقيا, أي مكان في أفريقيا , و ياحبّذا أفريقيا "السوداء".
وثانيها أن تكون مقيما على مقربة جغرافية عملية , يعني في متناول اليد, يدمنظمي التظاهرة ،.فأفريقيا تزداد بعدا بقدر ما تضيق ميزانية التظاهرة الثقافية الأفريقانية في البلدان الأوروبية .و ان لم يكن في وسعك الوفاء بالشرطين أعلاه فلا تيأس , فهناك فرصة أخرى ان كنت من ذوي البشرة السوداء كما السود الأمريكيين و السود البريطانيين أو السود الفرنسيين المدرجين في فئة الدياسبورا الأفريقية..
و هكذا يا سادتي تمكنت بذريعة الفنان الأفريقي الأسود المدسبر[ من دسبر يدسبر و الواحد دياسبوري و هو المقيم في تيه الدياسبورا و الكاتبون في لغة الضاد يترجمون الدياسبورا بعبارة" الشتات" لكني أحبّذ : عليها الدياسبورا لما تنطوي عليه من احالة مجزية نحو التقليد الديني اليهودي النصراني و الله أعلم] , أقول تمكنت من المشاركة في أفريقيا 95
واحدة من كبريات التظاهرات الأوروبية المكرّسة لفنون أفريقيا المعاصرة و قد نفعتني اقامتي ـ في فرنسا ـ على مرمى حجر من موقع التظاهرة الفنية في لندن المحروسة.
و قد نظمها البريطانيون ضمن الموسم الأفريقي في لندن وفي بعض حواضر بريطانيا في سبتمبر 95
و خلال أيام التظاهرة اتيحت لي مقابلة عدد كبير من الأفارقة الأصليين أو المدسبرين و جلّهم كتاب و فنانين و مؤرخي فنون و منظمي معارض. و قد تمكنت حتى من مقابلة بعض السود الأمريكيين و البريطانيين الذين كانوا يتساءلون حول أصالة أفارقة شمال أفريقيا من المصريين والمغاربة حيث أن التظاهرة اشتملت على معرض ضم جماعة من فناني شمال أفريقيا في بعض صالات لندن.و ورّطتني الثرثرة مع بعض الفنانين السود المدسبرين في مناقشة عجيبة في نوعها, فمن جهة كان صاحباي في مواجهتي بصفتهما البديهية كفنانين أسودين مدسبرين أحدهما من سلالة أهل جزر البحر الكاريبي ، ولد في لندن و تربى فيها، و الآخر أمريكي, و من الجهة الأخرى كنت أنا يصحبني يقيني بكوني عربي و افريقي و غربي في آن.كانت حجة محدّثي تتلخص ببساطة في كون أهل شمال أفريقيا غرباء"وفدوا من الخارج" , خارج القارة السوداء.و ذكرني ذلك الموقف بالجدال الذي أجج" الأزمة الدبلوماسية " حول المهرجان العالمي الثاني للثقافة السوداء و الآفريقية في لاغوس عام 76
و أقول "الأزمة الدبلوماسية" لأن كل من السنغال و نيجيريا و هما البلدان المعنيان بتنظيم المهرجانيين الأول و الثاني للثقافة الأفريقية و السوداء، انخرطا بحمية وطنية عالية في نزاع بدأـ في ظاهره ـ من خلاف مفهومي حول تعريف الثقافة الأفريقية.
السنغاليون الذين صمّموا و نفّذوا المهرجان الاول للثقافة الأفريقية على مرجع الزنوجة وحده دون غيره من مراجع ثقافات القارة الافريقية كانوا يرون الثقافة الافريقية كثقافة لكافة المجموعات السوداء أينما حلّت و قد انطوى موقفهم على اضمار يستبعد أهل شمال أفريقيا من دائرة المساهمين في الثقافة الأفريقية. و بالتالي فهم لم يقبلوابما اعتبروه تحريفا أجراه النيجيريون الذين قاموا باعادة تعريف قاعدة الضالعين في الثقافة الافريقية لتشمل كافة الافارقة بما فيهم أفارقة شمال أفريقيا و ذلك دون استبعاد المجموعات السوداء خارج أفريقيا.و قد تفاقم النزاع حين عمدت السلطات النيجيرية الى عزل السنغالي علي ديوب الذي كان يشغل منصب السكرتير العام للجنة العالمية للمهرجان.و قد ترتب على عزل ديوب أن شنت الصحف السنغالية حملة انتقادات على أسلوب نيجيريا في تدبير المهرجان , و لم تتوانى الصحافة النيجيرية عن رد الصاع صاعين دفعا للأذى عن شرف الأمّة النيجيرية الخارجة لتوها من محنة الحرب الأهلية في بيافرا.و يجدر القول بأن اقتصار هذا النزاع على النيجيريين و السنغاليين دون غيرهما من الافارقة القريبين من هؤلاء أو من أولئك ربما وجد تفسيره في كون أغلب الشهود آنذاك كانوا على علم بكون النزاع ليس نزاعا فكريا حول مفهوم الثقافة الأفريقية و انما هو نزاع سياسي له علاقة بطبيعة الخلفية الجيوسياسية لتعبيرات الحرب الباردة في أفريقيا.لقد كان نظام أب حركة الزنوجة, الرئيس سنغور,يقود المعارضة ضد نيجيريا باسم أنظمة الناطقين بالفرنسية جنوبي الصحراء, و لو شئت الدقة فقل أن السنغال كان يقود المعارضة ضد نيجيريا باسم فرنسا التي كانت و ما زالت تعتبر بلدان غرب أفريقيا كنوع من وقف سياسي استراتيجي لا ينازع فيه أحد.و حقيقة فموقف الرئيس الشاعر"الزنجأفريقاني" كان يتميز بقدر من التركيب لا يخلو من الحرج.ذلك أن الرجل كان يقيم على قسمة عسيرة بين مقتضيات روح التضامن ال"كل أفريقاني"[ لو جازت ترجمتي لعبارة الـ " بان آفريكانيزم"] المغموس في التفاؤل السياسي الساذج الذي لا يسوّغ المعارضة ويعتبر النقد مرادفا للتشتت و شق الصف الكل أفريقاني ، من جهة، و من الجهة الاخرى فقد كان عليه الوفاء بمقتضيات الامتثال لارادة فرنسا السياسية و التي يدين لها بالكثير ـ و قيل بكل شيء ـ فرنسا التي كانت قبيل المهرجان بوقت قصير، لا تتحرّج من تقديم الدعم المادي و الأدبي لانفصاليي اقليم بيافرا، سواء تم ذلك مباشرة أو من خلال حلفاءها الأفارقة الناطقين بالفرنسية.و لا عجب فقد كان اقليم بيافراـ و ما زال ـ أهم منطقة لانتاج البترول في نيجيريا.
لكن أخواي من ذوي "الدم الاسود" اللذين كنت أتناقش معهما كانا في واد آخر.فهما لم يكونا يجهلان جيوسياسة أفريقيا فحسب بل هما لا يعتبران أن معرفة جيوسياسة القارة يمكن أن يقدم أو يؤخر في ما نحن بصدده.كانت حجّتهما تتلخص في سواد بشرتهما وسواد أفكارهما، و بديا في غيّهما العرقي كمثل من يضع" نظارات سوداء " حتى لا يري من خلالها سوى الجزء الأسود من العالم ، غير أن المشكلة هي أن محاوراي كانا يعتبران أن سواد البشرة و سواد الخاطرة يؤهلهما لاعادة تنظيم افريقيا.في هذه المرحلة من مناقشتنا تجلت لي أهمية و عظمة موقف نلسون مانديلا و رهطه الكريم بعد نهاية نظام ال " آبارتايد" في جنوب أفريقيا .فقد قبلوا الجنوب أفريقيين البيض كمواطنين مثل غيرهم من أهل البلاد و لم يتخذوا من لون بشرتهم ذريعة لآبارتايد معكوس ، رغم أن بيض جنوب أفريقيا وصلوا جنوب القارة بعد قرون عديدة من وصول العرب لشمال أفريقيا.
و في فرحتهما بسواد بشرتهما فمحاوراي لا يخفيان حلم العودة لـ " أفريقيا الأم". و في خاطرهما فنحن كلنا ـ بما فيهم شخصي ـ أعضاء في جالية الأفارقة المغتربين المشتتين عبر أنحاء البسيطة.. يعني بالعربي " دياسبورا".

دياسبورا؟ أنا؟
و ماذا جنيت في حق الاله حتى أستحق مثل هذا المصير المقدس المجدول من أساطير العهد القديم؟ لو كانت هناك ذرّة دياسبورا في وجودي المتواضع فلابد أن لها علاقة مع الفترة التي عشتها في السودان موطني الأول قبل وصولي الى فرنسا، موطني الثاني و " أرض ميعادي" التي عدت اليها هربا من منفاي الأفريقي.
تقول الأسطورة اليهودية آن أهل الدياسبورا يرون "علامة" تنبئهم بنهاية عهد الشتات.و قد تجلت لي علامة نهاية دياسبورتي الشخصية في شكل الورق.أيوة الورق ، ورق الألوان المائية المعهود.و قد فهمت ذلك يوم وجدت نفسي داخل متجر كبير للوراقة و ألأدوات المكتبية بمدينة " ليل" في شمال فرنسا حيث كنت أقيم في نهاية السبعينات.كان ورق المائيات مبذولا على الأرفف في شكل طبقات و طبقات من كل الأنواع و كل الأحجام. و سحبت بعض الأوراق ، لمستها ببصري و" رأيتها بيدي" كما يعبر رسم" ايديوغرام" كتابة الصينيين في معنى الفحص المدقق الذي يوحد بين صورة اليد وصورةالعين .و بقيت في ذلك المكان مفتونا بهذا الكنز العجيب،أسحب الأوراق من الرف أتفحصها و أتحسس ملمسها ، أشمّها و أكاد أمضغها من نشوتي و طربي، و لا عجب فقد تعلمت في كلية الفنون في الخرطوم أن ورق الألوان الألوان المائية شيء نادر و عزيز يعبر القارات و البحار و المحيطات حتى يصل الخرطوم عاصمة الصحراء حيث كنا.و كان من يحتاز على ورقة من نوع " وطمان، هاند ميد" يبقى زمنا يتدلل بها علىنوعية الضوء ويفاوض عليها خيارات الزمان و المكان والموضوعات و الأدوات، فيحول عليه الحول و ورقة الخواجة "وطمان " تنتظر في حرزها الأمين.كنا نحتال على الندرة بالرسم على ظهر الورقة المستعملة أو بغسل الورقة بالصابون لمحو أثر الرسم القديم وتبييضها ثم كيّها و تهيأتها للرسم مرة أخرى.كانت ورقة المائيات و مازالت شيئا نادرا في ذلك المكان الملهم المتسمي كلية الفنون بالخرطوم حيث اكتشفت جل تقنيات أنبيائي المائيين من البريشت دورير لسام فرانسيس مرورا بتيرنر و شيلي و آخرين.. صعودا لموسى نبي المائيين عليه السلام الذي ضرب الماء فانفلق البحر .. و المائيات بحر من الفنون فحدّث .
دياسبورا؟
لا ، شكرا يا صحابي فأنا لا أرغب في " العودة" لأفريقيا ولا لليبيريا و لا لأثيوبيا ولا حتى لاسرائيل الموعودة.فأرض ميعادي هي هنا حيث أقيم الآن [ حتى اشعار آخر]. ذلك أنني كنت قد وعدت نفسي ببلوغها يوم تفتحت بصيرتي على حدود العالم و أنا يافع ألوّن الخرائط المدرسية بين " الشرقية الخامسة" و " الأميرية الوسطى"، ياله من زمان..في ذلك الزمان توصلت لتعريف نفسي كشخص حديث و كغربي غير أوروبي.ذلك أني لا أفهم لماذا يطالبني ال"بعض"بالعودة للـ " غولا" ـ و هي تدل على الأسر و النفي أو" الغُـل" في العبرية ـ بين الكافرين بالحداثة و الرعايا المستديمين للنيوكولونيالية المتعولمة، و ذلك لمجرد صيانة هويتي الثقافية الأفريقية.و ما أدراك ما هويتي الثقافية الأفريقية؟ هذه الشبهة الأيديولوجية العرقية التي يسقطها علي رهط الأوروبيين و الأمريكيين من ذوي البشرة السوداء الذين يحسدون القرد ـ كونهم يعرفون أنني ولدت في القارة المظلمة اياها ـ أنا بعيد منها بعد الذئب عن ابن يعقوب.بل أن بعد موضوعة الهوية الثقافية الأفريقية عني و غربتها علي يوفران لي مسافة آمنة منها فأسوّغ لنفسي حظوة تجاهلها أو تبنّيها حسب المصلحة الوجودية التي قد أجدها أو قد لا أجدها فيها.هذه الحظوة الفكرية التي أسوّغها لنفسي بالنسبة للهوية الثقافية الأفريقية تظل مستحيلة بالنسبة لهويتي الثقافية الغربية ،فهذه الأخيرة لا تسمح لي بهامش مناورة يِؤهّلني لوضعية الحَكَم فأختار بين أن أكون أو أن لا أكون.و من جهة أخرى فان وضعية "الحَكـَم " بالنسبة لسؤال الهوية الثقافية تنطوي على شيء من اللبس .ذلك أنني ان كنت أدبّر خياراتي الوجودية محكوما بمعطيات هويتي الثقافية التي هي بالضرورة سابقة على لحظة الخيار، فان مجرد قصدي الواعي لاتخاذ موقف من ما أسميه بـ" هويتي الأفريقية" انما يدحض أصل هذه" الهوية الأفريقية" التي ، ان كانت تنفع في شيء ، فهي انما توطّد من سيادة هويتي الثقافية الغربية.هذه الهوية الغربية المستبدة المتمكنة واثقة من ذاتها بحيث لا تتورّع عن رؤية نفسها متنكرة في زي " آخرها" الأفريقي. و في تحليل نهائي ما ، فليس هناك من كلف نفسه عناء استفتاء الأفارقة ما اذا كانوا يرغبون أو لا يرغبون في الانخراط في مغامرة التقليد الثقافي الغربي، و خلاصة الأمر يمكن ايجازها في كون القوم قد استقروا في المكان الذي أفسحه لهم سادة زمانهم من المستعمرين الغربيين الأوروبيين. مكان الهوية الثقافية الأفريقانية كما يعرّفها المهيمنون الأوروبيون.
ــ و لكنك مغترب تماما يا أخي .قالها " أخي" الأمريكي ذو الدم الأسود متعجبا من كلامي[ لقد حذرتكم من كونها مناقشة عجيبة].
ــ مغترب من ماذا؟
ــ من ثقافتك الأفريقية.
ــ أيّهنّ؟
ــ ماذا تقصد بأيّهن؟
ــ أقصد أن كل واحد بيننا يحمل ثقافته الأفريقية الخاصة به..
و لم يبد على محياهما أنهما فهما مقصدي فتوكلت و حكيت لهما حكاية ركن القهوة السودانية ، و هي حكاية ذات كفاءة في مثل هذا النوع من المناقشات..
في الخرطوم ، في منتصف السبعينات ، قررت شركة فرنسية فتح فندق كبير هو " ميريديان الخرطوم" كجزء من سلسلة فنادق المريديان المنتشرة في مختلف حواضر العالم الكبيرة . و في بهو الفندق قرب المطعم العالمي الفاره قرر مدير الفندق فتح كافيتيريا في صالة صغيرة أطلق عليها اسم الـ " سودانيز كوفي كورنر".و قد زينت الصالة على هيئة ديكور شرقاني ألف ليلوي بينما تنكرت الوصيفات [ الأريتريات] في الزي الشهرزادي المعهود كما بذلته للعالمين السينما الهوليودية المستشرقة .باختصار كان كل شيء على ما يرام بالنسبة للسائح الأوروبي الذي القت به المقادير في مدينة مثل الخرطوم. مدينة زاهدة مزاجها البدوي يحصنها من غوايات البيزنس السياحي عند مفترق دروب الشرق العربي و أفريقيا السوداء.غير أن الطريف في الأمر هو أن الخرطوميون سرعان ما اكتشفوا " ركن القهوة السودانية" و تقاسموا الدهشة الاكزوتية بالتساوي مع السياح من نزلاء المريديان. و بالنسبة للشباب الخرطومي من أبناء و بنات الطبقة الوسطى العربسلامية كان " ركن القهوة السودانية " بمثابة واحةيلجأ اليها الهاربون من رقابة البيوريتانية العربسلامية وتزمتها.ثم اتسعت دائرة الرواد لتشمل بعض العائلات الخرطومية الحديثة ..و خلال أشهر قليلة صار حلم مدير الفندق حقيقة لا يغالط فيها أحد و أصبح" ركن القهوة السودانية" يستحق اسمه كـ " تيبيكال سودانيز كوفي كورنر" عن جدارة في خاطر الرواد الأجانب و ذلك بفضل دعم و تبني الرواد السودانيين من هواة الكوكا و الشاي له.
و مغزى هذه الحكاية يمكن تلخيصه بكون الأفارقة قمينون ـ دون غيرهم ـ بانتاج ثقافة يمكن توصيفها بصفة الـ " افريقية" حتى و ان كان ما ينتجونه من ثقافة مفارقا لمواصفات تلك الأصالة الأفريقية التي يصونها بعض " المختصين" من العارفين يالثقافة الافريقية.و الحرية التي يتمتع بها الأفارقة تجاه تعريف ثقافتهم هي حق طبيعي يملك الأفارقة تمديده ليشمل كل المجالات و كل الحدود و ان تطرّفوا.و حق القوم في التطرف في تعريف حدود ثقافتهم أمر سيادي مشروع و مقدس حتى و لوأدّى بهم ذلك في منطقة الأمور المشتبهات من نوع تبنّي التمثّل الأوروبي لما ينبغي أن تكون عليه الثقافة الأفريقية.هذا النوع من التبني البراغماتي للقيم الثقافية الـ " مستوردة " يصبح واقعا ثقافيا أفريقيا من اللحظة التي يرى فيها الأفارقة مصلحة لهم فيه.

و هنا ، عند تقاطع المصالح القومية والدولية و الشخصية ، يجدر فحص مفهوم ما يسمى ـ منذ منتصف الستينات ـ بـ " الفن الأفريقي المعاصر" , و ما أسميه مع بعض الصحاب "الفنأفريقانية"
Artafricanisme
.و ما أدراك ما" الفنأفريقانية"؟ نوع فني جديد يتطور بين حواضر أوروبا و أمريكا و أفريقيا لأن بعض السلطات هنا و هناك تجد فيه مصلحة ما ، أخلاقية أو سياسية أو حتى اقتصادية , و"كل حشّاش يملأ شبكته" باسم القارة المظلمة اياها.
طبعا هذه الحرية العفوية التي يدبر بها أهل أفريقيا أمور ميراثهم الثقافي لا تعجب القائمين على "بيزينيس" الجمالية العرقية الذي أسّس رأسماله الثقافي، بل و السياسي، العالمي على صورة ثابتة و مبهمة للأصالة الثقافية الأفريقية.و هذا" الفن الأفريقي المعاصر " هو في الواقع مجرد عرض ثقافي أوروبي آخر بين عروض أخرى كثيرة. انه " ايزم"
..isme
آخر في مسلسل "الايزمات" التي جادت بها حركة الحداثة الأوروبية من الامبريسيونيزم[ التأثيرية] الفيوتوريزم [ المستقبلية] و السورياليزم [ السوريالية] و الكيوبيزم [ التكعيبية] الخ..بيد أن " ايزم " الفنأفريقانية انما يتوجه للأوروبيين الذين ينظرون نحو أفريقيا.
و بلا شك فان الأفارقة الذين يتبنون الفنأفريقانية الأوروبية انما يزكّونها و يضمنون لها صفة الأفريقية كاحتمال بين غيره من احتمالات فن الأفارقة الاخرى.و لكن هذا النوع من الحرية، حرية اللعب علىالبروتوكولات المفهومية للأوروبيين الذين يعالجون الشأن الأفريقي،حرية اختيار الأشكال الفنية التي تناسبهم بصرف النظر عن مدى انسجامها أو تناقضها مع اي تقليد ثقافي أفريقي، أقول هذه الحرية ممنوعة على المبدعين الافارقة.
و هكذا فسيكون هناك على الدوام نوع الأوروبيين الذين يترصدون الافارقة في" أركان القهوة السودانية" في أنحاء القارة ليعبروا لهم عن قلقهم و اشفاقهم على مصير الأصالة الثقافية الأفريقية. و هو قلق يخفي وراءه أمور تتجاوز حدود أفريقيا لأن هذا اللعب الحر و النزعة" الأسلوبية" التي تحكمه[ لو جازت ترجمتي لعبارة "المانيريزم"] انما يحيل الأوروبيين الى حقيقة بديهية غير مريحة على الاطلاق و هي استحالة الزام الأفارقة بلعب " دور " الأفارقة كما عرّفه الأوروبيون انطلاقا من المفهوم الأوروبي المحافظ للعالم و استحالة تثبيت الثقافة ـ الأفريقية و غير الأفريقيةـ ضمن مفاهيم ضيقة مستعلية على التاريخ و مستعصية على قوانين التحول الاجتماعي.
و فيما وراء الفنانين الأفارقة فان الأفارقة على اطلاقهم يتم نفيهم الى أفريقيا بعينها خارج التاريخ ، افريقيا اخترعها النخاسة الأوروبيون و رصفاءهم الأفارقة و كرسوها أبدا كفردوس مفقود للنقاء العرقي و الثقافي الذين لا تشوبهما شائبة.و في مثل هذا المشهد يتم اختزال تعدد الثقافات الأفريقية الى نوع من ثقافة افريقية صمدة منقّاة من كل العناصر الغريبة و الدخيلة على الأصالة الزنجوية لـ "القارة السوداء".ان مصادرة التعدد العرقي و الثقافي للأفارقة باسم الأصالة صار لازمة ثابتة عند الكثيرين من متعهدي الفنأفريقانية الشعبية من أفندية وزارة الخارجية الفرنسية و عملاءها الذين ينشطون في أروقة " الجمعية الفرنسية للحركة الفنية" أو الـ " آفا" [ و قيل الآفة و الحمد لله على كل شيء].

Association Française d’ Action Artistique ( AFAA)

أو في أروقة الـ "فيفا "التي يتصيد بعض أعضاءها لاعبي كرة القدم الأفارقة كما كان الأوروبيون يصطادون أنواع الوحش في احراش الذاكرة الشعبيةالأفريقانية للأوروبيين.و كل هذا الضلال الأفريقاني يغتفر طالما جاء من طرف قوم لم يدّعوا يوما معرفة علمية بالواقع الأفريقي. لكن حين يجيء الأمر من طرف قوم يعرّفون أنفسهم كخبراء أهل معرفة علمية بالواقع الثقافي للقارة فذلك ينقلنا الى مقام الحماقة المناهجية التي لا ينفع معها دواء.فلا أحد يحتاج لمعرفة تخصصية بأفريقيا حتى يفهم أن القارة الأفريقية ـ أو اي قارة أخرى ـ لا تفلت من تعقيد العالم و تركيبيته ان جازت ترجمتي لـ
complexité
و أفضل الأمثلة على النظر الملتوي ـ عن سبق القصد و الترصّدـ بغاية تسويغ الالتباس في قراءة الواقع الثقافي للأفارقة تقدمه لنا الباحثة الأفريقانية الأمريكية الشهيرة" سوزان فوغل". و بالمناسبة، كل من هب و دبّ شهير في حوش الفن الافريقي المعاصر الضيق لكن" سوزان فوغل" اشتهرت بوصفها من الرواد الذين عملوا على عرض الفن الأفريقي المعاصر في أمريكا و أوروبا و ذلك من خلال تنظيمها لمعرض " آفريكا اكسبلورس، الفن الأفريقي في القرن العشرين ، و ذلك في " مركز الفن الأفريقي " بنيويورك عام 1991
ففي مقدمتها لكتالوج المعرض الذي قدم في حينها كأحد أهم المعارض المكرسة للفن الأفريقي المعاصر

Susan Vogel, Africa Explors,20th Century African Art, 1991, New York City, Centr for African Arts, pp. 14, 25

ترى فوغل أن حياة الأفارقة و فنونهم قد تأثرت بشكل سلبي نتيجة لتقدم الاسلام و المسيحية في أفريقيا.و بطبيعة الحال ـ حال التفكير الفنأفريقاني ـ فسوزان فوغل لا تنظر الى الاسلام و المسيحية كديانات أفريقية رغم أن المسيحيون في مصر و في اثيوبياـ مسيحيون لأكثر من خمسة عشر قرنا ـو رغم أن المسلمون الذين يشكلون نصف سكان القارة على الأقل، يعتبرون أنفسهم أفارقة أيضا. و البركة في كاتب يس، الكاتب الجزائري الفرانكوفوني الكبير.كان كاتب يس يقول " اللغة الفرنسية غنيمة حرب" و ذلك حين يلومه أصدقاءه القوميون العرب على الكتابة في لغة المستعمرين الفرنسيين. طبعا هذا النوع من الحروب الذي يتم فيه تقاسم الغنائم بالتساوي بين الغالب و المغلوب لا يناسب المزاج التبسيطي لمن اختاروا الوقوف مسبقا في معسكرالمصنّفين كـ "غالبين" .
و السؤال الذي يفرض نفسه في هذا المشهد ينطوي على شيء من الحرج ، الا أنه سؤال ضروري لفهم الوضعية المركبة للفن الأفريقي المعاصر في الولايات المتحدة.ما الذي يكسب اختيار معسكر الغالبين، في حالة سوزان فوغل،مصممة المعرض الذي يطرح الفن الأفريقي المعاصر كخصوصية آفروزنجوية ، ما الذي يكسبه دلالاته السياسية على صعيد الواقع الاجتماعي للمجتمع الأمريكي المعاصر؟ و بعبارة أخرى ، أين تقف سوزان فوغل من الصراع الاجتماعي الدائر في الولايات المتحدة و ما هي عواقب الخطاب الأفريقاني المضمر في المعرض بالنسبة للجمهور الأمريكي ذي الأصول الأفريقية؟ يعني بالعربي ماذا ستفعل أمريكا بسودها؟
لقد مر على الأمريكان عهد تمكن أهل البر المسيحي فيه من ارجاع بعض المواطنين الأمريكيين السود للقارة السوداء لتأسيس يوتوبيا التطهير العرقي الطوعي على الطريقة الأمريكية في ليبيريا.كانت مغامرة ليبيريا بمثابة تنويع أسود على فكرة " ريزيرف " الهنود الحمر خارج أمريكا.و هي حماقة مكلفة يدفع ثمنها غاليا كل يوم كل طرف من أطراف المجتمع الليبيري المعاصرسواء بالنسبة للأمريكيين السود [ المستعمرين ؟ ] أو بالنسبة لأهل ليبيريا الأصليين.
و اليوم ما زال هناك من بين أهل أمريكا، على اختلاف ألوانهم ، من يرى أن احالة السود الأمريكان لخارج أمريكا ـ لا الى أفريقيا الجغرافيا و انما الى أفريقيا الرمز ، أفريقيا الفنأفريقانيةـ أمر صائب و عملي . و ثمة بيزينس ورزق عرقي واسع في بلاد العم سام وسيلته و غايته الفنآفريقانية بكافة تعبيراتها ، و هو" سوق شعبي " أقدم و أوسع بكثير من فنأفريقانية التشكيليين لكن ميزة الفنأفريقانية التشكيلية هي أن أهل التشكيل يدخلون الحلبة بمفاهيم فلسفية أكثر كفاءة و بالتالي أشد فتكا حتى أن أمريكا صارت تصدر نحو القارة الأفريقية النسخة الآمريكية من الفنأفريقانية التشكيلية و هذا باب للريح فتحه يقتضي حيلة و سعة في العبارة كون الفنأفريقانية الأمريكية تد خل الآرض الأفريقية على أنقاض الفنأفريقانية الأوروبية في نسختها الفرنسية[زنوجة سنغور و شركاه].
مسنودة بمؤسسات رعاية قوية ، فان الفنأفريقانية تعمل بكفاءة عالية ليس في أمريكا وحدها و انما في أفريقيا أيضا، ذلك أن هناك عدد كبير من الفنانين الأمريكان السود و الفنانين الأفارقة ممن يجدون منفعة جمالية في المشروع الذي تبذله لعنايتهم آلة الجمالية العرقية الأوروبية.و حين يتبنى الفنانون الأفارقة مشروع مؤسسة الجمالية العرقية الأوروبية ـ بصرف النظر عن دوافعهم ـ فهم ببساطة يكسبون له شرعية أفريقية ويجعلون منه احتمالا [ عرقيا] آخرا في الفن الأفريقي المعاصر.أما حين يتبناه الفنانون الأمريكان السود فهم يجعلون منه احتمالا عرقيا آخرا بين احتمالات الفن الأمريكي المعاصر.
بيد أن الانخراط في المشروع الفنأفريقاني ليس اجباريا بالنسبة للفنانين الأفارقة و لا بالنسبة للفنانين السود الأمريكان اذا رأى هؤلاء و أولئك تدبير أمور فنهم على نحو مغاير لموجهات الأصالة الفنأفريقانية.


االانخراط في الفنأفريقانية ليس سوى خيار جمالي بين خيارات أخرىو في هذا المشهد فان رواد تيار الفنأفريقانية هم الفنانون الأوروبيون المحدثون[ من نوع بيكاسو و مودلياني] الذين قادهم البحث في جماليات الشكل نحو استكشاف المجال الأيقوني لممارسات التشكيليين الأفارقة.و هي لحظة ذات حظوة مميزة في تاريخ حركة الفن الحديث حتى أن بعض المؤرخين يحيلون اليها اكتشافا في أهمية التكعيبية [ لوحة" آنسات أفينيون"]. لكن الاتجاه السائد وسط أغلب مؤسسات رعاية فن الأفارقة المعاصر ، سواء أن كانت في أوروبا أو في أمريكا يتلخص في فرض الفنأفريقانية كدرب اجباري لكل الفنانين الأفارقة المعاصرين و قيل لكل الفنانين السود سواء أن كانوا أفارقة أم لا.و لا جناح على الفنانين السود الأمريكان ان مشوا على درب الفنأفريقانية لأنهم وجدوا فيه مصلحة سياسية ضمن ملابسات سياسة التمييز العرقي الايجابي السارية في الولايات المتحدة و ذلك من باب " المال تلته و لا كتلته "، لكن ما يحدث في أمريكا لا ينسحب بالضرورة على اهل أفريقيا الذين قد يرغبون في اتباع دروب جمالية أقل
ضيقا من الدرب الفنأفريقاني

في سودان السبعينات سعت دولة الطبقة الوسطى العربسلامية لدعم الاتجاه الفني التشكيلي المتسمي بـ " مدرسة الخرطوم" لأنها استشعرت عند ناشطيه شيئا من التضامن ـ و قيل التواطؤ ـ مع آيديولوجية دولة العربسلامية في السودان.و قد كان الغرض المعلن لفناني " مدرسة الخرطوم "ـ و بينهم أشخاص كالصلحي و شبرين، ولاحقا عبدالعال، شغلوا مناصب مسؤولية في الأجهزة التنفيذية للدولة أو في الأجهزة السياسية للحزب الحاكم اضافة لعملهم بالتدريس في كلية الفنون بالخرطوم ـ كان غرضهم هو صيانة الأصالة الثقافية السودانية بتأسيس فن تشكيلي سوداني يستلهم الموروث الثقافي السوداني. و قد بذلوا للناس صورة للتشكيل السوداني فحواها المزج أو الهجنة بين عناصرالتقليد العربي الاسلامي[ مجسدة في فن الخط العربي] و عناصرتقليد الزنوجة الأفريقية[ مجسدة في أشكال الزخرف الأفريقي].
لكن الاطار المفترض لهذا التهجين تم تعريفه ـ بالذات في النصف الثاني من السبعينات ـعلى أساس الدين الاسلامي.و لم يكن لخيار الاسلام علاقة بالضرورات الفكرية و الجمالية للتشكيليين الخرطوميين لكنه كان تعبيرا عن امتثال الفنانين لمشيئة الدولة النميرية التي كانت قد شرعت في التخلي عن آيديولوجية التعدد الثقافي لتتلبس أيديولوجية " النهج الاسلامي".
و في البداية ـ في العصر الذهبي لمدرسة الخرطوم ـ كان الانتاج الفني ـ الغرافيكي غالبا ـ للتشكيليين الخرطوميين يتميز بمنطق المزج بين العناصر الأيقونية العربية مختزلة الى الخط العربي و العناصر الأيقونية الأفريقية مختزلة الى الزخرف الهندسي البدائي الذي يحال جورا الى الفن الأفريقي في الخاطر الشعبي.و قد سوّغت سهولة المعادلة الجمالية لمدرسة الخرطوم ، بالاضافة للقبول الرسمي الذي لاقته من قبل السلطات، سوغت لعدد كبير من تلاميذ الصلحي و شبرين في كلية الفنون أن ينخرطوا بلا حذر و بغير نقد ، في مغامرة " مدرسة الخرطوم".و قد ترتّب على هذا التورّم " الآيديولوجي" لمدرسة الخرطوم افقار حركة البحث الجمالي لجيل التشكيليين من تلامذة الصلحي و شبرين الذين ارتاحوا في ظل لقّيات الأساتذة و زهدوا في استكشاف أرض الخلق التشكيلي الممتدة وراء حدود الزنجعرابية البائسة المنسوبة لأهل السودان و التي سيسميها الباحث أحمد الطيب زين العابدين لاحقا باسم " السودانوية"، كما ترتب عليه تهميش عدد من التشكيليين السودانيين المهمين الذين أقاموا في العتمة الاعلامية لمجرد أن مشاريعهم الجمالية كانت غير قابلة للاندماج في المنظور الآيديولوجي الرسمي لدولة العربسلامية السودانية.
و هكذا فالرعاية الآيديولوجية تكاد تكون الشكل الوحيد من أشكال الرعاية الذي يستفيد منه الفنانون المعاصرون في أفريقيا.و مثال السودان يمكن أن نجده في بلدان أفريقية أخرى و " كلنا في الهم شرق".
و قد أوردت الباحثة الأمريكية" سيدني ليتيلفيلد كاسفير" في كتابها جيد التوثيق " الفن الأفريقي المعاصر" حالة شبيهة من حالات الرعاية الآيديولوجية من خلال المثال السنغالي الذي يمكن أن يساهم في اضاءة حالات افرقية و غير افريقية للعلاقة العصيبة بين الفنانين و رعاتهم.تقول كاسفيربأنه " اذا كان الفنانون السنغاليون قد انتفعوا بشكل غير عادي من الدعم و الرعاية التي قدمها لهم الرئيس سنغور، فقد كانت للرعاية السنغورية حدودها. ذلك أن تلقي العون الرسمي بالكامل يقتضي من الفنانين الانخراط في مشروع الزنوجة[ نيغريتود] المبذول كآيديولوجية رسمية للنظام.المشكلة هي أن أيديولوجية الزنوجة حين يتم اختزالها الى سلسلة من الممارسات الشكلية فهي تتحول لآكاديمية ثابتة لا يطالها التطور. و هكذا تم انمساخ ما كان في البداية علامة على انفتاح البصيرة الخلاقة الى نوع من سياسة ثقافية رسمية متحجرة لا تطيق النقد العقلاني".

Qui a inventé les Africains?


Qui a inventé Les Africains ?

Hassan Musa



Les douaniers du Monde Noir
Si , en tant qu’ artiste, vous voulez participer à l’une de ces grandes manifestations saisonnières qui célébrent la culture africaine dans les capitales occidentales , vous devez remplir un certain nombre de conditions. D’abord il faut être né quelque part en Afrique, de préférence en Afrique noire. Secondo, il vaut mieux être accessible, voire résider à une proximité géographique pratique par rapport au lieu de la manifestation. L’Afrique est trop loin ! Si vous ne remplissez pas les deux conditions mentionnées
ci-dessus, vous aurez encore une chance d’ y être si vous êtes de peau noire comme les Noirs américains, français ou britanniques, dits “ African Diaspora”. Ainsi, en ma qualité de créateur africain, noir et diasporisé dans la proximité européenne, j’ ai pu, en Septembre1995, participer à l’une des grandes manifestations européennes consacrée à l’art contemporain des Africains. C’était “ Africa 95”. J’ y ai rencontré un grand nombre d’ Africains, artistes , écrivains , historiens d’ art , et commissaires d’ exposition. J’ ai même rencontré des Américains et des Britanniques noirs qui se posaient des questions sur l’ authenticité de l’ africanité des nord africains dont un groupe était exposé à Londres dans la même manifestation .
C’ était une drôle de discussion ! D’une part, il y avait deux artistes noirs, dont l’un né et vivant à Londres depuis toujours et l’ autre, américain, d’ autre part , il y avait moi qui me sens à la fois arabe, africain et occidental. Selon les arguments qu’ils présentaient, les Nord- Africains seraient étrangers au continent africain, “ils sont venus
d’ailleurs !”. Cela m’ a rappelé des débats qui ont nourri la crise “diplomatique” autour du Deuxième Festival International de la Culture Noire et Africaine de Lagos en 1976. Je dis crise “diplomatique” car deux pays africains, le Sénégal et le Nigéria, impliqués dans l’ organisation de cette manifestation, ont engagé un bras de fer diplomatique impressionant à partir d’ une divergence conceptuelle sur la définition de la culture africaine. Les Sénégalais qui avaient conçu et organisé le Premier Festival, exclusivement sur la dimension nègre de la culture africaine, définie comme culture des communautés noires( où qu’ elles se trouvent dans le monde), n’ont pas accepté
“l’écart “ que les Nigériens ont opèré en élargissant la portée de l’évènement de manière à inclure tous les Africains, y compris les Nord- Africains. La situation s’ est aggravée lorsque les autorités nigériennes ont destitué le secrétaire général du comité international du Festival, le sénégalais Ali Diop. A la suite de cela, la presse nationale des deux pays a pris le relais et transformé le débat en une affaire d’ honneur national. Si ce débat n’a pas entrainé d’ autres pays africains, c’ est que la majorité des observateurs savaient que derrière la querelle sur le concept abstrait il y avait là, la géopolitique de la guerre froide en Afrique. Le régime du père de la négritude qui parlait au nom des pays francophones de l’ Afrique sud- saharienne, voire même au nom de la France, était en situation critique, partagé entre le sentiment panafricaniste dominant de l’époque et la volonté politique d’une France, à laquelle il doit tout , et qui,
il y a quelques années, ne cachait pas son soutien total aux sécessionnistes du Biafra, alors principale zone de production pétrolière du Nigeria. Mais les deux frères de “sang noir” avec lesquels je discutais n’avaient rien à voir et ne voulaient rien savoir sur la géopolitique de l’ Afrique.
Ils étaient noirs, ils avaient des idées noires et ils portaient des lunettes noires afin de ne voir que la part noire de l’ univers et ils considèraient que cela les autorisait à réorganiser l’Afrique. A ce stade de la discussion, j’ ai pu me rendre compte de la portée de l’ action de Nelson Mandela qui, après l’ Apartheid, a accepté les sud Africains blancs comme de simples compatriotes à la peau claire, même s’ils sont arrivés sur le continent africain, beaucoup plus tard que les Arabes en Afrique du Nord !
En faisant valoir la couleur noire de leur peau, mes interlocuteurs dissimulaient à peine leur rêve du retour à la “ Mother Africa”. Pour eux, nous sommes tous, y compris
moi- même, des membres d’ une grande communauté d’ Africains expatriés et dispersés à travers le monde : une Diaspora !
Diaspora ? Moi ? Qu’est ce que j’ai fait au Bon Dieu pour mériter un destin si biblique? Si diaspora il y a dans mon existence, ce serait ce que j’ ai vécu avant de quitter mon Soudan natal lorsque j’ai atterri en France, terre promise où mon “exil africain” s’est achevé. La légende dit que les gens de la diaspora doivent voir un
“signe” qui leur indique la fin de l’errance. Mon signe à moi ,ce fut le papier! Je l’ ai compris un jour où je me suis trouvé dans une grande papèterie lilloise devant des étagères du rayon papier. J’y ai découvert une dizaine de variantes de papiers aquarelles. J’ai retiré les belles feuilles, je les ai examinées, palpées, senties et j’ ai même eu l’ envie d’en mâcher tellement je me suis senti enchanté. Moi, qui avais
appris comment laver au savon et repasser les vieilles feuilles déja peintes pour les blanchir avant de les repeindre. En effet, une feuille d’ aquarelle vierge est encore un objet rare à l’ école des Beaux Arts de Khartoum , lieu inspiré de mes années soixante-dix. Lieu où j’ ai appris à apprécier les aquarellistes les plus divers de Dürer à Sam Francis en passant par Turner, Schiele et les autres.
Diaspora? Non merci les amis, je n’ envisage pas un “retour” en Afrique, ni au Libéria ni en Ethiopie, ni en Israël. Ma “ terre promise” est ici. Je me la suis promise le jour où j’ai mis les pieds à l’ école moderne. Le jour où je me suis défini en tant que personne moderne occidentale et extra-européenne, car je ne vois pas pourquoi je dois retourner dans la “Gôla” (captivité ou déportation en hébreu) parmi les païens et les
néo-colonisés chroniques , rien que pour préserver mon identité culturelle d’ Africain. Cette identité africaine à laquelle les Européens et les Américains de peau noire
m’ assignent- parce qu’ils savent que je suis né sur le continent noir- m’est aussi distante, voire étrangère, que je me sens libre de l’ embrasser ou de la rejeter selon que j’ y trouve, ou pas, un intérêt pour mon existence. Tandis que “ mon” identité culturelle d’occidental extra-européen ne me permet pas un recul suffisant qui m’autorise une attitude d’ arbitre entre être ou ne pas être. D’ ailleurs, cette posture d’ arbitre sur la question de l’ identité ne manque pas d’ ambigüité. En effet, si c’est en m’ appuyant sur mon identité culturelle que je me sens capable d’ opérer mes choix existentiels, alors le fait même de vouloir délibérement prendre position par rapport à “mon” identité africaine ne peut que confirmer la futilité d’une identité africaine qui sert à faire valoir
l’ubiquité d’ une identité occidentale assez forte pour vouloir se voir travestie en “autre”!
D’ailleurs personne n’a jamais demandé aux colonisés si ils voulaient ou non , être intégrés dans la tradition occidentale. On les a embarqué dedans et ils se sont mis là où on leur a laissé une place .
- Mais tu es completement aliéné mon frère ! s’ exclama mon frère du sang noir. (Je vous ai dit que c’ était une drôle de discussion ! )
- Aliéné de quoi?
- De ta culture africaine.
- Laquelle ?
- Qu’est ce que tu veux dire par ça?
- Je veux dire que chacun porte “sa” culture africaine .Chez moi, au Soudan, quand
l’ Hotel Méridien a ouvert à Khartoum à la fin des années soixante -dix, il y avait à côté du restaurant de l’ hôtel, une petite cafétéria que le gérant francais de l’ hôtel avait décidé d’ appeler “le coin du café soudanais”. Dans un décor des Mille et une Nuits, quelques jeunes serveuses, déguisées en Schéhrazades hollywoodiennes, servaient le café aux touristes .Bien entendu, les Soudanais, qui sont en majorité, des buveurs de thé, ont découvert ce “coin du café soudanais” avec le même étonnement exotique que les touristes européens. Puis, des couples et des familles de la classe moyenne de Khartoum, se sont mis à” fréquenter” le coin du café soudanais ( pour y boire du thé ), et en quelques mois, le souhait du gérant de l’ Hôtel Meridien s’ est concrétisé en un véritable “coin du café soudanais” grâce à la persévérance de ses clients soudanais .
La morale de cette histoire est que seuls les Africains sont en mesure de produire une culture qu’on peut qualifier d’ africaine, même si ce qu’ils produisent n’est pas conforme aux normes d’une certaine authenticité africaine conservée par quelques “spécialistes “ de la culture africaine ! Cette liberté dont disposent les Africains par rapport à la définition de leurs cultures pourrait s’ étendre à tous les domaines, mais aussi à tous les extrèmes, y compris cette extrème, ambigüe mais légitime, qui consiste à s’approprier la représentation européenne de ce qu’est la culture africaine. Une appropriation pragmatique qui devient réalité culturelle du moment où les Africains y trouvent leur compte. C’ est justement là, dans le labyrinthe des intérêts nationaux et internationaux qu’il faut examiner l’ évolution de ce qu’on nomme depuis la fin des années soixante “l’ art africain contemporain” et que - avec quelques amis artistes soudanais - nous nommons “l’ Artafricanisme” . Un art qui se développe dans les métropoles d’ Europe, d’ Amérique et d’ Afrique parce que certaines autorités y trouvent un intérêt éthique ou politique, voire économique .
Bien entendu, la liberté que les habitants de l’ Afrique prennent avec leur patrimoine culturel n’ est pas bonne pour le” business” ethno-esthétique qui s’ est constitué un capital culturel- et politique !- international sur l’image d’ une immuable - bien qu’insaisissable- authenticité culturelle africaine. Cet “Art Africain Contemporain” n’est, à mon avis, qu’une proposition culturelle européenne parmi d’ autres, un “isme” adressé aux Européens qui regardent vers l’ Afrique. Bien entendu, les Africains qui
l’acceptent, le valident en tant qu’art africain parmi d’autres. Mais cette liberté là,
la liberté d’ altérer les schémas mentaux européens, la liberté de choisir les formes artistiques qui les intéressent, indifférement à leur compatibilité avec une quelconque tradition africaine ancestrale, cette liberté là est interdite aux créateurs africains. Ainsi, il y aura toujours des Européens capables d’interpeler les Africains , dans un “coin du Café soudanais”, quelque part en Afrique, pour leur exprimer leurs inquiétudes sur le sort de l’ authenticité culturelle africaine, parce que ce “manièrisme” africain renvoit les européens à une évidence inconfortable : l’impossibilité d’assigner les Africains au “ rôle “ d’ Africains que les Européens ont défini à partir d’ une conception européenne du monde . Au delà des artistes africains, les Africains sont systèmatiquement renvoyés à une certaine Afrique considèrée , par ses négrologues européens et africains, comme le paradis perdu de la pureté ethnique et culturelle. Dans cette Afrique, les diversités des cultures africaines sont réduites à une sorte de culture africaine purifiée de tous les éléments étrangers à l’ authenticité négrologique du continent. Déposséder les Africains de leurs diversités ethniques et culturelles pourrait s’apparenter à un manque de délicatesse intellectuelle lorsque cela émane de la part du commun des mortels oeuvrant au Ministère de la Cooperation,
à la AFAA( Association Française d’ Action Artistique ) ou même à la FIFA etc. .


Cependant, cela devient une grossièreté méthodologique de la part de ceux qui se considèrent comme les scientifiques de la culture en Afrique. Car il ne faut pas être “spécialiste de l’Afrique” pour comprendre que l’Afrique n’ échappe pas à la complexité du monde .
Susan Vogel , figure incontournable dans le petit monde de l’ art africain contemporain, offre une bonne illustration d’un regard délibérément approximatif sur la réalité culturelle en Afrique. Dans son introduction pour le catalogue de l’une des plus grandes expositions consacrées à l’art africain contemporain : “ Africa Explores : 20th Century African Art”, (1) Susan Vogel pense que la vie et les arts des Africains ont été altérés de manière négative par la progression de l’Islam et du Christianisme. Bien entendu, S. Vogel ne reconnait pas l’Islam et le Christianisme comme religions africaines, même si les chrétiens d’ Egypte et d’ Ethiopie ( chrétiens depuis plus de 14 siècles) et les musulmans de la moitié du continent se considèrent également africains ! Qu’ Allah bénisse Katib Yacine, grand écrivain algérien francophone, qui disait : “ la langue française est un butin de guerre” lorsque ses amis nationalistes arabes lui reprochaient d’ écrire dans la langue des colonisateurs! Mais ce genre de guerre où le butin est partagé entre vainqueurs et vaincus est trop subtile pour ceux qui se placent d’emblée de ce qu’ ils considèrent comme “le bon côté “, celui des vainqueurs.
La question qui s’impose dans cette occurrence n’est pas très “ correcte” mais elle est nécessaire pour saisir la complexité de la situation de l’ art africain en Amérique : En quoi le choix du “ bon côté” chez S. Vogel, principale initiatrice d’une exposition qui présente l’ art africain contemporain comme une exclusivité négrologique, pourrait rester indifférent à la situation socio-politique de l’actuelle société américaine? Il fut un temps où des philanthropes américains sont parvenus à renvoyer des américains noirs au Libéria pour y fonder une première utopie de la purification ethnique à l’ americaine, une variante de la réserve indienne hors l’Amérique. C’était une entreprise très coûteuse à l’époque comme c’est encore trop coûteux aujourd’hui.
De nos jours, certains Américains trouvent qu’il est plus pratique, et plus correct de renvoyer les noirs Americains dans la réserve de l’ artafricanisme. Soutenue par une mécénat puissant, l’ entreprise de l’ artafricanisme semble fonctionner efficacement , non seulement en Amérique mais également en Afrique , car nombreux sont les artistes noirs américains et africains qui trouvent un intérêt esthétique dans le projet que leur propose la machine de l’ ethnoesthétisme européen. En adoptant ce projet, les artistes africains le valident comme art africain contemporain, tandis que les artistes noirs américains en font une variante communautaire de l’ art américain contemporain. Ceci étant dit, adhérer à l’artafricanisme n’est pas une obligation pour les créateurs africains ,comme il ne l’est pas pour artistes américains ayant une peau noire, à partir du moment où ces artistes pensent leur art autrement que selon les mystérieuses normes de l’ authenticité africaine. C’ est une option parmi d’ autres que certains artistes européens ( Modigliani, Picasso etc.) ont su prendre à un moment de l’histoire de l’art moderne européen. Or la tendance dominante dans la plupart des institutions du patronage de l’art africain contemporain, qu’elles soient en Afrique , en Europe ou en Amérique est d’imposer “l’ artafricanisme” comme voie unique à tous les artistes africains contemporains, voire à tous les artistes à la peau noire qu’ils soient africains ou pas. Tant mieux pour les artistes noirs américains qui y trouvent un intérêt politique, dans le contexte de la discrimination raciale positive des Etat Unis d’aujourd’hui. Mais cela ne concerne pas nécessairement les artistes africains qui pourraient aspirer à une définition moins étroite pour leur art .
Au Soudan des années soixante-dix, l’ Etat de la classe moyenne arabo-musulmane a favorisé l’ installation officielle d’ une tendance artistique dite de “ l’ Ecole de Khartoum” dans les arts plastiques.
L’ objectif déclaré des animateurs de l’ Ecole de Khartoum (dont certains comme Salahi, Shibrain et Abdelaal étaient des hauts responsables dans les appareil de l’Etat et du parti unique au pouvoir ainsi qu’à l’ Ecole des Beaux Arts de Khartoum) était de restaurer une authenticité culturelle soudanaise. L’“Art Soudanais” qu’ils soutenaient était l’expression d’un métissage d’éléments traditionnels africains et arabes. Mais ce métissage des cultures devait se faire dans le cadre de la culture islamique. Dans leurs productions- notamment graphiques- l’ accent était mis sur les références à la calligraphie arabe et aux ornements dits “ africains” . L’ âge d’ or de l’ Ecole de Khartoum a été également marqué par la marginalisation de nombreux artistes soudanais importants restés dans l’ ombre car leur travail n’ était pas intégrable dans la perspective idéologique officielle (2). Le mécénat “ idéologique” semble être le seul mécénat important dont bénéficient les formes modernes de l’ art en Afrique. Une situation proche de celle du Soudan est mentionnée par S. Littlefield Kasfir dans son livre bien documenté “ L’ Art contemporain Africain” . L’ éclairage que Littlefield Kasfir offre sur la situation sénégalaise est valable pour de nombreux pays africains :
“ S’ il est vrai que l’appui dont ont bénéficié les artistes sous le patronage de Senghor a été extraordinaire, il avait en revanche de sérieuses limites , car pour recevoir le soutien total du gouvernement, les artistes devaient souscrire à l’ idéologie officielle de la négritude qui, une fois transposée à une série de pratique formelles, finissait par engendrer sa propre forme d’académisme. Ce qui avait commencé comme une expérience faisant preuve d’un esprit d’ouverture, évolua et se durcit en une politique culturelle officielle, entraînant la disparition de toute critique sensée.”(3)

Les vigiles de l’ Utopie

A Londres, lors de la manifestation “Africa 95”, le débat sur la définition de l’ art africain contemporain était inévitable lors du colloque “ African Artists, school,studio and society”, organisé par la “ School of Oriental and African Studies”. Une discussion passionnée eut lieu autour des propos de Jean Clair publiés dans “The Art Newspaper” de Juin 95. Les propos de Jean Clair furent interpretés comme l ‘illustration d’une certaine résistance européenne à l’ idée d’ un art africain contemporain. Interrogé sur sa position à l’égard de la participation des artistes du Tiers Monde à la Biennale, Jean Clair, alors Directeur de la Biennale de Venise, avait déclaré :
“ J’ai toujours trouvé cela complétement aberrant, l’idée que nous avons de l’art ou de l’activité artistique est strictement restreinte à l’ Occident et toute intention pseudo-généreuse d’ouvrir nos musées, galeries et biennales aux “artistes” du Tiers- Monde, représente, à mon avis, la touche finale d’un néo-colonialisme erroné. (...) Ainsi il n’ y aura pas d’ artistes du Tiers Monde. Cela serait un abus du pouvoir, un abus de langage, et pourrait impliquer un amalgame de choses complètement incompatibles.
D’autre part, le problème majeur de cette fin de siècle sera soulevé, celui des cultures étrangères à la culture occidentale, qui ont une conception de l’image, de ses pouvoirs et de ses statuts bien différente de la notre. A présent , ces cultures
s’accroissent dans une phase conquérante de telle sorte que nous ne pouvons pas être tout à fait sûrs que les grands musées que nous ouvrons seront encore là dans
quelques années. Quand on regarde ce qui se passe actuellement en Algérie...tout ce que nous considérons comme établi, l’ensemble du système culturel basé sur le culte de de l’image , pourrait être complétement balayé en deux ou trois décennies. Je dis cela avec une totale sérénité. Ce n’ est pas une vision pessimiste des choses. Je crois que les civilisations évoluent et disparaissent” .


Que faire de tels propos ? Les condamner au nom de l’ égalité entre les cultures serait manquer de respect à un homme de la finesse intellectuelle de Jean Clair, d’autant plus que ces réflexions “ prémonitoires” gagnent en gravité quant on les relit après la récente destruction des statues de Boudha par le régime afghan des talibans.
Certes le propos de J. Clair évoque la célébre parole de Rudyard Kipling :
“Oh, East is East , and West is West, and Never the twain shal meet,
Till Earth and Sky stand presently at God’s great Judgment Seat..”
Mais si Kipling , dans sa “Balade d’Est en Ouest” , affiche la fierté d’ un conquérant colonial , J. Clair, dans une parole en forme de Boomrang, exprime son inquiétude à
l’égard des effets pervers du néocolonialisme sur les cultures du Tiers Monde. Mais de là où il parle , de là où il dit “nous”, son propos s’ouvre sur un ambitieux projet culturel dont la finalité serait de préserver l’ intégrité culturelle de ceux du Tiers Monde comme celle des occidentaux :
Que chacun reste chez soi ! ( Comme ça le village de Colombey-les -deux-Eglises - cher au Général de Gaulle - n’aura pas deux mosquées!)
Cependant cette volonté de préserver l’intégrité de l’art européen d’éventuelles profanations tiers-mondistes, semble arriver trop tard , car les artistes européens ont beaucoup voyagé “ailleurs” que dans le monde occidental. Ils ont en quelque sorte suivi le mouvement de l’histoire coloniale et néo coloniale. Ils ont voyagé avec les troupes, ils ont dominé avec les colonisateurs, ils ont vampirisé avec les
néo-colonisateurs , et maintenant ils se métissent avec les Autres sous l’ oeil
bienveillant des machines globalisantes. Qui peut leur jeter la pierre à ces braves gens ? Moi, bien entendu, en ma qualité de fils illégitime d’une tragique adultération néo-coloniale du rêve humanitaire, je peux jeter la pierre aux artistes européens qui ont abusé de ce privilège coupable de ne pas être les victimes dans un monde partagé entre victimes et bourreaux. Mais pour l’instant, jeter la pierre aux artistes européens n’est pas une priorité. La priorité est d’en faire des alliés dans le combat contre l’ exclusion et pour un partage plus équitable des biens de ce monde. Comment? Je ne sais pas encore mais je le saurais peut être en cherchant avec ces alliés rusés que sont les artistes.
Vouloir fermer les portes des musées, galeries et biennales du monde occidental aux artistes du Tiers Monde ne semble pas être la bonne solution non plus, puisqu’ils y sont déjà. Actuellement il n’ y a pas une métropole occidentale qui se respecte, qui n’ait pas son ou ses institutions muséales consacrées aux arts extra européens. Dans un sens, les propos de Jean Clair ne servent donc qu’à irriter les artistes qui se disent artistes du Tiers Monde et leurs protecteurs européens. Mais au delà de la colère des uns et des autres, les propos de Jean Clair posent le problème de ces institutions
“pseudo-généreuses” qui oeuvrent en faveur des artistes extra européens.
En ce sens, les soupçons d’ abus moral néocolonialiste que Jean Clair adresse aux institutions européennes du patronage de l’art extra-européen semblent légitimes.
En effet, les propos de Jean Clair mettent en question le rôle ambigüe des mécènes européens de l’art contemporain extra-européen. Ces mécènes qui se spécialisent dans des catégories de l’ art extra européen finissent par se déclarer “experts” en la matière. Et comme ils sont liés entre eux, ils finissent par former un réseau de personnes qui se retrouvent régulièrement, au cours de manifestations artistiques organisées ici et là par des Etats ou par des institutions et des fondations privées. Cependant, si on prend l’exemple de l’art africain contemporain comme une raison d’être de cet extraordinaire réseau de professionnels, on constate que cet art africain semble rester curieusement etranger non seulement aux Africains mais aussi au marché de l’ art international.


L’art africain contemporain n’ est pas “coté” au même marché de l’art que l’ art européen, bien que certains collectionneurs et certains commissaires d’ art ethnique y voient “ le business de demain”. Il serait aberrant de dire que l ‘art africain contemporain “échappe” à la loi du marché, car rien n’ échappe à La Loi du monotheïsme marchand. Mais la complexité des liens entre les Africains et les Européens affecte de manière très particulière le type du marché que la société capitaliste contemporaine réserve à la production des artistes africains . Jusqu’à maintenant, l’Europe laisse aux artistes africains une” part de marché symbolique”, car l’ art africain reste pour les Européens le lieu de tous les phantasmes. On y dispose de la plus grande liberté de refaire l’image du monde, celle des Africains (les éternels “Autres” ) et de soi-même selon les humeurs et les circonstances .. L ‘art africain, selon Pierre Gaudibert, qui a organisé, en septembre 1990, une exposition de 64 artistes sénégalais contemporains à l’Arche de La Défense, “est une grande réserve du sacré” et les artistes européens, en manque de sacré, peuvent y ” puiser leur force”. Mais
l’art africain est aussi l’eldorado de tous les samaritains des cultures ( ethniques) en danger, à l’ image de Horst Schauer-Köller, un collectionneur allemand, qui a ouvert à Paris , en 1994, une galerie d’ art pour exposer la production des artistes arabes et africains . interviewvé par la revue Jeune Afrique(13 mars 94), il déclare: “(...)Je me suis pas mal promené, au Maghreb, en Afrique et (...) j’ ai vu le travail remarquable accompli par les artistes de ces pays. Je voulais montrer qu’ils ont la même valeur que les artistes français, européens ou américains. Certains font même des choses beaucoup plus intéressantes , plus fortes (...) Et puis, je pense sincèrement qu’ils ont quelque chose à dire au monde occidental. Mais le public occidental, souvent, ne connait même pas les plus célèbres des artistes arabes et africains (...) Il m’a semblé qu’ il y avait là, sinon une injustice, du moins une aberration”.
Pratiquement , il n’y a pas un seul montreur d’ art africain qui ne soit animé par un projet de “ sauver” les artistes africains. Mon projet préféré reste celui de Catherine M. dans le livre de C. Millet “La vie sexuelle de Catherine M.” (p.11) : “Parvenue à l’ âge de fréquenter le catéchisme, j’ai un jour demandé un entretien au prêtre. Le problème qu’ il fallait que je lui expose était le suivant : je voulais devenir religieuse, “ épouser Dieu” et partir missionnaire dans une Afrique où pullulaient les peuplades démunies, mais je souhaitais aussi avoir maris et enfants.Le prêtre était un homme laconique qui coupa court à l’entretien, jugeant ma préocupation prématurée.”
Dommage que Catherine M. ne soit pas venue nous sauver en Afrique comme elle a sauvé l’Art Contemporain en France. Les prêtres du néocolonialisme nous ont envoyé des professionnels de l’ artafricanisme qui voient l’Afrique comme une réserve
d’artistes prêts à se vendre pour parvenir à payer, en “monnaie de sang” noir, le prix de la survie dans le monde de l’ art européen .
La situation de la mise hors le marché réel que vivent les artistes africains pourrait légitimer les soupçons de Jean Clair à propos de la nature du mécénat que les artistes extra-européens subissent dans certaines institutions européennes du patronage .Des institutions “réserves“ où chaque catégorie ethnique a sa ou ses lieux d’ exposition, bien que, lors de certaines occasions , tous ”ces gens là” se retrouvent dans un bloc uni en tant que l’ “autre” de l’ Occident européen.
Dans les “ réserves” consacrées aux artistes africains, les créateurs sont exposés notamment , voire uniquement, en leur qualité de personnes noires porteuses d’une âme négre et c’ est peut être cela qui explique que des catégories politiques absurdes comme l’ Afrique Noire et l’ Afrique Blanche soient encore entretenues dans l’ esprit des montreurs de l’ art africain.

Tout au long de leur relation à l’ Afrique, les Européens ont élaboré un artisanat particulier de l’ exposition à l’ égard des produits de la culture africaine.
Un artisanat défini , d’ une part, par certains ethnologues qui se sont improvisés commissaires d’exposition, à une époque où “l’ exposition d’ art ” a évolué en une discipline artistique à part entière et, d’ autre part, par une foule de trafiquants -incluant entre autres ,des commissaires d’ expositions (qu’est ce qu’un commissaire
d’exposition?) - tous amateurs d’ ethnologie. Aujourd’hui, plus personne ne soupçonne
l ‘ethnologie d’une quelconque intention malveillante à l’ égard des peuples extra-européens car, l’ethnologie, ce cheval de Troie colonial, s’ est métamorphosée, sur la scène médiatique européenne, en une icône du Tiers-mondisme militant.
Cependant, si les ethnologues ont contribué à l’introduction et au maintien de l’art africain sur la scène artistique européenne, ils ont, en même temps, marqué cet art africain du sceau de l’ ethno- esthétisme. Les commissaires d’expositions, ayant découvert l’art africain dans le regard des ethnologues, ont donc défini un espace
d’exposition dans lequel la référence ethnologique est devenue systèmatique. L’art qui vient de l’ Afrique a donc nécessité une nouvelle mise en scène inspirée par l’ attitude ethnologique des commissaires européens. Mais le lien entre l’art africain et l’ethnologie montre que les européens ont, depuis longtemps, choisi de voir l’Afrique à travers les reflets des vitrines des musées ethnographiques. C’est une ruse très habile parce que la vitrine du musée offre une certaine protection comme le celèbre bouclier/ miroir qui permit à Persée de voir le visage de Méduse sans risquer d’être changé en pierre. Dans ce confort moral, les braves visiteurs des musées européens ont pu voir de nombreuses Méduses africaines, depuis que l’Afrique a trouvé sa propre place dans la tradition européenne de l’”installation” muséographique . La mise en scène des corps africains dans les musées européens est une pratique qui s’est constituée entre les lieux de la science (les musées) et ceux du spectacle ( cirque et foires) ou même dans des lieux intermédiaires comme les zoos. C’est ainsi qu’en 1895, le Jardin d’Acclimatation de Paris a exposé des Africains “Achantis” dans des cages. Quelques décennies auparavant, en 1810, Saartje Baartman, jeune femme bochimane, dite “Vénus Hottentote”, avait été envoyée à Londres pour y être montrée dans les amphitheâtres, les salons et les foires. A son arrivée en France “un dresseur d’ animaux
l’intégra à son spectacle (...) Elle mourut en 1815 d’ une inflammation, à la suite de quoi ses organes sexuels furent disséqués. Ces derniers peuvent être vus, aujourd’hui encore, au Musée de l’Homme à Paris.”(4) Mais l’ histoire naturelle de la barbarie européenne en Afrique n’ a pas encore révélé toutes ses horreurs muséologiques :
L’Agence Associated Press a rapporté le 30 juin 2000 que les autorités espagnoles avaient décidé de renvoyer au Botswana, afin qu’il y soit enterré, le corps empaillé d’un homme africain qui était exposé depuis 1916 au Musée de la ville catalane de Banyoles Ce corps a été volé de sa tombe en Botswana, au 19ème siècle, par un empailleur français appelé Edouard Verraux, qui l’ a vendu au naturaliste espagnol Francisco de Darder, qui, à son tour, l’a intégré dans la collection du Musée d’Histoire Naturelle de Banyoles.
La mise en scène de la culture africaine chez les pionniers français de l’ ethnologie africaine ne peut pas échapper à son histoire négro-nécrologique. Un bon nègre est un nègre “empaillé” y ferait écho à la tristement célèbre phrase des racistes blancs qui ont peuplé pendant longtemps les westerns hollywoodiens :” A good indian is a dead indian !”.
Dans la même logique, pour contribuer au financement de la Mission ethnographique Dakar-Djibouti, mission officielle destinée à rapporter des renseignements ethnographiques sur les populations africaines, un gala de boxe fut organisé au Cirque d’ Hiver de Paris le soir du 15 avril 1931.
Al Brown, boxeur noir américain, “mit son titre en jeu pour que la terre de ses ancêtres fut mieux connue, pour que ses “frères de couleur” fussent mieux considérés. Le match - spectacle d’Al Brown, selon les termes de Jean Jamin, dans l’introduction de l’ouvrage Miroir de l’ Afrique de M. Leiris, était appelé ”à mettre en scène - en jeu plutôt -le corps nègre dans ses performances les plus physiques et , par définition, les plus naturelles (...)Le soir du gala (...) quatre gardiens en uniforme du musée ethnographique du Trocadéro avaient été postés aux quatre coins du ring . Ainsi mis sous “surveillance”, le Noir qui combattait ce soir-là préfigurait ces “objets nègres” que , deux ans plus tard, la Mission rapporterait de la terre de ces ancêtres et exposerait dans les galeries renovées du musée d’ ethnographie, dans la même proximité du regard des gardiens”(5).
Dans ce contexte, les artistes africains qui ont compris la nature de l’attente des mécènes européens de l ’art africain, se sont mis au travail, avec acharnement et non sans élégance pour produire des objets extraordinaires d’un art africain européen sans risque. Mais cet art africain reste marqué par le fait qu’il n’a pas sa place dans le marché de l’art car il n’ est pas “plaçable” dans les établissements du marché. Il n’est pas coté, ses artistes ne sont pas répertoriés dans des catégories bien définies et les documents sur leur motivations et leurs conditions de travail sont peu disponibles, voires inexistants. Bref, beaucoup de travail documentaire et conceptuel reste à accomplir pour que les artistes africains puisse intégrer le marché de l’ art .
Mais si les artistes africains n’ existent pas sur les vitrines du marché international de l’art, comment donc expliquer leur notoriété médiatique dans le paysage artistique européen ? Je pense que les artistes africains qui peuplent la scène médiatique actuellement y sont convoqués par les mécènes européens, en tant que témoins de
l’état de la réflexion autour du thème de l’ identité européenne. Mais pourquoi donc les Européens ont -ils besoin des artistes africains pour réfléchir sur leur propre identité culturelle? Pourquoi les Européens, devant le miroir de fin du millénaire, ont -ils besoin de porter le masque de l’ art africain pour regarder l’ état de leur identité ? Quelle sont ces aspects indésirables de la mutation identitaire européenne que le masque de l’art africain pourrait occulter ? Pourquoi tant de médiatisation des inquiétudes européennes sur le sort de l’ identité culturelle des Africains alors que les problèmes réels de survie africaine ou de sous développement africain ne trouvent de la part des média européens qu’une indifférence totale?
Je pense que la culture européenne ne s’est jamais montrée aussi préoccupée par la problématique de l’identité culturelle. Peut être parce que les Européens vivent aujourd’hui l’effondrement de nombreux repères culturels sur lesquels ils avaient construit l’image glorieuse qu’ils ont d’eux même depuis le Moyen Age.
Je pense que ce sujet de l’ identité semble justifier la majorité des manifestations artistiques européennes de ces dix dernières années sur le thème de la confrontation, du dialogue et du métissage entre les identités des uns et des “autres”. Et si Jean Clair, en tant que directeur de l’exposition centrale de la Biennale de Venise de 1995 , construit son exposition, exclusivement européenne, sur le thème ” Identità e alterità”
( Identité et alterité : une Brève histoire du corps humain à travers le siècle) , c’est peut être parce que l’ art est devenu l’un des rares lieux où les Européens peuvent encore s’interroger sur la validité d’ une identité communautaire. Je pense que le thème de \par l’exposition de Jean Clair s’ inscrit également dans l’ inquiétude identitaire que les Européens ont, pendant des décennies, projeté sur les Africains. Aujourd’hui, la majorité des expositions européennes sur l’ art africain se définit directement ou indirectement par rapport au thème de l’ identité. Or dans l’état actuel de la crise identitaire européenne, les Africains semblent être plus aptes à porter le fardeau des âmes blanches menacées par une étrange épidémie de mutation existentielle.
Ainsi pour se préserver en tant que telle, l’identité européenne convoque son “ autre”, son “autre même”, qu’ elle s’ est fabriqué de toutes pièces à partir de sa vision historique. Cette image européenne de “l’ autre” dont les artistes nègres semblent être naturellement dépositaires, s’impose davantage lorsque les Européens prennent conscience que les frontières entre eux et les autres n’ existent plus, que leur identité européenne n’ existe que dans l’ imaginaire muséographique et que ce vieux privilège de désigner “ l’ autre” est caduc dans un monde où on ne peut être que “ l’ autre” de quelqu’ un d’ autre. “L’ autre”, tel que l’ “artafricanisme” européen le façonne est une ambiguïté conceptuelle qui permet aux Européens d’ être à la cité européenne et de se voir marcher dans la brousse africaine en même temps. Cette aberration conceptuelle semble être la seule réponse que les Européens ont fournie, depuis des décenies à la question de l’art et de la culture des Africains. Ce
n’est pas une bonne réponse, car, d’ une part, elle empeche les Européens de voir les Africains dans leur complexité réelle mais, d’ autre part, elle offre aux Européens un miroir déformant pour se voir dans leur “autre” africain .
Je pense qu’en tant qu’ Africains, nous avons grand intérêt à ce que nos alliés, parmi les Européens, aient un regard juste sur eux-même comme sur nous. Sinon, notre alliance, qui est une nécessité de survie pour nous tous, sera minée par les
malentendus.
Les objets de l’ art africain contemporain trouvent donc un” placement” de choix dans les institutions de l’ ethno- esthétisme, comme les musées ethnographiques , les centres d’ études africaines,les galeries spécialisées dans l’ art extra-européen et les manifestations périodiques et autres festivals consacrés à la célébration de l’art africain.Aujourd’ hui ,tous les pays européens sont dotés de ces machines de guerre ethniques qui s’ avèrent d’ une redoutable efficacité ,car, sous leur camouflage culturel, elles contribuent à la restauration de cette vieille échelle de valeur selon laquelle les êtres humains sont classables entre les deux infinités du barbare et du civilisé. Ainsi la démarche ethnographique qui consiste à chercher les autres , à les découvrir, les comprendre et les expliquer aux siens , cette démarche , en apparence innocente, ne se fait jamais dans la neutralité scientifique car elle s’ inscrit inévitablement dans le rapport de force entre les forts et les faibles .Son utilité première- pour les forts- est d’ intégrer les faibles dans le monothéisme du marché capitaliste de manière définitive. Bien entendu il ne s’ agit pas de condamner l’ ethnologie africanisante en tant que discipline, simplement parce que les néo-colonisateurs bénéficient de ses trouvailles. Le jour viendra où les africains en bénificieront pour la reconstruction d’ une nouvelle société africaine.Mais il s’ agit ici d’ éclaircir la face sombre de l’ ethnologie africaine, là où de nombreux négrologues européens de l’ art semblent trouver refuge, loin de l’insoutenable modernité néocoloniale du continent africain. J’ entends par “ modernité néo-coloniale” cette modernité faite, dans le sous-développement l’endettement, les famines , les guerres dites ethniques ( entre l’ ethnie Elf et l’ ethnie Shell par exemple!) et l’ artafricanisme aussi. .
J’ emploie le terme d’“artafricanisme” pour désigner un certain art africain contemporain fabriqué, et instrumentalisé par les instances politiques européennes et africaines dans le cadre des rivalités économiques et politiques qui animent les relations
afro-européennes depuis l’ époque coloniale. Cet art africain contemporain est le produit naturel d’ une dynamique culturelle artificielle. Dynamique créée par les montreurs des cultures extra-européennes en Europe et en Amérique.




Cette dynamique à visage humanitaire , a favorisé le développement d’un discours générique ethno-esthétique qui s’adapte facilement à toute les variations particulières de l’art extra-européen. Dans cette littérature se dessine une pensée faite à partir du détournement des trouvailles de l’ethnologie sur le thème d’une identité communautaire qui transcende le temps et l’ espace. L’élaboration d’un cadre théorique pour les agissements ethno-esthétiques a souvent été motivée par une demande pressante des institutions politiques et/ou par celles du marché. Ainsi les grandes manifestations fondatrices de l’art africain contemporain, ont souvent été soutenues par des Etats européens et américains impliqués, directement ou indirectement , dans les conflits africains de la guerre froide. Des institutions historiques comme celles de l’ art moderne en Afrique ne pourraient exister sans les efforts des états européens. Les exemples sont nombreux. Ainsi, les“Centres d’ Art Africain” créés par le peintre amateur belge Pierre Lods à Brazaville et ensuite à Dakar (1961), ont été soutenus par l’Institut Francais d’Afrique Noire (IFAN) . L’IFAN a également créé le musée d’ art africain à Abidjan. Frank McEwen, collectionneur et adminstrateur colonial occupait le poste de directeur de la National Gallery en Rhodésie de 1956 à 1973. Pour l’exposition inaugurale de la galerie nationale, honorée par la Reine d’Angleterre, McEwen a fait venir des oeuvres européennes ”de Rembrandt à Picasso”. Dans une section de l’ exposition, il a accroché côte à côte des oeuvres d’ artistes modernistes
européens et des sculptures africaines ( voir E. Court in Seven Stories About Modern Art In Africa, catalogue d’exposition, Whitechapel Art Gallery , London 1995, p. 298). Pendant les années soixante, de nombreux centres d’ art ouverts au public selon le modèle de “Mbari club” ont été inaugurés à Ibadan, Lagos et d’ autres villes de Nigeria. Ces centre de création artistique ont, en majorité été financés par les USA ( probablement par la CIA)( voir E. Court, Seven Stories..).
De même, l’art africain n’ est pas resté neutre dans les conflits entre les pays africains . C’est ainsi qu’en 1976, au Festival de Culture Africaine (FESTAC) de Lagos au Nigéria, une dispute entres les délégations , notamment sénégalaise et nigérienne , à propos du nom du festival s’est inscrite sur fond d’un bras de fer entre la France et ses concurrents anglo-saxons en Afrique, pendant le conflit du Biafra.( Voir F.X. Verschave, La France Afrique, Stock, 1999, p. 137).
Aujourd’ hui, que cela soit en Afrique ou en Europe, toute manifestation artistique internationale( Expositions , Biennales ou Festivals) sur la culture africaine ne peut avoir lieu sans le soutien “massif” des pays européens.
Dans ce contexte ,les montreurs européens de l’art africain ont fini par créer un type
d’art africain, l’”artafricanisme”, dans lequel certains artistes africains ont trouvé un moyen de montrer leur production artistique en dehors de l’Afrique. Cette pratique de production esthétique initiée par des instigateurs européens était destinée à restaurer l’authenticité de l’ identité culturelle africaine. Enfermés dans des lieux qu’ils ont inventés, les montreurs de l’art africain sont naturellement plus accueillants à l’ égard des artistes africains qui revendiquent le type d’ authenticité africaine conforme à ces lieux. L’ennui avec ces montreurs de
l’artafricanisme, aussi bien en Europe qu’en Afrique, c’est que ces artisans de
l’exposition sont souvent trop intégrés dans des institutions politiques ou dans celles du marché pour prétendre à l’innocence et à la neutralité scientifique des ethnologues. Mais qui a besoin de l’innocence des ethnologues quand les enjeux sont d’ une importance aussi remarquable que ceux qui animent les conflits actuels en Afrique? Dans l’ état actuel des choses, je pense que, si un jour une certaine ethnologie “éthique”(?) commence à entraver le business politique qui a engendré l’artafricanisme, les bussinessemen du néo-colonialisme sont assez puissants pour réinventer leur propre ethnologie ( si ce n’est pas déjà en cours!).
Après tout , pourquoi suppose-t-on que les ethnologues sont plus ”résistants”que les commissaires d’ expositions ?
Et si les Européens ne veulent ou ne peuvent sortir des schémas coupables - mais rentables ! - de l’ artafricanisme, que faire donc pour que les Africains puissent penser
l’art et la culture en relation avec les réalités de l’ Afrique?
Les réponses à ces questions se trouvent plûtot sur le terrain de la géopolitique que sur celui de l’ art, en tout cas pas sur celui de l’ artafricanisme qui n’ est qu’une machine de guerre ethnique que le néocolonialisme a hérité du colonialisme, une machine parmi d’autres..Et si une partie des artistes africains a , pour des raisons de survie, adhéré à l’artafricanisme des Européens, les conséquences de cette adhésion restent superficielles dans la conscience artistique des sociétés africaines. Certes, cette adhésion ne peut en aucun cas empêcher ces artistes “africanisants” de prétendre à
l’africanité de leur art. Tous les goûts sont dans la culture africaine. Ceci étant dit,
l’artafricanisme des artistes africains est vu du coté du continent africain comme une affaire qui concerne les Européens. En effet, ses centres de mécénat les plus efficaces sont européens, ses manifestations les plus importantes se déroulent en Europe, ses publications et ses débats s’adressent au public européen tandis que ses figures emblématiques , ses “vedettes”, sont mieux connues dans les pays européens que dans leurs propres pays .En Europe et en Amérique, les artistes africains sont accueillis, notamment- voire exclusivement - en tant que nègres porteurs de lumière noire” dans les institutions européennes de l’ ethno-esthétique telles que the African American Institut de NewYork, the National Museum of African Art de Washington, the Commonwealth Institute de Londres, Iwalewa Haus de Bayreuth, Haus der Culturen der Welt de Berlin...etc
Un parcours rapide des programmes des expositions de ces institutions, durant les deux dernières décennies, pourrait confirmer le sens de mon propos sur l’exclusivité négrologique de ces temple de l’ artafricanisme. Depuis une décennie, grâce aux festivités ponctuelles, les lieux européens de célébration de l’ artafricanisme abondent et dépassent même le cadre des institutions ethnologiques universitaires et muséales. Ils semblent devenir plus diversifiés et plus populaires . Si on prend l’exemple de la France, on constate facilement qu’un nombre croissant de villes française rende un hommage périodique à l’art africain, à travers la forme du festival . De même, le Musée de l’Homme a depuis deux décennies passé la main à d’ autres institutions plus dynamiques comme l’ Association Française d’Action Artistique ( Afrique en Création) au Ministère des Affaires Etrangères ou Le Musée National des Arts d’Afrique et d’ Océanie de Paris (dirigé par Jean Hubert Martin, célèbre pour avoir organisé l’ exposition “Magiciens de la Terre en 1989). Ces machines sont tellement bien rodées qu’elles sont maintenant aptes à gérer de grandes manifesatations artistiques du genre Biennales, Congrés ou Festivals, non seulement en France , mais partout dans le (Tiers) Monde où leur service est sollicité .
Ainsi, en 1997, Cheri Samba, l’artiste congolais a été invité à exposer ses peintures - dites “naïves”- au Musée National des Arts d’ Afrique et d’ Océanie. Mais Samba s’est révélé inspiré quant il a pointé “naïvement” la dérive ”Apartheid” de l’ Artafricanisme des institutions muséographiques en France. Interrogé par Le Monde (10/8/97) au sujet de son exposition au Musée National des Arts d’Afrique et d’ Océanie, il répondit :
“Le Musée National des Arts d’ Afrique et d’ Océanie, c’est très bien. Mais pourquoi ne suis-je pas invité au Musée d’Art Moderne ? Le Musée d’ Art Moderne serait-il raciste?”
Bien entendu “ raciste” n’est “ naïvement” pas le bon mot, néanmoins le Musée d’Art Moderne demeure “raciste” comme tous les autres musées, y compris les musées des arts africains et océaniens qui se montrent peu intéressés par l’art des artistes blancs européens.
Par son insolence naïve Cheri Samba se pose en passerelle scandaleuse entre les deux extrèmes de l’ artafricanisme francais : d’ un côté, Jean Clair, en sévère gardien d’une fragile utopie européenne piégée par ses vieilles querelles d’images saintes , de l’ autre, Jean Hubert Martin, en Noé rusé qui, face à la menace du déluge capitaliste globalisant , tente d’ intégrer toutes les identités culturelles dans l’ Arche de l’Occident qui serait l’incarnation du rêve d’une utopie humanitaire sans frontières : Le paradis des cultures !

Les passeurs ambigues

Opposer ainsi J. Clair à J. H. Martin- bien qu’ils soient tous deux sortis du manteau de Michel Leiris, grand esprit de l’ethnologie anticolonialiste- permet d’ établir une cartographie des ambiguités conceptuelles qui lient l’art des Africains à ce que les Européens nomment l’Art. Si je dis “ les Européens” alors qu’il est question de deux personnalités francaises, c’est que l’ image du courant dominant de cet art africain semble être forgée par des institutions francaises depuis l’époque de la colonisation. Bien entendu la situation est complexe, mais à travers sa complexité, l’art africain, en tant qu’ invention européenne, a su garder cette particularité dérangante d’être aussi une machine d’ exclusion qui fascine ceux qui pratiquent l’ exclusion tout comme ceux qui la subissent . Du côté de J. Clair qui semble jouer le rôle de gardien de l’ identité européenne de l’ art, les choses sont simples à qui souhaite les simplifier :
Les extra-européens sont différents. Ils sont étrangers à notre conception esthétique et ne comprennent pas ce que nous faisons depuis des siècles. Si on les laisse pénétrer dans notre culture européenne, ils pourraient nous nuire tout comme ils pourraient porter atteinte à leur propre intégrité culturelle. En conséquence, restaurons nos remparts et multiplions les contrôles aux frontières culturelles entre notre monde et les leurs !
Dans cette logique, J.Clair ne se contente pas de donner des conseils sur ce qu’il convient de faire mais il s’ engage activement dans le débat en cours autour de l’identité culturelle. Débat dans lequel il se trouve un adversaire “de taille” en la personne de Jean-Hubert Martin. Mi-ethnologue et mi-commissaire d’ exposition, J.H. Martin se pose comme l’opposant complémentaire de J Clair sur la scène artistique européenne. Dans sa préface du catalogue de l’ exposition “Magiciens de la Terre”,
J.H. Martin définit le débat - à l’ intention de Jean Clair probablement- comme une réflexion sur l’ identité d’ un art européen destiné à intégrer les arts des sociétés extra-européennes. L’ accent polémique de son propos de mandataire culturel officiel devrait rassurer certaines instances du pouvoir politique peu sensibles à la chose artistique :
“ (...)L ‘ idée communément admise qu’ il n’ y a de création en arts plastiques que dans le monde occidental ou fortement occidentalisé est à mettre au compte des survivances de l’ arrogance de notre culture. Sans parler de ceux qui pensent toujours que, parce que nous possédons une technologie, notre culture est supérieure aux autres; même ceux qui déclarent sans ambage qu’ il n’ y a pas de différence entre les cultures, ont souvent bien du mal à accepter que des oeuvres venues du Tiers-Monde puissent être mises sur un pied d’ égalité avec celles de nos avant-gardes . La résistance s’ avère ici beaucoup plus forte que dans les autres domaines culturels: musique , théatre, spectacles et litttérature.” (6) .
Dans une complementarité critique où l’ Europe est assimilée à l’ Occident, J.H. Martin et J. Clair contribuent , chacun à leur manière, à mieux restaurer la ligne de frontière entre les cultures européenes et extra-européennes , entre le monde développé
(civilisé) et le monde sous-développé ( barbare).

Mais, de son côté, J. Clair, dans le rôle d’Européen propriétaire de l’univers, renforce les frontières existantes en excluant les deux tiers de l’ humanité hors de la tradition culturelle européenne. Mais cette exclusion est impossible dans le monde actuel dans lequel la tradition culturelle européenne, par le biais du marché, a imposé ses repères dans l’ espace et dans le temps de tous ceux qui participent à la culture du marché. Que nous soyons africains, asiatiques ou européens, nous nous nourrissons tous de la même tradition culturelle, celle du marché capitaliste. Jean Clair qui sait que ses contemporains algériens ou afghans sont désormais inexpulsables de la tradition culturelle européenne, ne peut donc préserver l’ identité esthétique européenne que lorsque cette identité est projetée dans un passé précapitaliste. Epoque où il existait encore des frontières entre les cultures, époque où l’Europe existait en tant qu’entité distincte capable de se voir toute entière dans le miroir des autres et de se demander: comment peut-on ne pas être européen ? Dans cette logique là, J. Clair est capable de dénoncer ( à juste titre d’ ailleurs!) les ravages du néocolonialisme dans les cultures extraeuropéennes- assimilées à des cultures pré-capitalistes- tout en se positionnant comme le gardien suprême de la culture européenne.
Du côté de J.H. Martin, la frontière de la culture européenne est dessinée en creux et J.H. Martin renforce les frontières des autres. Selon lui les extra-européens existent en tant qu’égaux comparables et opposés aux Européens. Ils sont capables du regard inverse, ils peuvent “ renverser la vapeur “ - selon l’ expression ambigüe qui a servi de slogan à la première Biennale de l’ Afrique du Sud d’après l’ apartheid.La logique de J.H. Martin, qui n’ est pas moins alambiquée que celle de J. Clair, consiste à “ethniciser” la culture européenne au même titre que les autres cultures, de manière à développer une sorte d’unité globale entre les diversités ethniques et culturelles du monde, toutes légitimisées par leur capacité ou par leur désir, de s’ intégrer dans l’utopie européenne, qui- en sa qualité d’ initiatrice du projet -revendique le monopole de sa gestion.
Ethniciser l’ Europe par le biais du regard inversé est un souhait pathétique formulé par Michel Leiris , père illégitime de l’ artafricanisme, pour remédier à cette coupable posture de l’ ethnologue missionné par les instances du marché : “.. c’ est de l’ Etat que nous tenons nos missions, nous sommes fondés moins que quiconque à nous laver les mains de la politique poursuivie par l’ Etat et par ses représentants à l’ égard de ces sociétés choisies par nous comme champ d’ étude .. “ (7)
Cependant, J. H. Martin , nous le verrons , ne marche pas tout-à -fait dans les pas du grand maitre de l’ artafricanisme. Si l’ on ne prête pas attention à son aspiration humanitaire, l’idée de Michel Leiris était aussi subversive que naïve,dans sa reflexion sur le rapport de l’ ethnographie au colonialisme. (8) Leiris lance cette idée “surréaliste” qui recuse le principe même de l’ ethnographie comme discipline colonialiste :
“ Si l’ on regarde l’ ethnographie comme une des sciences qui doivent contribuer à l’élaboration d’ un véritable humanisme, il est à coup sûr regrettable qu’ elle soit restée, en quelque manière, unilatérale. Je veux dire par là que, s’il y a bien une ethnographie faite par des occidentaux étudiant les cultures des autres peuples, l’ inverse n’existe pas. (...) Du point de vue de la connaissance il y a là (...)une sorte de déséquilibre qui fausse la perspective et contribue à nous assurer dans notre orgueil, notre civilisation se trouvant ainsi hors de portée de l’ examen des sociétés qu’elle a , elle, à sa portée pour les examiner”(9).
Il s’agit pour M. Leiris d’ une réparation qui touche à l’ efficacité méthodologique de la science ainsi qu’ à l’ humanité des hommes .C’est donc d’un partage d’ ethnologie que M. Leiris parle lorsqu’en 1950, à l’ Association des Travailleurs Scientifiques( section des sciences humaines) il prononce son discours “L’ ethnographie devant le Colonialisme”.
Mais ce partage,, qui consiste à ” former dans les pays colonisés des ethnographes du cru qui seraient à même de venir chez nous en mission pour faire l’ étude de nos façons de vivre”, reste miné par le rapport de force entre nations colonisatrices et nations colonisées.”Puisque - comme l’ exprime M. Leiris- ces chercheurs travailleraient d’après les méthodes que nous leur aurions enseignées et que ce serait, par conséquent, une ethnographie encore fortement marquée de notre griffe qui serait ainsi constituée” (10) .
Que faire ? Faut-il abandonner l’ ethnologie pour sauver les Africains? Non, Leiris est plus ambitieux , il compte sauver les Africains par l’ ethnologie, peut être parce qu’il sait que les Africains eux-mêmes n’auraient aucune chance d’exister dans la conscience européenne sans le faire- valoir ethnologique. Cette perspective de rejeter l’ethnologie semble effrayer tout le monde. D’une part , elle effraie les ethnologues européens et les instances qui les ont missionnés car elle les situe dans l’ angle aveugle de l’ image d’une Afrique forgée dans les zones sombres de l’ humanité européenne. D’ autre part, elle effraie tous les Africains qui ont appris à voir le continent dans le regard européen. Et comme personne n’ envisage l’ abandon d’une image immédiatement utile de l’ Afrique “ethnicisée”, M. Leiris , en sa qualité de missionné humanisant, se charge de trouver une sortie à ce dilemme colonialiste. Il tente de le faire sans abuser de l’ intégrité morale des hommes qui se regardent , chacun dans le miroir de l’autre, et sans casser la précieuse machine ethnologique que les instances du marché lui ont confiée en guise de cadeau empoisonné. Je pense que cette mission là est sans doute la plus difficille que M. Leiris ait jamais tenté d’ accomplir. Ainsi M. Leiris suppose que ” la formation d ‘ un nombre suffisant de colonisés ethnographes (...) serait utile en ce sens au moins que les colonisés, tout en se détachant de leurs coutumes ( ainsi qu’ il est inévitable ), en garderaient , peut-on croire, un souvenir plus vivant puisque ce seraient des études effectuées par les leurs “(11) . Donc, à défaut d’etnologues colonisés pour étudier les sociétés européennes , M. Leiris préconiserait de l’ ethnologie indigène à usage local, peu importe que ces ethnologues soient “marqués “ de ce que M. Leiris, quelques lignes plus haut, a appelé “notre griffe”, Désormais les ethnologues européens pourront faire leur cuisine entre européens tandis que les ethnologues du Tiers Monde( armés des griffes européennes) feront la leur entre eux, et que chacun reste chez soit selon le souhait de Jean Clair.
Ainsi Michel Leiris serait une passerelle secrète que Jean Clair pourrait emprunter vers Jean Hubert Martin et vice versa chaque fois que l’ Europe se trouve menacée par les autres .Car quand il faut compatir avec les damnés de la terre , il n’y a pas mieux que d’ agiter le concept de “Partage” avec les magiciens de la même terre, et J.H. Martin fait cela avec beaucoup de maitrise dans une France qui surveille jalousement ses intérêts dans son Tiers Monde africain. Mais quand il faut restaurer l’identité européenne, dans une Italie, qui n’a rien à perdre dans les pays du Tiers Monde , et tout à gagner en Europe, les Italiens trouvent chez le francais Jean Clair, le premier directeur non italien de la Biennale de Venise, le meilleur défenseur d’une identité culturelle européenne fondée sur un glorieux passé artistique italien. à un moment où les peuples du Tiers Monde (les Algériens ou les Afghans) font figure de barbares capables de détruire les trésors de la civilisation européenne.
Un demi siècle s’est écoulé depuis que Michel Leiris a lancé ses “voeux pieux” pour un ”partage d’ ethnologie”, mais les ethnologues africains n’arrivent toujours pas à réinventer l’ethnologie à la mesure de leurs societés dans le sens de la démocratisation et du développement économique autonome. Peut être parce que la pratique ethnologique n’ est pas envisageable en dehors de l’ intérêt” d’un marché que les Africains ne controlent pas ! “L’intérêt” ! Michel Leiris connaissait ce mot clé du
sous-développement africain depuis longtemps.

Il savait que l’ ethnologie n’échappe pas à l’intérêt du marché. Il savait que les chances de voir s’élaborer une ethnologie humaine sont “nulles” de même que la tentative de salut individuel des ethnologues est périlleuse. Il savait que l’ethnologue qui “marque ouvertement une solidarité entière avec l’ objet de son étude (...) court dans de nombreux cas le risque pur et simple de se voir privé de la possibilité même d’effectuer ses missions”(12).Devant de tels risques, le métier d’ethnologue s’élève au rang d’ une guérilla où seuls les esprits voués au martyre peuvent s’engager ! Cependant
M. Leiris n’ était pas le Che Guivara de l’ ethnologie. On ne peut pas non plus le résumer par une simple métaphore de” passerelle” à l’usage des commis du commerce international , car par son intelligence, sa finesse d’esprit , son souci de justice sociale, tout comme par ses ambiguités d’ ethnologue africanisant, il s’érige en un monument du malentendu dans l’ improbable dialogue entre les Européens et “leurs” Africains , voire entre certains Africains “ évolués” et les leurs. Michel Leiris savait que les Africains ont muté de manière irréversible vers la civilisation occidentale du marché. Il était le témoin le plus précieux de cette horrible “éducation” que l’ Europe a infligée aux africains pour qu’ ils intégrent la discipline du marché. Son carnet de voyage à travers “L’Afrique Fantôme” est une extraordinaire chronique de l’ horreur ordinaire aux temps des colonies , mais il ne manque pas aussi de soulever des questions sur les motivations de ce poète surréaliste, amateur du jazz et ami de tous les grands de l’ art moderne ( Max Jacob, Dubuffet, Masson, Miro, Tzara, Picasso... etc.). Comment peut -on vouloir être ethnologue dans une telle galère? Car, en s’ inscrivant au cours de l’Institut d’ Ethnologie de l’ Université de Paris, dès son retour de la Mission Dakar-Djibouti, en 1933, Leiris s’ engage définitivement dans l’ impasse ethnique. Désormais, il dépensera beaucoup de temps et d’ énérgie à vouloir réparer et humaniser la science ethnologique même si cela l’amène à favoriser l’ issue de la lutte armée pour la libération des peuples opprimés. “Si l’ ethnographe opère peut-être, du côté colonial, son sabordage en voulant parler trop franc, à vouloir prêter son concours éclairé aux peuples actuellement en lutte pour leur affranchissement il ne ferait peut-être, du côté du colonisé, que jouer les mouches du coche, car la libération matérielle -condition préalable à toute poursuite de vocation - ne peut s’obtenir que par des moyens plus violents et plus immédiats que ceux dont , en tant que tels, disposent les savants.”(13) Entre le moment où l’ ethnologue gifle son “ boy “soudanais , en 1932 (14), et le moment où il annonce la mort en sursis de l’ ethnologie devant le colonialisme, en 1950, Leiris accomplit une mutation catégorique pour pouvoir défendre, en 1960, le droit des ethnologues en tant qu’ “avocat désigné” des populations colonisées, devant un conseil de discipline du CNRS. Instance officielle qui lui reprochait d’ avoir signé
”le manifeste des 121”( Déclaration sur le droit à l’insoumission dans la guerre d’Algérie)(15).
Cependant si, malgré son attitude critique vis à vis de l’ethnologie, M.Leiris n’a jamais songé à abandonner l’ethnologie, c’est peut être parce qu’il a vu dans l’ ethnologie “humanisée” un moyen de se positionner dans l’ espace qu’il partage avec les “autres”. Si en dehors de l’ethnologie il n’y a rien, alors la nécessité de restaurer l’ethnologie
- comme art de vivre en partageant avec les autres - s’ impose comme la seule possibilité d’avancer vers l’utopie révolutionnaire où la culture ethnique fait un avec la technologie moderne.
Dans cette perspective, son expérience d’ ethnologue a inspiré un grand nombre d’actions artistiques articulées autour de la problèmatique de l’identité culturelle.
L’exposition des “ Magiciens de la Terre” organisée par J.H. Martin en 1989 ( un an avant la mort de M.Leiris) est devenue une manifestation emblématique, sinon un modèle pour toute une série d’ expositions durant les années quatre vingt-dix.

L’ ethnicisation du monde y fonctionnait selon le schéma égalitaire hérité de Michel Leiris et les oeuvres d’ art des artistes extraeuropéns étaient, selon l’ expression de J.H. Martin,” mises sur un pied d’ égalité avec celles de nos avant- gardes” (16). Mais contrairement à M.Leiris, professeur d’université qui s’adressait à un public de chercheurs et d’initiés, J.H. Martin s’ adresse à un large public de visiteurs d’expositions, un public qui n’ est pas forcément au courant des subtilités de la chose ethnologique, ni de la chose artistique. Pour J. H. Martin, le public des visiteurs des
grandes expositions représente, à la fois, son point fort et son talon d’Achille. En effet,
il a le choix entre présenter les oeuvres en préservant leur complexité au risque de décevoir le public ou répondre aux attentes du public au risque de réduire la portée des oeuvres à la capacité de réception du public. Il devient ainsi en quelque sorte, “otage” et “manipulateur” de son public. Bien entendu la situation pourrait être beaucoup plus complexe que la schématisation abusive que je propose, mais J. H. Martin , en bon commis du service public, cherche à satisfaire le public et tant pis pour les artistes. Entre les ambigüités de l’ethnologie et celle de l’ art, J.H. Martin installe sa “machine de guerre” sur le terrain de la magie. Non pas la magie selon la conception “scientifique” des ethnologues , mais “ la magie” selon l’ usage commun du grand public devant
l’inexplicable. Ainsi, il se libère de toute cohèrence méthodologique qui pourrait gêner sa liberté de disposer des oeuvres à sa guise. Et il a les mains libres pour “manipuler” les ethnologues qui ne partagent pas ses goûts sur l’ art et les artistes qui ne partagent pas ses goûts sur l’ ethnologie. Ce qui lui permet de dire : “C’ est par le mot “magie” que l’on qualifie communément l’ influence vive et inexplicable qu’exerce l’ art”.(17) .
Dans cette configuration méthodo-magique, les concepts et les catégories de la tradition esthétique européenne, chers à Jean Clair, sont “chamanisés” tout en restant conformes , comme l’écrit J.H. Martin, aux “jugements enracinés et engagés dans l’Europe d’ aujourd’hui”(18) et peuvent s’intégrer dans le monde de l’ethnoesthétique. Ainsi, si le concept d’ “artiste” pose un problème de classification- et il le fait! -il devient “prudent d’éviter dans le titre le mot “art” qui aurait d’ emblée étiqueté des créations provenant de sociétés qui ne connaissent pas ce concept.”(19)
Donc comme il ne convient pas de qualifier d’ “art ” les pratiques des sociétés
extr- européennes, J.H. Martin applique l’appelation “magie” à toutes les pratiques celébrées dans cette exposition. Tant mieux pour les artistes européens car, depuis Joseph Beuys, de nombreux artistes européens devraient apprécier l’ opportunité de se voir attribués le titre de chaman. Cependant le tour de magie de J.H.Martin ne s’ arrête pas sur la définition des genres, il va jusqu’à expliquer la raison du marché de l’ art et le phénomène des” flambées” monétaires par “de la magie derrière ces pratiques parfois d’ apparences très matérialistes”. Si ce professionnel de l’ art , qui sait que le marché de l’ art est aux antipodes des pratiques chamaniques, explique la loi du marché par de la magie, c est peut être parce que ce type d’ explication trouve un meilleur accueil chez le grand public qui souhaiterait que l’ art, la dernière des religions, ne se mêle pas au monde des affaires: l’ art n’ a pas de prix !
L’approximation qui caractérise l’ état de la connaissance du grand public quant au contexte ethnologique et artistique dans lequel les oeuvres ont été produites,
- favorise chez ce public - une attitude où, selon les termes de J.H. Martin,
“l’ appréhension sensible l’emporte sur les connaissances” . Personne ne conteste le fait que l’approche des oeuvres d’art en général se fait à partir d’une appréhension sensible plutôt qu’à partir de connaissances érudites. Mais cette approche se construit inévitablement sur une connaissance dite “ populaire”, affectée par les préjugés de l’époque , qui donne au public le sentiment de partager un même bien symbolique et
d’appartenir à une culture commune.

Conçue sur cette culture de ”l’ appréhension sensible”, l’exposition des “ Magiciens de la Terre” ne peut que conforter les préjugés artistiques et ethniques d’un public de la classe moyenne française qui se croit dépositaire des valeurs humaines universelles. Mais n’ est ce pas le propre des grandes expositions de conforter les préjugés du grand public?
Que doit on trouver dans cette exposition des “magiciens de la terre” sinon les belles valeurs du pays qui a inventé les droits de l’ homme : l’ égalité, la liberté et la fraternité ? Ces idées, bien françaises, sont mises en scène par le biais de l’art, non pas pour dire aux extra-européens que les Francais éprouvent à leur égard les meilleurs sentiments humains, mais pour dire aux francais ,eux -même, qu’ ils sont solidaires avec les autres, au moins sur le plan culturel. Même si - sur le plan politique- un premier ministre de gauche déclare haut et fort que” la Françe ne peut pas supporter la misère du monde”, même si un autre premier ministre, de droite, s’ invite chez les dictateurs africains pour les conforter dans la tyrannie avec des “petites phrases” comme : la démocratie occidentale n’ est pas compatible avec la culture africaine !.
Si les Français des années quatre-vingt avaient besoin qu’on leur confirme des valeurs, en principe, évidentes de la mémoire collective, c’ est peut-être que, quelque part, dans la conscience collective, ces valeurs ont été brouillées du fait de la crise historique qui a atteint les structures économiques et les convictions morales d’une société chrétienne socialisante qui tient - aujourd’hui plus qu’à toute autre époque - à garder ses terres de chasse néocoloniale en Afrique, terre de magie et de matières premières sans lesquelles l’utopie républicaine aurait coûté trop cher aux citoyens. Ces chers citoyens bâtisseurs de l’ Europe qui, puisant leur audace dans les festivités du nouveau millénaire, n’hésitent pas à organiser en 2000 un sommet euro-africain afin d’engager avec les Africains, une réflexion sur les moyens les plus efficaces de faire face à la mondialisation ! Depuis quand la réflexion sur la Mondialisation est- elle compatible avec la culture africaine ? Et quelle est cette effrayante épidémie qui se nomme mondialisation, si ce n’est la suite logique d’ un processus d’ intégration au marché international, processus auquel les Africains doivent leur adhésion à un sous-développement assorti de guerres et des famines?

Les partages tronqués

Cependant , “ Il faut se méfier- comme l’ écrit J.H. Martin- de nos étiquettes schématiques qui risquent d’occulter la complexité de certaines situations locales”. Mais on ne se méfie jamais assez ! Car onze ans après ses “ magiciens de la terre” , J.H. Martin poursuit , dans “ Partage d’ exotismes”, son thème préféré : l’ ethnicisation du monde. Un monde habité - selon J.H.Martin, par des ethnies européennes et des ethnies extra-européennes qui se regardent au-delà du contexte colonial. Un monde où ”chaque culture est exotique pour l’ autre”. Ainsi, dans un interview au journal Le Monde (25/6/2000), J.H. Martin estime que “ les cultures ont une valeur égale , qu’ elles peuvent se regarder les unes les autres comme étrangères, les unes les autres comme étranges , comme exotiques” .
Dans le catalogue de cette exposition, “Partage d’ exotismes”, J. H. Martin jouit du titre de “commissaire invité”, certainement parce qu’il a été invité par les deux initiateurs lyonnais du projet : Thierry Prat et Thierry Raspail , qui voient en lui une sorte de maitre en muséographie de l’art contemporain. A vrai dire c’est une qualité qui n’ est pas entièrement fausse puisque la muséographie de l’art contemporain reste une discipline sursitaire, voire ambigüe, dans la mesure où elle se confond - et souvent de manière délibérée - avec son objet.

J.H. Martin bénéficie donc du titre de “commissaire invité”qui évoque le “guest star” en guise de reconnaissance - que les deux élèves ne cachent pas - envers “le maitre” des magiciens de la muséographie. Dans leur introduction au catalogue de la Biennale, les deux hôtes de J.H. Martin lui rendent hommage en reprenant ses thèses sur la science de l’ exposition, sur l’art et la culture .
Et si on ne voulait pas occulter la complexité de la situation locale de cette exposition, il faudrait la voir comme une attestation de réussite de “Magiciens de la Terre”, tout en y voyant un certificat de décès d’un genre nouveau précipité vers sa fin par une académisation abusive de la part des élèves, trop bienveillants à l’ égard du “maitre”.
Un premier élément de la complexité de la situation réside dans le fait que ce genre d’exposition remet en question la tradition de l’exposition d’ art comme pratique qui concerne les Européens. Dans cette perspective, la brèche ouverte par J.H. Martin aux artistes extra-européens, prend l’allure d’un geste “ délocalisant” pour les centres habituels de l’ initiative artistique. “C’ est une idée qui ne passe pas forcément ici ou ailleurs” reconnait J.H. Martin dans le même interview , car ce geste ne dérange pas seulement des gens comme Jean Clair, l’intraitable vigile de l’utopie artistique européenne, mais il dérange, aussi et surtout, certains extra-européens, à l’ image de certains “critiques chinois” installés comfortablement , mais résolument, dans les catégories artistiques et les schémas identitaires hérités de la tradition européenne, et formant ainsi des alliés, aussi précieux qu’ inattendus pour Jean Clair. Cependant ce qui est troublant dans le geste de J.H. Martin c’ est que sa”brèche” ne devient pas “porte ouverte” aux improbables dialogues entre des cultures dites égales les unes aux autres, peut-être parce queJ.H. Martin - qui n’est pas M. Leiris- l’a voulu dès le départ comme une “soupape” qui permet aux européens d’ éviter l’ étouffement dans l’ étanchéité d’une tradition esthétique étroite et dont la seule et dernière utilité est de justifier les privilèges d’une minorité qui domine le monde actuel.

Je pense que ce qui est commun entre l’ attitude d’ un Jean Clair qui cherche à sauver l’Occident, en y interdisant l’accés aux extra européens et celle d’ un J. H. Martin qui cherche à le sauver en y mêlant du sang extra européen, c’ est que tous les deux s’accordent à dire que l’ Occident est en danger. Ainsi, à des artistes supposés
de l’extérieur, le bon douanier de l’ art occidental, celui qui est pour le quota sélectif d’intégration, demande d’abord une identité certifiant leur statut d’”aliens” à l’ art de la modernité occidentale. Ce fut, au moins, mon cas lorsque J.H. Martin, qui connait mon travail d’ artiste “africain”(?), m’ a proposé de participer à l’ exposition “ Partage
d’exotismes” en Mars 1999. Dans sa lettre (du 8/3/99) il n’a pas oublié d’ insérer la mise en garde usuelle, que les commissaires d’exposition européens adressent aux artistes extra-européens, sur les dangers de perte de leur virginité culturelle :
“(...) L’ adoption du modernisme peut-être perçue comme un progrès contre l’obscurantisme archaïque mais tout autant comme une perte d’ identité et une soumission à une domination culturelle aussi bien que politique et économique de
l’occident “. Je me suis donc demandé : De quelle identité parle-t-il? De quel modernisme ? De quel Occident ? Peut on perdre son identité comme on perdrait sa casquette ou son parapluie ? Et qu’ est ce qu’il arrive à une personne ayant perdu son identité ? Comment peut-on échapper au modernisme ? Et enfin, qui est donc ce grand satan nommé “Occident” que tout le monde agite devant mes yeux afin que je prenne garde à ne pas y perdre mon âme?
Toutes ces interrogations m’ ont incité à écrire au grand magicien de l’art contemporain pour lui expliquer la complexité de ma posture d’ artiste occidental extraeuropéen ne se reconnaissant pas dans les catégories esthétiques mises à disposition des usagers de l’ art.
Ma manoeuvre me semblait simple, elle consistait à dire : Votre machine de dialogue entre les cultures me parait suspecte et votre statut officiel de représentant de l’institution ne fait pas de vous un représentant de la civilisation occidentale, d’autant plus que moi je ne tiens pas à passer pour le représentant d’ une quelconque civilisation “autre”. Bref, nous sommes tous partenaires dans le même “squat” de la civilisation du marché mais, si vous ne voulez pas me voir à votre côté, c’est que ce regard “ égalitaire” que je revendique pourrait entrainer la perte de privilèges matériels et psychologiques que vous avez accumulés depuis l’ époque coloniale. Que je sois africain , asiatique ou amérindien, la seule identité à laquelle la culture du marché me donne accès aujourd’hui , c’ est celle d’un exclu occidental et extra européen. Cela signifie que s’il y a une identité culturelle à construire, elle sera sûrement construite sur le fait de l’exclusion plûtot que sur n’importe quel folklore ethnique. L’Occident est sans frontières grâce à une ubiquité sans faille des réseaux du marché international. Est ce cela qui angoisse les occidentaux d’Europe : l’ idée d’ intégrer un nouvel Occident qui échappe à leur contrôle? Un Occident indifférent à l’“exception culturelle” lorsque cette exception n’ est pas coté en Bourse. Bref, donc, en acceptant de participer à votre exposition, qui s’annonce exotique, je prends le pari sur l’ intelligence d’un public éclairé qui saurait trouver accés à ma création dans un labyrinthe piégé par les tentations exotiques. J’ ai parié également- mais sournoisement- sur l’intelligence du grand magicien - qui
m’avait écrit : “Votre oeuvre m’intéresse fortement” - pour espérer voir mon “oeuvre” passer en “contrebande”, à l’insu des “douaniers” de l’ ethno-esthétisme dont il s’est entouré. Dommage que le passeur attendu n’ait pas été au rendez vous.
Un an plus tard, j’ ai été contacté par T. Raspail , commissaire de l’exposition, qui m’a annoncé que, finalement, ils avaient décidé de ne pas montrer mon travail mais qu’ils souhaitaient publier, dans l’introduction du catalogue, ma lettre à J.H. Martin “en tant que problématisation de “l’ exotisme” et indice d’ une limite au projet interprété comme entreprise socio-anthropologique.”(20) Là, j’ ai compris que j’avais gagné un pari que je n’avais jamais pris : celui du politiquement correct qui fait l’essence même de l’artisanat des montreurs de l’ art extraeuropéen en France.
Si ma manoeuvre n’a pas eu d’ effet sur J. H. Martin, c’est peut être qu’en tant que “professionnel” de l’ art extra-européen, il ne pouvait pas- reconnaitre mon art qui est à l’image de ma modernité d’ occidental africain, bien qu’il apprécie le propos critique que je tiens sur l’ art africain. La morale de cette histoire est que l ‘art africain est incompatible avec le discours critique .
Mais au delà de mon implication personnelle ,“ Partage d’ exotismes” revèle un autre aspect de la complexité de l’exposition d’ art extra-européen . En effet, l’exposition se pose ici comme un nouveau genre muséographique qui cherche à se consolider sur la scène artistique en accumulant règles et limites au croisement de l’ art et de l’ethnologie. Vue dans l’ axe de “Magiciens de la Terre”, l’exposition “Partage
d’exotismes” fonctionne comme un relais où toutes les notions ayant servi à “Magiciens de la terre” sont reprises de manière systèmatique :
- Le premier symptôme se déclare chez la personne même du commissaire d’exposition en tant que représentant de l’ institution muséale. Tout euphorique, le commissaire d’une exposition d’ art extraeuropéen entre dans le” rôle” qu’on lui a donné en prenant la posture du “ représentant de l’ Occident.” Tous les commissaires de ce genre de manifestations se complaisent dans le rôle de “porte parole de la civilisation occidentale”, et de ce lieu ils peuvent attribuer le titre de ”représentant” de la civilisation “ autre” à ceux qui veulent bien se prêter à leur jeu de dialogue entre les civilisations.


-Une fois installé dans la posture de gérant des rapports interculturels, le “commissaire- artiste” de l’ exposition peut exprimer sa volonté de tout intégrer dans les perspectives d’une culture humaine mondiale. (L’humanitarisme est devenu une affaire rentable à peu de frais!). Cela nécéssite une relativisation de la centralité historique de la tradition artistique européenne qui accorde une place aux arts des autres, à ses côtés. Parfois, on peut aller jusqu’à demander à la tradition européenne de “ faire le mort” pour mieux intégrer les sceptiques et les mauvais coucheurs ! Et si jamais cet occident ne veut pas jouer le jeu, certains, commeThierry Ehrmann, pourront tout simplement annoncer sa mort. Attention T. Ehrmann est le président d’ Artprice, entreprise considérée comme “leader mondial des banques de données sur la cotation et les indices de l’ art avec plus de 2 millions de résultats de ventes couvrant 172000 artistes du IV° siècle à nos jours”. Pour ce partenaire officiel de la Biennale de Lyon, l ‘exposition “Partage d’exotisme “marque la fin de l’esthétique occidentale en ouvrant grand ses portes à l’esthétique mondiale”(Voir artprice.com). Si Paco Rabin a annoncé la fin du monde pour pouvoir vendre ses vêtements - qui sont quelquefois de véritables chefs-d’oeuvre de sculpture -T. Ehrmann est plus modeste, il se contente d’ annoncer la fin de l’esthétique occidentale.
-Le fait que l’ art extra-européen habilité, n’est visible que lorsqu’il est ethnicisé, entraine l’ethnicisation de l’ art européen, cela n’ empeche pas les gardiens de l’ ethno-esthétique de préserver à l’ art européen ethnicisé le statut de régulateur central. Cette reconnaissance de la place du régulateur a toujours été prononcée à mi-voix, à l’ombre des grandes déclarations sur l’ égalité des cultures : L‘exposition “Partage d’ exotismes” - comme l’ exprime J. H. Martin,dans Le Monde du 25/6/2000 - “(... ) implique un partage que nous souhaitons idéalement égalitaire. En réalité on sait bien où est le pouvoir et où est la domination : du côté de l’ Occident”. Pour faire écho aux propos du maitre,
T. Prat et T. Raspail déclarent - cette fois-ci, depuis la position ultra-européenne de Jean Clair- c’est à dire en leur qualité de “mâles”, “ blancs” et ”chrétiens” - que “Le partage d’exotisme “ est inégalitaire car il s’ inscrit dans le champ de l’ art circonscrit et affiné depuis toujours par l’ Occident “(21) .
-La tendance à vouloir plaire au grand public incite les montreurs de l’ art exotique à faire l’économie de l’ appréhension “critique” en faveur d’une appréhension “magique” chère au maitre. Ce que J. H. Martin nommait “ magie des objets”, est qualifié pudiquement par ses disciples “pensée visuelle”. Ainsi ils expliquent que, dans une exposition comme celle de la seconde Biennale de Lyon (1993), quand “les catégories formelles apparaissaient comme ne s’encastrant pas dans les attendus de l’historiographie critique”, les commissaires de l’exposition se sont servis de cette “pensée visuelle’” (...) “reposant sur une isotopie singulière des oeuvres, qui n’ avait rien à voir avec une esthétique discoursive constituée”.(22) Cette esthétique discoursive constituée est désignée, par les auteurs du catalogue, précisément par un “ en gros” expéditif, comme : “ celle des philosophes, historiens d’ art et autre traducteurs” (23). Je ne sais pas si les ethnologues sont inclus dans cette catégorie méprisable dite d’”autres traducteurs”, mais si , comme l’ont déclaré les auteurs de l’ exposition : en France, la Biennale qui est financée par des fonds publics, est “aussi un service pour le public” , le public francais des expositions aura du mal à gober une esthétique des commis du service public qui font table rase de la philosophie et de l’ histoire de l’ art , même si ces agents adminstratifs, culpabilisés par leur conscience professionnelle, se réfugient dans le terroir de “Magiciens de la terre”. Terroir officiellement garanti 100% “ politiquement , spirituellement et techniquement incorrect”(24). Quand “ le politiquement incorrect” devient une valeur recherchée par les commissaires de l’ art officiel , c’ est que l’ insolence est déja transformée en académisme sans conséquences.

Cependant cette insolence convenue, conditionnée pour la consommation du grand public, se vend bien du moment où le “ dérapage” reste conforme aux attentes du dit public .Un cas intérressant de ce que les commissaires d’exposition qualifient d’”isotopie singulière de l’ oeuvre” est fourni par l’ oeuvre d’un artiste suisse:Thomas Hirschhorn, sensible à la “ pensé visuelle” des organisateurs de l’ exposition. L’ oeuvre deT. Hirschhorn est intéressante dans la mesure où elle pose le problème du regard que les artistes et leurs commissaires européens posent sur le monde extra européen. Dans son installation intitulée: “Nations Unies :Miniature”, ( oeuvre conçue pour “Partage d’ exotismes”) ,Thomas Hirschhorn réalise en miniature, un parcours que le visiteur emprunte, à travers les zones de guerres marquées par les interventions de l’Organisation des Nations Unies. Le catalogue de la Biennale confirme l’ accent critique de l’ oeuvre en précisant que “L’ intervention de l’ ONU présentée avec une multitude de chars et d’ hélicoptères blancs se répète d’ un champ de bataille à l’ autre de manière uniforme sans qu’ on sache très bien s’ ils cernent ou s’ ils attisent les conflits. Une riche bibliographie est à la disposition du visiteur à partir des points de vues sur les théâtres de la guerre qui se situent dans les pays suivants : Liban, Sierra Leone, Palestine, Rwanda, Congo-ex Zaïre, Tchétchénie, Bosnie, Timor, Chiapas, Kosovo.” Certains visiteurs informés ont remarqué que l’ ONU n’ avait pas été présente au Chiapas! Mais apparement cela n’ a pas d’ importance aux yeux des organisateurs. La priorité étant de soutenir la bonne cause des Indiens. Peut être que pour l’ artiste et les commissaires d’exposition, l’ONU devrait avoir une isotopie singulière qui justifie son intervention dans tous les lieux où les guerres, dites ethniques , font des ravages. Après tout , dans la nuit du monde extra européens tous les chats devraient êtres noirs.
Comme les professionnels “ blancs “ et “mâles” de l’ art extra-européen en général, et de l’ art africain en particulier, se placent délibérement dans l’ angle mort de leur “pensée visuelle “ isotopique, (traduisez: Pensée arbitraire!), ils finissent par ne rien voir de la réalité des rapports des forces entre les êtres et les “ autres” . Si le regard “ social” reste incongru dans le petit monde des professionnels de l’ art contemporain , il est presque tabou chez les montreurs de l’ art extra-européen. Peut être, parce qu’une vision sociale de la réalité artistique d’un pays africain, par exemple, dérange profondément. En effet, dans le miroir de l’ Afrique, les Européens- et les Français en particulier- risquent de voir une image décevante d’eux -même. Cette image tabou, qu’ il ne faut ni voir ni montrer, est au coeur même de la version contemporaine de la plus ancienne querrelle de la civilisation judéochrétienne : la querelle des images!.
Aujourd’hui, grâce à la technologie de la communication, l’ mage de la misère du monde est partout, mais pour la voir il faut la montrer, et pour la montrer il faut la signaler. Mais comme personne n’ose regarder le visage effrayant du sous-développement africain par crainte de rester pétrifié à jamais, les professionnels de l’image dans
l’utopie européenne excellent à s’ inventer un autre visage pour l’ Afrique, un visage exposable et des Africains “ regardables !” Après tout, c’est un service public pour le grand public qui n’ en demande pas mieux. Le jour viendra, peut-être, où la machine de l’ethnoesthétique se mettra à réinventer des francais convenables pour l’ usage du marché international. Qui sait ? Peut-être bien que l’on pourra même profiter de l’expérience des africains en la matière ! Ce jour là, on connaitra sans doute le véritable partage .






Ces lignes sont loin d’épuiser la complexité de la machine à fabriquer des Africains.
Quand je dis “machine”, l’image qui me vient à l’ esprit est l’image d’une drôle de machine que l’on a montée, dans l’ urgence du marché, à l’ image de ces machines sucidaires que le sculpteur suisse Jean Tinguely construisait au début des années soixante. Des machines-sculpture motorisées qui font trois petits tours et puis s’autodétruisent. Mais, à la différence des machines suicidaires de Tinguely, quand la machine à fabriquer les Africains engage un processus d’ auto-destruction, elle entraine les Africains avec elle. Ce fut le cas d’ une certaine machine baptisée “l’Etat nation “ qui s’est réduite à “ l’état- ethnie” ( En Somalie , au Rwanda, au Libéria, au Congo... etc. ). Ce fut aussi le cas de la machine baptisée “échange économique” qui se métamorphosa en dette, ou encore la machine “ coopération” qui devint ingérence et corruption jusqu’à la machine dite “culture africaine “ qui déposséde le continent de ses diversités sociales et historiques pour en faire une entité “ négrologique” maniable pour tous les partages possibles. Dans la mécanique de “ la culture africaine”, l’”artafricanisme” est un petit rouage, mais c’ est une pièce indispensable au fonctionnement d’une Afrique que les Européens voudraient conforme à l’ image de l’authenticité sans faille.
Que faire de cette authenticité africaine que les Européens ont façonnée pour l’Afrique ? Un jour un ami artiste reçut la visite de l’un de ses cousins venu lui demander de lui faire un portrait de son père (qui ne souhait pas poser) à partir d’une vieille photo. Une petite photo en noir et blanc qui semblait être la seule photo disponible du père du cousin. L’ami artiste prit la photo et se mit au travail. Quelques jours plus tard, le portrait était prêt. L’ami artiste me raconta que quand son cousin était venu chercher le portrait de son père, il avait manifesté sa déception, car il trouvait que l’image peinte ne ressemblait pas à son père. L ‘auteur du portrait tenta de lui expliquer que cela tenait au fait que la photo n’était pas de bonne qualité. Sur ce, son cousin le remercia poliment, et emporta le portrait pour l’accrocher dans son salon. Quelque temps plus tard, l’artiste rendit visite à son cousin. Dans le salon, il contempla son travail avec gêne avant d’ interpeller son cousin: “ Ecoute , si tu me trouves une photo de meilleure qualité, je pourrais te refaire un portrait plus ressemblant”. Le cousin garda le silence un instant avant de répliquer : “Tu sais, au départ je n’ étais pas convaincu que cette image représentait mon père. Je l’ ai prise par respect pour ton travail. Mais depuis quelque temps, chaque fois que je regarde mon père, je trouve qu’il ressemble de plus en plus à ce portrait ! Il n’est pas nécessaire que tu m’en fasses un nouveau, celui-ci me convient parfaitement !”.
La morale de cette histoire est qu’une culture africaine- comme toute autre- ne peut exister qu’en tant que culture tronquée, tronquée par le regard, celui des autres et celui des Africains eux-mêmes. L’ Afrique que j’ ai fuie n’est ni l’Afrique des ethnologues et autres africanistes ni celle à laquelle les afro-américains et les rastamen britanniques diasporisés se réfèrent . C’est une Afrique qui ressemble chaque jour davantage à l’image brouillée que les média occidentaux nous renvoient entre guerres famines et tam tam. La seule image disponible à ce jour. Que faire donc de cette image? Moi je la garde et je la soigne selon les termes de ce proverbe soudanais: “La folie que tu connais est certainement moins dangereuse que celle que tu ne connais
pas !”
Quand je dis que je la soigne, je pense à cette “tradition” africaine de soigner les produits de la modernité industrielle à l’image de ces machines importées d’Europe et qui arrivent en Afrique sans manuel d’utilisation et sans pièce de rechange. Des machines que les Africains doivent réinventer dans l’urgence à la mesure de la nécessité.

Soigner l’image de l’Afrique implique une logique de récupération où personne n’est à exclure, pas même J.H. Martin ou J. Clair, ni S. Vogel. Ces “artafricanistes” sont utiles à l’art des Africains, parce que jusqu’à nouvel ordre, il n’y a qu’eux qui s’y intéressent et de ce fait, ils définissent un terrain de débat autour de l’art africain.
A l’aube de l’époque coloniale, les européens avaient le choix entre deux attitudes: soit fraterniser et partager avec les extra européens conquis, et accomplir avec eux le rêve de bonheur de la civilisation humaine , soit dominer , exploiter et exclure des êtres qui etaient pourtant entièrement disposés à rejoindre l’ Utopie des dominants. Aujourd’hui à l’ aube d’ une libéralisation globale, les Européens se trouvent devant le même dilemne éthique: partager avec les pauvres pour retrouver un humanisme perdu ou pactiser avec les riches pour récupérer la part du butin nécessaire à la restauration de l’ Utopie délabrée dans laquelle ils espèrent survivre. Bien entendu, mon racourci historique peut apparaitre trop abrupt pour saisir la complexité de l’ antagonisme qui caractérise le monde contemporain.Cependant ma schématisation reste en parfaite concordance avec les schématisations opposées qui revendiquent les “ guerres des civilisation”au nom du capital symbolique occidental. La guerre du Bien contre le Mal, que les pays les plus riches, derrière G. Buch( Père et fils!) entendent mener contreles pays les plus pauvres, derrière Saddam - Ben Laden, incarne une schématisation trop grossière pour pouvoir oblitérer la complexité des parts de marché à partager en butin de cette guerre ethnique mondiale qui nous guette à chaque fois nous allumons nos téléviseurs.Peut être que tout cela nous éloigne de l’ art africain contemporain tel qu’il est célébré par l’ethno esthétisme des Européens, mais, peut être que pour nous rapprocher de la réalité que vivent les Africains aujourd’hui, il est temps de regarder cet autre art africain que les Européens ignorent : celui de la survie.



_________________________________ (1) Susan Vogel, Africa Explores, 20th. Century African Art, 1991, Centre For African Arts, New York City , p. 14-25.
(2) Ahmed Bechir “Bola”, Art et identité culturelle au Soudan : Le cas de l’ Ecole de Khartoum, Thèse de Doctorat soutenue à Paris I, Déc. 1984.
(3) Sidney Littlefield Kasfir , L’Art Contemporain Africain, Thames & Hudson , Paris 2000, p. 172.
(4) Jean -Yves Jouannais, Catalogue de l’ exposition “Un Art Contemporain d’Afrique du Sud, Editions Plume et l’ Association Francaise d’ Action Artistique, 1994 .
(5)Michel Leiris, Miroir de l’ Afrique, Gallimard, 1996 , p. 28.
(6)Jean Hubert Martin, Magiciens de la Terre, Edition du Centre Georges Pompidou, Paris 1989, p.8
(7) Michel Leiris, Cinq Etudes d’Ethnologie, Denoël/Gonthier 1969, p. 87
(8), Ibid. p.. 106-111.
(9) Ibid.
(10) Ibid.
(11) Ibid.
(12) Ibid
(13)Ibid.
(14) Miroir de l’ Afrique, p.415
(15)Ibid p. 1391 .
(16) J.H. Martin , Préface du catalogue ” Magiciens de laTerre ”, p.8
(17)Ibid
(18) Ibid
(19)Ibid
(20)Voir introduction de Prat et Raspail pour le catalogue” Partage d’ exotisme”, p. 15.
(21) Ibid p. 10
(22 ), Ibid p.8
(23) Ibid p.9
(24) Ibid p.9

About writing and about calligraphy











About writing and about calligraphy,


Answers to E. Court (Jun 2006)



(1) when does Arabic writing become Calligraphy?


1- Writing – in general – becomes calligraphy when the writer is willing to make calligraphie out of the written marks.Calligraphy is a question of desire .The desire to make a well written sign situates the writer in an aesthetical research attitude.The research attitude is an open attitude , a project attitude in the sens that the writer desires an aesthetically better sign.Such a sign is supposed to attract and to the gaze. Its a seduction machine.
To make a « better » written sign , the writer is supposed to take care of material aspects of the writing practice :
-The understanding of the potentialities of the writing tools and objects.Writing is a special relationship with objects.
-The handeling of the writing tools in relation to the body of the writer.Writing is a corporal activity, some sorte of an applied choreography designed to realise a specific graphic order.
- The possibility of making pictures with the writing marks.If the written word is the picture of the idea,as in the ancient pre- alphabetical pictography system, then writing is one way – among others- of making pictures.
Within this perspective all the personal writings contain a calligraphic potentiality,and may be a concient aesthetical ambition.But « all the personal writings» do not become Calligraphy out of a personal desire. Calligraphie is also a question of power, political power.The representatives of political power need calligraphy as an emblem of efficiant readability.Political power is based on the readability of its actions and directives.In this connection between aesthetics and politics the representatives of power select the calligraphic type that seems more efficiant to bear the political charge of the image they expect others(the people) to receive .With the democratization of education , it is the State that decides the type of calligraphy to be applied in the educational system.

(2) is it accurate that calligraphy uses Arabic for graphic vocabulary in re-presentation, making images?


(2) I think the links between calligraphy and writing are simple and complex at the same time.It seems to me that calligraphie, as a graphic practice, is totaly independent from writing even if its historical evolution was related to the fonction of beautiful writing.Basicly, calligraphers invent a specific graphic coherence to produce and communicate a visual meaning ( an image) while writers use an already existing graphic system to produce and communicate a literary meaning( a text).So if the writer applies the calligraphic rules just to produce a readable texte, then he is not concerned with image making( even if the beautiful marks he obtains suggest an image).In the other hand, the calligrapher who may produce a texte, while inventing his graphical image, could be indifferent to the literrary meaning.The great calligrapher « Ibn Moqla »(886 – 939) wrote the text of a peace convention between Muslim and Byzantine states.The people of the Byzantine court were so admirative of the elegant graphic work that they used to exhibit the text of Ibn Moqla, as a fine art work , regularly to a Byzantine audience who can not read arabic writing.Never the less, the Byzantine people enjoyed reading the image in the work of the arabic calligrapher.In the early 90, the french couturier, Karl Lagerfeld, designed a collection of robes de soirée for Chanel.In some of his designs he embroidered arabic calligraphy.The designer, who ignores arabic writing, read only the fine visual image of arabic calligraphy.It happened that the arabic text was coranic verses.(see photo).The American magazine( I think it wa News Week) who reported the incident said that the designer had to destroy the whole collection with arabic calligraphy after being menaced by muslim fundamentalists from south eastern Asia ( Indonisia).In this particular situation it is important to note that the asian muslims usualy read coranic text translated in their own writing while the arabic text appears in a double line, as a visual illustration. I think that both the french designer and his Indonisian islamists delt with the arabic writing as a visual representation of Allah.
If calligraphy could be independant from writing,writing suggests calligraphy to the « gazer »(« le regardeur » as Marcel Duchamp may put it) beyond the intention of the writer.This is where Graphology enlarges the definition of calligraphy to include all types of writings as images.According to graphologists writing is an image of the writer s personality , even if the writer is indifferent to image making.The graphologist approach accepts all the personal writings as a possible unique calligray.Thus the official calligraphic writing becomes one possible way, among other ways, of organising the writing marks.

(3) I recall, you are self-taught in calligraphy, learned as an adult, as an aspect of Sudanism, more general Islamic culture, your version of Chinese? formal purposes to enhance your mark-making?

(3) When I firest came to arabic calligraphy (I think I was 13 years old) it was related to writing activity in an intermediant school mural journal( « Assalam » :peace in arabic).I remember I used to write the title in an « artistic way ». I was not concient about calligraphy.For me it was just drawing.At the secondary school I was good enough to gain money decorating the cars and buses or writing commercial signs, thanks to « Sambo » , a neighbour who runs a car painting workshop.So when I arrived to the art school of Khartoum I was already aware that arabic calligraphy is celeberated as an element of sudanese cultural identity.Salahi and Shibrai and their students were so proud to repeat that at all the occasions.When I arrived at the art school (1970) the « Khartoum School » was almost the official theory of « Sudanese art ».I think the political situation of the seventies in Sudan pushed us in a different direction againest the « Khartoumists » and the political autority that supported them.We were politicaly and artisticly incompatible. Although this situation made me suspicious about the identity discours related to arabic calligraphy, I never really interrupted my plastic interrogations and researches in calligraphy, whether it was arabic, latin or chinese calligraphy.I think working on chinese calligraphy helped me to bring my calligraphy into the painting zone.It helped me to understand the way great contemporary painters think their practice(I am thinking of artists like Antonio Tapies, Motherwell, Soulages, Hartung , Alechinisky , Twombly).

D'où viennent mes Schéhrazade?(calligraphie)




D’où viennent mes Schéhrazade ?

La première fois que j’ai lu les Mille et Une Nuits, je me suis laissé prendre au piège des filles qui ont précédé Schéhrazade. Leurs cadavres accumulés à l’entrée du récit entravaient ma progression dans les nuits de Schéhrazade. J’ai toujours voulu signaler leur présence et raconter leurs histoires : des histoires de meurtres princiers restées dans une perpétuelle impunité littéraire. Ces filles, abusées par le consensus narratif qui sacrifie leurs singularités respectives en faveur des personnages principaux, sont trahies également par leur grande sœur rusée et ambiguë, Schéhrazade.
Car quand par la magie de la littérature, elle parvient à prendre le pouvoir sur le Sultan, elle oublie de rende justice à ses sœurs et ex-co-épouses assassinées arbitrairement par son époux, le Sultan. Schéhrazade préfère le bonheur conjugal oriental à l’égalité en droits et en devoirs des individus devant la loi. Elle permet à son criminel de mari d’accéder à la postérité littéraire dans une impunité totale. La morale de cette histoire est qu’elle est tout simplement immorale !
Alors qui peut raconter les Mille et Une Nuits aujourd’hui ?
Comment peut-on encore à raconter de telles histoires comme si la société qui les avait engendrées était restée immuable depuis la nuit des temps.
Le monde oriental des Mille et Une Nuits tel que les Occidentaux l’aiment, avec ses sultans, ses coupoles en bulbes et ses cavaliers enturbannés n’est qu’un scandaleux trompe-l’œil qui sert à cacher l’image interdite des sociétés musulmanes contemporaines. Sociétés qui sombrent dans l’interminable cauchemar du sous-développement, de la répression et (ou) de la guerre, du Maroc jusqu’à l’Afghanistan.
Dans cet immense monde musulman, de Samarcande à Bagdad, de Bagda à Damas, de Damas au Caire et du Caire à Tombouctou, la route des caravaniers des Mille et Une Nuits n’est plus praticable à cause des mines anti-personnel, des bombardements, des vrais et faux barrages militaires, des snipers …etc.
Les caravaniers eux-mêmes sont recyclés dans les milices et engagés dans les petites guerres saintes ethniques (entre l’ethnie Elf et l’ethnie Shell, par exemple).
La Schéhrazade qui émane de la société musulmane d’aujourd’hui, ne peut être qu’un véritable kamikaze, une « bombe humaine » . Une telle Schéhrazade peut semer la terreur, à parts égales, en orient et en Occident.
En pleine guerre du Golfe, quand les Schéhrazade saoudiennes ont manifesté pour revendiquer des droits élémentaires comme celui de conduire une voiture, les autorités saoudiennes les ont réprimées, elles et leurs familles. Or, les média du monde occidental qui étaient présent à ce moment là en Arabie Saoudite pour rendre compte de la guerre du Golfe, ont tourné le dos à ces femmes pour regarder les frappes chirurgicales sur Bagdad.
Aujourd’hui, tout le monde pleure sur le sort des Schéhrazade afghanes sous le régime Taliban. Mais demain, quand les Occidentaux et les Orientaux trouveront des Talibans « modérés », les femmes afghanes seront priées de tenir compte de l’exception culturelle afghane.
On l’a déjà vu en Algérie quand les hommes du régime FLN ont demandé aux femmes algériennes qui avaient participé à la guerre de Libération, de rentrer au foyer.
Peut-on raconter les Mille et Une Nuits sans penser à toutes ces Schéhrazade ?
L’Alphabet de Schehrazade représente une tentative de faire émerger le corps féminin du corps de la lettre arabe. Je pense que les signes graphiques de l’alphabet arabe ont, depuis longtemps, enfermé ces nus féminins derrière une lecture uni-dimensionnelle. Lire l’alphabet arabe, au delà du texte, comme un ensemble de traces visuelles ayant un sens, comme des images composées de noir et de blanc, m’a donné la possibilité d’y voir tout un univers habité, entre autre, par ces femmes qui ont précédé Schéhrazade. Si j’ai signalé la présence des sœurs de Schéhrazade avant les autres êtres qui peuplent l’espace entre le noir de l’encre et le blanc de la feuille, c’est qu’à un moment donné, ces images se sont imposées à mon regard et ont accaparé mon esprit de telle sorte que je ne pouvais que m’en occuper comme une priorité. Je voulais que tout le monde les voie !
Je les ai donc « révélées » en ajoutant au corps de la lettre calligraphiée quelques traits supplémentaires tout en essayant de ne pas oblitérer la lettre ni de supprimer la fonction de lecture textuelles. Mon ambition étant d’entraîner le lecteur à identifier la présence de ces corps féminins même dans les alphabets des autres calligraphies, voire dans toute trace écrite. Dans cette démarche, je parie sur la qualité de la trace offerte mais aussi sur l’intelligence du regard. Entre la trace et le regard se construit une passerelle offrant une lecture juste qui transcende le texte.
Hassan MUSA
Domessargues le 02/11/2001

Ceci n' est pas une calligraphie


« Ceci n’est pas une calligraphie ! »

Ce que j’entends par calligraphie ?
C’est l’art de la belle écriture. Mais toutes les écritures sont belles dès lors que l’on consent à les regarder indépendamment des écritures consacrées comme calligraphies.

Toute écriture personnelle porte à travers sa particularité (ses manières, ses manies) son projet calligraphique de même que toute démarche porte à travers sa spécificité gestuelle son projet chorégraphique.

Toute écriture personnelle rêve d’être belle. Nombreuses aspirent à intégrer la beauté reconnue des modèles accomplis mais certaines rêvent secrètement d’explorer le jardin défendu de la libre écriture plastique : ce sont celles qui fondent les nouvelles calligraphies.

Si l’art de la calligraphie semble parfois sombrer dans l’accomplissement d’artifices décoratifs c’est que les calligraphes préfèrent les jeux sans risques des maîtres-artisans aux aventures périlleuses auxquelles pourrait les entraîner un engagement dans les sentiers non balisés des écritures personnelles.

Les pionniers de la calligraphie ne disposaient que de leur propre écriture comme modèle pour leur création plastique. Une fois consacrée, leur écriture est devenue un modèle pour les artisans calligraphes.

Mais en s’arrêtant là où les pionniers avaient déposé leur propre écriture comme modèle pour la postérité, les artisans-calligraphes ont troqué l’art contre une postérité reconnue quoique incertaine et ont abandonné leur terrain de recherche aux graphologues qui, eux, semblent très intéressés par l’écriture personnelle en tant que telle.

Or, si les graphologues jouissent d’une certaines crédibilité, c’est parce qu’ils explorent systématiquement les particularités des écritures comme autant d’indices révélateurs d’une personnalité. En cela, la graphologie est inquiétante car en nous dénonçant devant l’Autorité, elle « empoisonne » notre écriture personnelle. D’une certaine manière elle dit : »Votre écriture est votre signe (voire votre signature). Elle pourrait être retenue contre vous ! »
Mais la démarche des graphologues est intéressante car elle offre un nouvel horizon à la calligraphie en multipliant à l’infini les projet calligraphiques personnels.

Habiliter l’écriture personnelle en projet esthétique est une stratégie nécessaire pour redonner à l’écriture la gravité d’un geste esthétique ouvert à tous les risques ! C’est également une manière efficace de brouiller les pistes de la lisibilité définitive.

Hassan MUSA
1994

Hassan Musa ,Liens, Links,روابط

روابط
Liens - Links for Hassan Musa


روابط على الشبكة الإسفيرية للوصول إلى نصوص عن عمل حسن موسى

Albalad

http://www.albaladonline.com/new/modules.php?op=modload&name=News&file=archivedarticle&sid=112636&archive=1


Al Nahar

http://www.annaharonline.com/htd/EDU060714.HTM


Daily Star.com

http://www.dailystar.com.lb/article.asp?edition_id=10&categ_id=4&article_id=73909

http://www.people.cornell.edu/pages/sh40/Musa.html
http://www.apexart.org/exhibitions/hassan.htm
http://www.sudanartists.org/hassanmusa.htm
http://universes-in-universe.de/specials/africa-remix/musa/english.htm
http://www.pem.org/lbw/pair_musa.html
http://bibliodyssey.blogspot.com/2006/06/zoomorphic-calligraphy.html


http://www/africultures.com

Critiques de presse( livres illustrés)Hassan MUSAHassan MUSA


Hassan MUSA
Auteur-illustrateur
Adresse e.mail : musahp@wanadoo.fr


Bibliographie

Tu l’as vu l’oiseau (Texte de A. Monjo), Grandir, 1993
« Une suite de portrait d’oiseaux : illustration remarquable et jeu très réussi entre calligraphie arabe et images d’oiseaux en noir et blanc. » La Revue des Livres pour Enfants N°154, Nov. 1993, Sélection 1993

L’arbre aux vaches, Grandir, 1993 (bilingue français-arabe)
Comptine soudanaise illustrée en linogravures.
Contes des calligraphes et des sultans, Grandir, 1994 et 2002
« Sept très courts récits consacrés à quelques calligraphes très célèbres du XIIIe au XIXe siècle. Chaque histoire est accompagnée d’une illustration en noir et blanc pleine d’humour, de causticité, inspirée de la calligraphie arabe.
Remarquable rencontre d’un art millénaire et d’un artiste contemporain.
La Revue des Livres pour Enfants N°166, Sélection 1995





Mon premier dictionnaire français-anglais tout en arabe, Grandir, 1994 (trilingue français-anglais-arabe)
« « Mon premier dictionnaire » est en fait un abécédaire zoomorphe qui parvient à concilier deux traditions : celle de la calligraphie occidentale et celle de la calligraphie orientale.
La vocation pédagogique de ce remarquable ouvrage en noir et blanc, est donc doublée d’une ambition esthétique. Le passage du signe écrit au signe plastique (…) ne concerne pas seulement le jeune apprenti mais tout œil fasciné par le tracé de l’écriture. » TDC N°706, Dec.1995

Inchallah : conte soufi du Soudan(1), Grandir, 1996
Bref récit qui raconte pourquoi l’autruche ne vole pas comme les autres oiseaux.
« (…)une remarquable illustration née d’un jeu calligraphique. Très réussi. »
La Revue des Livres pour Enfants N°172, Sélection 1996

L’homme caché : conte soufi du Soudan(2), Grandir, 1997
« Délires calligraphiques d’Hassan Musa pour un très beau et très amusant bref conte de sagesse où il est question de vérité et de mensonge…La mise en pages, très simple, la liberté incroyable du pinceau de l’artiste qui contraste avec l’austérité du blanc et du noir, à l’image du conte à la fois grave et malicieux, font de ce petit livre une vraie réussite. » La Revue des Livres pour Enfants N°178, Sélection 1997

Le meilleur ami du fils du sultan : conte soufi du Soudan(3), Grandir, 1998
« « Le meilleur ami du fils du sultan » nous entraîne cette fois-ci dans le dédales de l’amitié…Subtiles réflexions sur la nature et les relations humaines, ces contes de sagesse n’en sont pas moins de petites histoires distrayantes(…)
Revue Qantara N°30, Institut du Monde Arabe, Hiver 1998-1999

Animaginettes, Grandir, 1998 et 2000 (bilingue français-arabe )
Dix devinettes visuelles et littéraires sur les animaux.
Images réalistes dans lesquelles les animaux se camouflent dans leur milieu naturel. Illustrations en aquarelle.




Sabila et Kotchéli : conte nouba du Soudan(1) (Texte de P. Musa), Grandir, 1999
« Conte nouba du Soudan, collecté par Patricia Musa, qui raconte le parcours initiatique d’une mère prête à tout pour faire revenir à la vie sa fille assassinée par ses compagnes jalouses de sa beauté. Une histoire magnifique, une illustration superbe qui traduit bien la violence du récit, l’étrangeté des rencontres. Un très beau livre. »
La Revue des Livres pour EnfantsN°190, Sélection 1999
N. B : Un CD de ce conte en version arabe originale et en version française est disponible aux Editions Lirabelle.

La sourate du taureau : conte soufi du Soudan(4), Grandir, 1999
« (…) face au savant religieux imbu de son savoir, c’est l’imam d’un petit village perdu « qui n’était pas un savant en matière de religion mais savait distinguer entre le bien et le mal » (et n’est-ce pas l’essentiel ?) qui va avoir le dernier mot. »
Takam Tikou N°8, La Joie par les Livres, juin 2000

Piège géométrique : conte soufi du Soudan(5), Grandir, 1999
« …) l’écriture dépouillée et précise s’allie à des dessins calligraphiés foisonnants mais limpides pour nous livrer un peu de cette sagesse ironique (…) où la simplicité et la sincérité du cœur finissent toujours par triompher de l’arrogance et de l’avidité des puissants. »
Takam Tikou N°8, La Joie par les Livres, juin 2000

L’alphabet de Schehrazade, Grandir, 2000 (bilingue français-arabe)
« Ce qu’a entrepris de nous raconter Hassan Musa, ce sont les nuits des vingt-huit femmes ayant précédé Schéhrazade. Vingt-huit femmes calligraphiées dans chacune des vingt-huit lettres de l’alphabet arabe…Au portrait de chaque malheureuse, mais ô combien magnifique, fait face un petit texte évoquant sa fin.(…) Tout est subtilité dans cet album. Subtilité de l’érotisme, quand la nudité est constamment drapée dans la calligraphie qui l’expose ; subtilité des mots qui moins ils sont, plus en disent…Ces quelques signes et traits noirs sur fond blanc sont maîtrisés avec art, et la force de leur simplicité réside dans leur grande capacité d’évocation (…)
T. Lenain dans la revue Citrouille N°28, avril 2001






Sal et Koché : conte nouba du Soudan(2) (Texte de P. Musa), Grandir, 2000
« (…) Une histoire d’amour et de mort avec ogres, magiciens et solidarité clanique ; et surtout de somptueuses variations graphiques qui en font un livre d’art. »
Le Monde des Livres, Sélection Nouveautés, décembre 2000


L’oreille du loup gris (Texte de J. Darwish), Lirabelle, 2000

Histoire d’un loup berné par un renard qu’illustre bien ce proverbe arabe : « Il est dit dans la sagesse des sages, que pour chaque maladie il y a un remède, sauf pour la bêtise car elle a rendu malade celui qui a tenté de la guérir. »
Les illustrations sont calligraphiées en couleur.
N. B : Un CD de ce conte et de six autres, racontés par le conteur Jihad Darwish est disponible aux Editions Lirabelle.


Koko et Kodi : conte nouba du Soudan(3) (Texte de P. Musa), Grandir, 2000

Conte initiatique en miroir où successivement deux personnages (l’un héros positif, l’autre héros négatif) entreprennent un quête pour obtenir des richesses de leur oncle maternel.
Là où le premier réussit sa quête en prouvant sa maturité illustrée par le respect des règles sociales et la mesure, le second, cupide et irrespectueux des règles, échoue.
Les illustrations mêlent gravures et collages.
N. B : Un CD de ce conte en version arabe originale et en version française est disponible aux Editions Lirabelle.

Les aventures d’une fausse note (Texte de G. Aufray), Grandir, 2002

Un livre pour deux histoires parallèles racontées l’une par le texte et l’autre, par les images, où il est question d’harmonie et de brouhaha, d’ordre et de désordre…





Les pinces charmantes, Grandir, 2002

Un comptine détournée pour évoquer la torture, un sujet grave, généralement tabou dans la littérature jeunesse.
Illustrations réalisées grâce aux techniques du carton gratté et du collage.
« Hassan Musa détourne une comptine pour dénoncer la torture sous tous les régimes. « Lundi matin, l’empereur, sa femme et le petit prince, sont venus me voir pour me serrer les pinces… » mais loin de rendre une visite courtoise, les Puissants, de vraies pinces à la main, viennent interroger un prisonnier politique. Ils reviendront accompagnés du Général, de l’Imam, du Pape …
Dans cet album dédié à ses amis morts sous la torture, l’auteur invité à soulever les voiles : la réalité, ce serait un fond noir qui se déchire, révélant à chaque strate un nouveau tortionnaire et une cellule de plus. C’est un appel à se méfier des discours (derrière un texte familier peut se cacher l’horreur), et à dénoncer les non-dits. »
La Revue des Livres pour Enfants N°208, décembre 2002

Mon premier charabia français-espagnol vraiment en arabe, Grandir, 2002

Textes et illustrations humoristiques pour mettre en lumière l’apport de la langue arabe à la langue française en passant par l’espagnol.
Un lexique trilingue français-espagnol-arabe clôture cet ouvrage.

Adam au paradis : Histoires de prophètes(1) (Texte de H. et P. Musa d’après Al-Thaalabi), Grandir, 2005 (bilingue français-arabe)
Adaptation d’un texte du Moyen-Age très populaire dans le monde arabo-musulman, ce premier volume relate la création du monde ainsi que celle d’Adam et Eve grâce à de courts récits anecdotiques et fantastiques.


Sitt Iftikar (Texte de P. Gay-Para), Grandir, 2006 (bilingue français-arabe)

Récit de vie raconté par une grand-mère palestinienne à ses petits-enfants, dans un camp de réfugiés palestiniens à Beyrouth, en 2000.

Les auteurs de cet album reversent leurs droits, sous forme de livres, à l’association El Janna, O.N.G palestinienne basée à Beyrouth qui s’occupe de enfants palestiniens.

Prix : 20 €



Les funérailles de l’éléphant (Texte de F. Diep), Lirabelle, 2006

« En fait ce n’est pas une histoire d’animaux, c’est plutôt une histoire d’hommes qui jouent un comédie animalière tout en montrant qu’il ne faut pas les prendre pour des animaux. J’ai donc cherché à présenter des hommes qui font semblant de se cacher derrière les ombres chinoises des animaux. » Hassan Musa, 2006

Prix : 15 €

CV en Français

CURRICULUM VITAE





MAIN INDIVIDUAL ART EXHIBITIONS
1981 - British Council - Khartoum (Sudan)
1985 – Académie des Beaux-Arts – Budapest (Hungary)
1992 – Savannah Gallery – London (U.K)
1993 – Musée Pierre-André Benoît – Alès (France)
2005 – Galerie Philippe Pannetier – Nimes (France)
2006 – Galerie ETC – Montpellier (France)
2006 – Galerie AGIAL – Beyrouth (Lebanon)
2006 –Galerie NKA – Bruxelles (Belgium)

MAIN GROUP ART EXHIBITIONS
1978 – FESTAC – Lagos (Nigéria)
1995 – « Seven stories about african art » - Whitechapel Art Gallery – London
(U.K)
1996 – Kunstall – Malmö (Sweden)
1997 – Venice Biennal (Italy)
1999 – « Ateliers arabes » - Galerie Agial –Beyrouth(Lebanon) et Galerie Atassi – Damas
(Syria)
2003- 2006 - Touring exhibition « Looking both ways » - Museum for African Art – New- York(USA), in U.K and in Portugal
2004-2007 – Touring exhibition “Africa Remix” – Museum Kunst Palast – Düsseldorf
(Germany), Hayward Gallery – Londres(U.K), Centre Georges
Pompidou - Paris(France) …
2005 – « L’Occident vu par l’Orient » - CCCB – Barcelona and Valencia (Spain)
2006-2008 – Touring exhibition « Black Paris » - Iwalewa Haus- Bayreuth (Germany),
Museum der Weltkulturen – Frankfurt (Allemagne) et Musée des arts derniers –
Paris (France)

MAIN PERFORMANCES « GRAPHIC CEREMONIES »
1988 – « Les probabilités du carré » - Maison des Ecrivains soudanais – Khartoum
(Sudan)
1991 – « L’art africain de A à Zut » - Place de l’Abbaye – Alès(France)
1992 – « Cena africana 1 » - Université de Londres(SOAS) – London(U.K)
1992 – « Cena africana 2 » - Savannah Gallery – London(U.K)
1993 – « Cérémonie graphique » - Biennale des Arts Plastiques – Sharjah (Arab Emirates)
1993 – « Cena africana 3 » - Association « L’Art et la Manière » - Castellet(France)
1995 – « Crucifixion 1 » - Whitechapel Art Gallery – London (U.K))
1998 – “Crucifixion 2” – Johnson Museum – Ithaca (USA)
2003 – « Survivors name plate cena » - Museum for African Art – New-York(USA)

BOOK ILLUSTRATIONS EXHIBITIONS
1999 – “Takam Tikou” – International children Bookfair of Bologna
Bologna(Italy)
2003 – « Arab illustrators of children books » - Arab World Institute (IMA) – Paris
(France)

CALLIGRAPHY ON STAGE
Conception and execution of improvised calligraphies on stage during each choregraphic show of « Ballet Naïle » produced by « les Garagouz » Company (France).This show has been presented in several towns of France, of Spain and of Algeria.



BOOK DESIGN
Children illustrated books
1977 – La Belle Fatma(in arabic) – Ministère de la Culture – Khartoum(Soudan)
1978 – Les contes soudanais (Texte de A. Attayyeb)(in arabic) – KUP – Khartoum(Soudan)
1981 – Deux histoires de Kalila et Dimna(in arabic) – KUP (Soudan)
1993 - Tu l’as vu l’oiseau (Texte de A. Monjo), Grandir (France)
1993 - L’arbre aux vaches, Grandir(bilingual french-arabic)
1994 et 2002 - Contes des calligraphes et des sultans, Grandir
1994 - Mon premier dictionnaire français-anglais tout en arabe, Grandir(trilingual french-english-arabic)
1996 - Inchallah : sufi tale from Sudan(1), Grandir
1997 - L’homme caché : sufi tale from Sudan(2), Grandir
1998 - Le meilleur ami du fils du sultan : sufi tale from Sudan(3), Grandir
1998 et 2000 - Animaginettes, Grandir, 1998 et 2000 (bilingual french-arabic )
1999 - Sabila et Kotchéli : nuba tale from Sudan(1) (Text by P. Musa), Grandir
1999 - La sourate du taureau : sufi tale from Sudan(4), Grandir
1999 - Piège géométrique : sufi tale from Sudan(5), Grandir
2000 - L’alphabet de Schehrazade, Grandir (bilingual french-arabic)
2000 - Sal et Koché : nuba tale from Sudan(2) (Text by P. Musa), Grandir
2000 - L’oreille du loup gris (Text by J. Darwish), Lirabelle (France)
2000 - Koko et Kodi : nuba tale from Sudan(3) (Text by P. Musa), Grandir
2002 - Les aventures d’une fausse note (Text by G. Aufray), Grandir
2002 - Les pinces charmantes, Grandir
2002 - Mon premier charabia français-espagnol vraiment en arabe, Grandir (trilingual
arabic-spanish-french)
2005 - Adam au paradis : Histoires de prophètes(1) (Text by H. et P. Musa after Ath-Thaalabi), Grandir (bilingual french-arabic)
2006 – Sitt Iftikar (Text by P. Gay-Para), Grandir(bilingual french-arabic)
2006 – Les funérailles de l’éléphant (Text by F. Diep), Lirabelle
Artists books
1993 – L’arbre aux vaches (45 copies)
1994 – Le chien aux dents jaunes (45 copies)
1994 – Testament récent (45 copies)
1995 – Musa Alter Codex (45 copies)
2004 – Disparition de la Vierge (10 copies)
2006 – Combattre l’ange, combattre le démon (10 copies)
N.B : Cover illustrations of the books above , see www. ricochet.fr
Texts about art and culture
« L’identité suspecte » in Kitabat soudaniya, le Caire, avril 1993 (in arabic)
« La querelle des images » in Kitabat soudaniya, le Caire, novembre 1993 (in arabic)
« A propos de l’esthétique de l’espace architectural traditionnel » in El-Sharq El-Awssat, Londres, 4/10/1993 (in arabic)
« Quand Sapho chante Oum Kalsoum in El-Sharq El-Awsat, London, 28/07/96 (in arabic)
« Quand les gens du théâtre vont au cirque » in Ecrits sur le sable N°2, Montpellier, dec.94, avril 1993
« African proverbs of my own invention »et “About art-african-ism and about art” in Seven stories about modern art in Africa, Catalogue d’exposition de Whitechapel Art Gallery, 1995
(in english)
« Dix trucs pour ne pas devenir artiste africain » in Neue Kunst aus Africa, Catalogue d’exposition, Berlin, 1996 (in german)
« Five african riddles with answers » in Modernities and Memories, Catalogue d’exposition de la Biennale de Venise, 1997 (in english)
« Le second regard : Corps traditionnel et modernité au Soudan » in Journal de la Fondation Prince Claus N°3, La Haye, 1er trimestre 2000
« Qui a inventé les Africains ? » in Les Temps Modernes N°620-621, Octobre 2002,
« Images sacrées, images politiques » in Africultures N°65, Oct.-Dec. 2005 ou sur le site www.africultures.com

CV in English

CURRICULUM VITAE




MAIN INDIVIDUAL ART EXHIBITIONS
1981 - British Council - Khartoum (Sudan)
1985 – Académie des Beaux-Arts – Budapest (Hungary)
1992 – Savannah Gallery – London (U.K)
1993 – Musée Pierre-André Benoît – Alès (France)
2005 – Galerie Philippe Pannetier – Nimes (France)
2006 – Galerie ETC – Montpellier (France)
2006 – Galerie AGIAL – Beyrouth (Lebanon)
2006 –Galerie NKA – Bruxelles (Belgium)

MAIN GROUP ART EXHIBITIONS
1978 – FESTAC – Lagos (Nigéria)
1995 – « Seven stories about african art » - Whitechapel Art Gallery – London
(U.K)
1996 – Kunstall – Malmö (Sweden)
1997 – Venice Biennal (Italy)
1999 – « Ateliers arabes » - Galerie Agial –Beyrouth(Lebanon) et Galerie Atassi – Damas
(Syria)
2003- 2006 - Touring exhibition « Looking both ways » - Museum for African Art – New- York(USA), in U.K and in Portugal
2004-2007 – Touring exhibition “Africa Remix” – Museum Kunst Palast – Düsseldorf
(Germany), Hayward Gallery – Londres(U.K), Centre Georges
Pompidou - Paris(France) …
2005 – « L’Occident vu par l’Orient » - CCCB – Barcelona and Valencia (Spain)
2006-2008 – Touring exhibition « Black Paris » - Iwalewa Haus- Bayreuth (Germany),
Museum der Weltkulturen – Frankfurt (Allemagne) et Musée des arts derniers –
Paris (France)

MAIN PERFORMANCES « GRAPHIC CEREMONIES »
1988 – « Les probabilités du carré » - Maison des Ecrivains soudanais – Khartoum
(Sudan)
1991 – « L’art africain de A à Zut » - Place de l’Abbaye – Alès(France)
1992 – « Cena africana 1 » - Université de Londres(SOAS) – London(U.K)
1992 – « Cena africana 2 » - Savannah Gallery – London(U.K)
1993 – « Cérémonie graphique » - Biennale des Arts Plastiques – Sharjah (Arab Emirates)
1993 – « Cena africana 3 » - Association « L’Art et la Manière » - Castellet(France)
1995 – « Crucifixion 1 » - Whitechapel Art Gallery – London (U.K))
1998 – “Crucifixion 2” – Johnson Museum – Ithaca (USA)
2003 – « Survivors name plate cena » - Museum for African Art – New-York(USA)

BOOK ILLUSTRATIONS EXHIBITIONS
1999 – “Takam Tikou” – International children Bookfair of Bologna
Bologna(Italy)
2003 – « Arab illustrators of children books » - Arab World Institute (IMA) – Paris
(France)

CALLIGRAPHY ON STAGE
Conception and execution of improvised calligraphies on stage during each choregraphic show of « Ballet Naïle » produced by « les Garagouz » Company (France).This show has been presented in several towns of France, of Spain and of Algeria.

MAIN CONFERENCES
1999 – « Les portraits d’El-Mahdi – Approche iconographique de l’identité soudanaise »
Institut National des Langues et Civilisations Orientales (Paris) (France)
2001 – « Identité toi-même ! » - Maison du Conte (Chevilly) (France)
2004 – « Indifférence et différence : Je compte mes identités » - Association La Plateforme (St Ouen) (France)
2004 – « Comment se débarasser des fantômes de l’Afrique ? » dans le cadre de « Kleine
Götter » - Musée de Basse-Saxe – Hanovre (Germany)
2005 – A propos de l’ouverture du musée Quai Branly - Conférence-débat « Quelles images
pour quel musée », Université de la Sorbonne – Paris (France)


BOOK DESIGN
Children illustrated books
1977 – La Belle Fatma(in arabic) – Ministère de la Culture – Khartoum(Soudan)
1978 – Les contes soudanais (Texte de A. Attayyeb)(in arabic) – KUP – Khartoum(Soudan)
1981 – Deux histoires de Kalila et Dimna(in arabic) – KUP (Soudan)
1993 - Tu l’as vu l’oiseau (Texte de A. Monjo), Grandir (France)
1993 - L’arbre aux vaches, Grandir(bilingual french-arabic)
1994 et 2002 - Contes des calligraphes et des sultans, Grandir
1994 - Mon premier dictionnaire français-anglais tout en arabe, Grandir(trilingual french-english-arabic)
1996 - Inchallah : sufi tale from Sudan(1), Grandir
1997 - L’homme caché : sufi tale from Sudan(2), Grandir
1998 - Le meilleur ami du fils du sultan : sufi tale from Sudan(3), Grandir
1998 et 2000 - Animaginettes, Grandir, 1998 et 2000 (bilingual french-arabic )
1999 - Sabila et Kotchéli : nuba tale from Sudan(1) (Text by P. Musa), Grandir
1999 - La sourate du taureau : sufi tale from Sudan(4), Grandir
1999 - Piège géométrique : sufi tale from Sudan(5), Grandir
2000 - L’alphabet de Schehrazade, Grandir (bilingual french-arabic)
2000 - Sal et Koché : nuba tale from Sudan(2) (Text by P. Musa), Grandir
2000 - L’oreille du loup gris (Text by J. Darwish), Lirabelle (France)
2000 - Koko et Kodi : nuba tale from Sudan(3) (Text by P. Musa), Grandir
2002 - Les aventures d’une fausse note (Text by G. Aufray), Grandir
2002 - Les pinces charmantes, Grandir
2002 - Mon premier charabia français-espagnol vraiment en arabe, Grandir (trilingual
arabic-spanish-french)
2005 - Adam au paradis : Histoires de prophètes(1) (Text by H. et P. Musa after Ath-Thaalabi), Grandir (bilingual french-arabic)
2006 – Sitt Iftikar (Text by P. Gay-Para), Grandir(bilingual french-arabic)
2006 – Les funérailles de l’éléphant (Text by F. Diep), Lirabelle
Artists books
1993 – L’arbre aux vaches (45 copies)
1994 – Le chien aux dents jaunes (45 copies)
1994 – Testament récent (45 copies)
1995 – Musa Alter Codex (45 copies)
2004 – Disparition de la Vierge (10 copies)
2006 – Combattre l’ange, combattre le démon (10 copies)
N.B : Cover illustrations of the books above , see www. ricochet.fr
Texts about art and culture
« L’identité suspecte » in Kitabat soudaniya, le Caire, avril 1993 (in arabic)
« La querelle des images » in Kitabat soudaniya, le Caire, novembre 1993 (in arabic)
« A propos de l’esthétique de l’espace architectural traditionnel » in El-Sharq El-Awssat, Londres, 4/10/1993 (in arabic)
« Quand Sapho chante Oum Kalsoum in El-Sharq El-Awsat, London, 28/07/96 (in arabic)
« Quand les gens du théâtre vont au cirque » in Ecrits sur le sable N°2, Montpellier, dec.94, avril 1993
« African proverbs of my own invention »et “About art-african-ism and about art” in Seven stories about modern art in Africa, Catalogue d’exposition de Whitechapel Art Gallery, 1995
(in english)
« Dix trucs pour ne pas devenir artiste africain » in Neue Kunst aus Africa, Catalogue d’exposition, Berlin, 1996 (in german)
« Five african riddles with answers » in Modernities and Memories, Catalogue d’exposition de la Biennale de Venise, 1997 (in english)
« Le second regard : Corps traditionnel et modernité au Soudan » in Journal de la Fondation Prince Claus N°3, La Haye, 1er trimestre 2000
« Qui a inventé les Africains ? » in Les Temps Modernes N°620-621, Octobre 2002,
« Images sacrées, images politiques » in Africultures N°65, O